Menu

"المجتمع المدني" والفخ الإمبريالي

محمد صالح التومي - المعروفي

إن العاملين في حقل حقوق الإنسان مثلًا، كثيرًا ما يكتشفون أن هذا الحقل تهتم به زيادة على المنظمات غير الحكومية الدولية جهات رسمية، هي برلمانات الدول الغربية والخلايا الحكومية المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان والملحقة بوزارات الخارجية بتلك الدول، وهي جهات تعمل كلها على إصدار تقارير سنوية عن أحوال "الحريات" بمختلف البلدان.

وهكذا يندفع النشيطون في هذا الميدان عن وعي أو عن غير وعي مع التيار إلى أقصى مداه، وإنما تزيد في سرعة اندفاعهم وطأة القمع المسلّط عليهم من قبل السلطات المحلية المستبدة ببلدانهم، وعدم نضج الظروف الموضوعية والذاتية التي تمكن جماهير شعوبهم من مقاومة الاستبداد، فيعمدون عندئذ إلى التخلي عن إدخال هذه الجماهير في معادلات نضالهم ويسقطون شيئًا فشيئًا في الفخ إلى أن يقع تثبيتهم في علاقات دائمة أو شبه دائمة مع موظفين بمختلف السفارات الإمبريالية العاملة ببلدانهم، وينتهون إلى تجاوز "خط الرجعة" ولا يمكنهم الخلاص بعدئذ من الأوضاع التي تردوا فيها.

ولا يقف الأمر بعد هذا عند حد الأطراف العاملة على تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي أطراف ليبرالية في أغلبها... ذلك أنه حتى الأطراف السياسية المعروفة تقليديًا بعدائها للإمبريالية انطلاقًا من أدبياتها النظرية العامة، أصبحت لا تجد غضاضة في التأقلم مع هذه الأوضاع الجديدة، دون التخلي عن الثرثرة بشعاراتها القديمة في نفس الوقت.. وهكذا فهي تمد أيديها بمذلة لتقبل "التمويل الخارجي" مع مواصلة التبجح ظاهريًا بالشعارات الوطنية المناهضة للطفيلية وللخصخصة وللإمبريالية.

وغير خاف هنا أن الإمبريالية إذ توسلت بتعويد أفراد منظمات "المجتمع المدني" على أخذ الأموال من أي مصدر كان لتمويل أنشطتهم، ثم استدرجتهم بعد أن جعلتهم يطرقون أبواب المنظمات المانحة إلى القنصليات فالسفارات لعرض الدراسات والتقارير الكتابية والشفاهية المرغوب فيها من طرفها حول مختلف شؤون أوطانهم، فإنما كان هدفها الحقيقي يتمثل في جعل تلك الدراسات والتقارير تنتهي إلى "أدراج" وكالات استخبارها، ومقابل ذلك فهي توفر "الحماية" لهؤلاء الأفراد عند تعرضهم إلى القمع، كما قد تنظر في طلبات "المساعدة" التي يتقدمون بها إليها لتحقيق "الأهداف" (ولكن أهداف من يا ترى؟) وصولًا إلى تنصيبهم في مراكز القرار المختلفة، شرط نجاحهم في كامل مراحل الاختبار.

إن مثل هذا الطريق هو الذي يُراد من خلاله رئيسيًا دفع النخب بكل البلدان إلى "التطبيع" مع مختلف الأعداء وإلى "التسامح" إزاء كل الاعتداءات، بل وإلى وضع النفس في الخدمة دون حياء في نهاية المطاف، مقابل تجسيد "الرغبة في الزعامة والرئاسة" أو حتى مجرد الاهتمام بـ"الشأن العام" مع التمتع في نفس الوقت بدرجة من "الرفاهية" إزاء "العوز" (وما الفقر إلا فقر النفس والإرادة)... ومن "الحماية" إزاء القمع.

*من نص كتب ووزع سنة 2000، ونشر مرة أولى بجريدة الشعب العمالية التونسية سنة 2009، ثم نشر ثانية بواسطة دار الأطرش للنشر بتونس سنة 2016 في كتاب تحت عنوان "استعمرونا من فضلكم!!!!"...المقتطفات مأخوذة من ص51 إلى55.