Menu

المبادرة الروسية والأمن الخليجى الجديد

د. محمد السعيد إدريس

إن طال الزمن أو قصر سوف تنتهى الأزمة الساخنة المتفجرة الآن بين الولايات المتحدة وإيران، وبعدها سيكون السؤال حتمياً: وماذا بعد؟ سيفرض هذا السؤال نفسه على الجميع، وأعنى جميع المعنيين بهذه الأزمة عرباً كانوا أم غير عرب، أياً كانت النتائج التى ترتبت على الأزمة، خسائر كانت أم مكاسب.

هناك أمور كثيرة سوف تفرض نفسها للبحث منها التساؤل عن أسباب تفجر هذه الأزمة؟ وما هى الدروس المستفادة؟ وكيف يمكن لأهل الخليج خاصة والعرب عامة تفادى مثل هذا النوع من الأزمات المدمرة التى لا يمكن أن نتخيل فداحة نتائجها لو أن خيار الحرب هو الخيار الذى اعتمد لإنهائها.

هذه الأزمة هى، بتلخيص شديد، أزمة "تنازع المكانة" بين قوة عالمية مسيطرة وتريد أن تستمر فى السيطرة على الخليج، هى الولايات المتحدة الأمريكية، وقوة أخرى إقليمية ترفض هذه السيطرة الأمريكية، وترى أن الولايات المتحدة قوة دخيلة على الخليج، وأن أمن الخليج يجب أن يكون مسئولية أبنائه، أى أن تكون هى المسيطر أو المهيمن البديل على الخليج لإدراكها لمدى اختلال توازن القوة بينها وبين الدول الخليجية الأخرى لصالحها. وبين هاتين القوتين تقف باقى الدول الخليجية الأخرى (دول مجلس التعاون الخليجى الست والعراق) عاجزة عن تحقيق الأمن دون اعتماد على الحليف أو "الوكيل" الأمريكى، لكنها بدأت تفقد الثقة فى هذا الحليف، وتدرك مدى عجزه، أو بالأحرى مدى تمنعه عن تحقيق الأمن إما لإدراكه أن الخليج المأزوم أضحى سبيلاً لجنى المكاسب وتحصيل فواتير "دور الحماية" بمئات المليارات من الدولارات، وإما لإنشغاله بأولويات أخرى، وإما لإدراكه بأفول قوته، ووعيه بوجود قوى دولية وأخرى إقليمية باتت قادرة على منافسته فى الخليج، لكن هذه الدول الخليجية تجد نفسها فى ذات الوقت فى مأزق بسبب عدم ثقتها فى الجار الإيرانى، الذى لم يتراجع بعد عن حرصه على تصدير ثورته، والتدخل فى الشئون الداخلية للدول المجاورة واستغلال المكونات الطائفية فيها لزعزعة استقرارها، وحرصه على توظيف "فائض قوته" للقيام بدور المسيطر أو المهيمن الإقليمى فى الخليج، علاوة على ذلك فإنها، ليست قادرة بمفردها على تأمين معادلة مستقلة للأمن فى الخليج، وليست قادرة على إجبار إيران أن تكون قوة مسالمة وشريكة معها فى إطار تعاونى للأمن يحقق الإستقرار ويضمن "الأمن العادل" لجميع الدول، دون استعلاء أو نوازع للسيطرة والهيمنة.

من هنا يأتى التفكير الضرورى للإجابة على سؤال كيف يمكن التوصل إلى معادلة مأمونة للأمن فى الخليج بعد إنتهاء الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران؟ هذا هو سؤال: وماذا بعد؟ الذى نعنيه.

فعلى مدى العقود الخمس الماضية، وبالتحديد منذ الانسحاب البريطانى من الخليج عام 1971، ظلت الولايات المتحدة حريصة على التفرد بالسيطرة الكاملة على الأمن فى الخليج باعتبار أن هذه السيطرة هى الوسيلة المثلى للسيطرة على الدول الخليجية العربية واستنزاف ثرواتها فى مشروعات تسليحية ودفاعية باهظة التكاليف. وإذا كانت الولايات المتحدة قد استخدمت العديد من الإستراتيجيات لتحقيق هذه الفرصة بالسيطرة المنفردة والحيلولة دون تمكين الدول الخليجية من تأسيس أمن خليجى مرتبط بالأمن العربى (إعلان دمشق بعد حرب 1991) أو نظام للأمن الجماعى الخليجى فإنها، وبعد تعثر فرض سيطرتها على العراق واضطرارها بسبب الخسائر الفادحة فى قواتها وضغوط الرأى العام الأمريكى، اضطرت للتفكير فى تأسيس مشروعات جديدة للأمن الخليجى تحفظ لهم استمرار السيطرة على الخليج، مع السماح بقدر من المشاركة من جانب أطراف دولية وإقليمية أخرى ضمن سياسة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" قبل أن تفرض تداعيات الفشل الأمريكى فى العراق نفسها على الهيمنة الأمريكية على الأمن فى الخليج.

بهذا الدافع انخرطت العديد من المراكز البحثية الأمريكية فى تقديم "سيناريوهات نظرية" يمكن الحوار حولها مع أطراف دولية وإقليمية للوصول إلى الصيغة الأمثل للأمن الخليجى. وقد ساهمت مؤسستى "بروكنجز" و"راند" فى صياغة العديد من السيناريوهات. ولقد حظيت ثلاثة مشروعات من بين كل ما عرض من مشروعات للأمن الإقليمى الخليجى باهتمامات ملحوظة هى أولاً مشروع "نانو شرق أوسطى" وثانياً مشروع تأسيس "سيادة أمنية مشتركة فى الخليج" والمشروع الثالث هو "الشراكة الأوروبية".

استهدف مشروع "النانو الشرق أوسطى" إقامة حلف دفاعى إقليمى فى الخليج من النوع الذى نجح فى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أثناء الحرب الباردة على غرار "حلف بغداد" الذى أسقطته مصر بزعامة جمال عبد الناصر، والذى تحول إلى "حلف السنتو" بعد انسحاب العراق منه عقب تفجر الثورة العراقية فى يوليو 1958. تردد الأمريكيون فى الأخذ بهذا المشروع لأسباب تخص الاستقرار السياسى والشرعية فى دول مجلس التعاون، وبسبب العجز الأمريكى عن حسم الأوضاع فى العراق بسبب الرفض الشعبى للاحتلال الأمريكى ورفض مشاريعه.

أما مشروع "السيادة الأمنية المشتركة" فى الخليج فكان يرمى إلى أن تتبنى الولايات المتحدة سيادة أمنية مشتركة فى الخليج على غرار تجارب السيطرة على التسلح فى أوروبا فى نهاية الحرب الباردة، من خلال البدء بـ "منتدى أمن إقليمى" يجمع الولايات المتحدة مع دول مجلس التعاون الخليجى والعراق إضافة إلى إيران (كان هذا هو أول وآخر مشروع يقر بالمشاركة الإيرانية) يبدأ عمله بتبادل المعلومات، ووضع إطار الاتفاقيات، والانتقال بعد ذلك إلى إجراءات بناء الثقة، ثم الاتجاه بعدها إلى الشروع فى اتفاقيات السيطرة على التسلح، وخفض القوات، وحظر كل أسلحة الدمار الشامل، وبرنامج تفتيش متعدد الأطراف. هذا المشروع رفض بالمطلق بسبب عمق العداء الأمريكى والخليجى لإيران.

وجاء مشروع "الشراكة الأوروبية" كبديل من خلال إشراك أوروبا مع الولايات المتحدة فى جهود بناء نظام أمن إقليمى مستقر فى الخليج يركز على توازن القوى فى المنطقة بالمعنى الإقليمى، والإصلاح السياسى الذى يؤمِّن الاستقرار والشرعية معاً، وتوسيع المشاركة السياسية، والحرص على تعدد مصادر القوة الداعمة لهذا النظام لتخفيف الأعباء من ناحية (الأعباء على أمريكا)، وزيادة الكفاءة من ناحية أخرى.

هذه المشروعات أو السيناريوهات الثلاثة المقترحة لم تجد أى فرصة حقيقية لدى الإدارة الأمريكية التى لم تقبل بديلاً عن استمرار فرض السيطرة الأمريكية على العراق، وتصعيد العداء المطلق لإيران، والتفرد الأحادى بمسئولية الأمن فى الخليج.

الأمر الواضح الآن أن الولايات المتحدة، ستكون مضطرة، مع إنتهاء الأزمة الحالية المتفجرة مع إيران إلى التفكير فى نظام بديل للأمن الخليجى من وجهة نظرها لكنها لن تستطيع فى ظل تعثرها الواضح والصريح فى كسب هذه الأزمة، وتداعى الثقة الخليجية فى التعويل المطلق على الحليف الأمريكى لتحقيق الأمن وإدراكها أن "نظام الأمن بالكفالة" لم يعد موثوقاً به، فضلاً عن عجزه الفادح، لكن الأهم هو تطلع قوى دولية كثيرة وحرصها على منازعة الأمريكيين فى شأن مستقبل الأمن الخليجى خاصة روسيا والصين والهند ودول أوروبية منافسة لواشنطن وبالذات فرنسا.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن أن تقدم المبادرة الروسية التى عرضها ميخائيل بوجدانوف نائب وزير الخارجية الروسى فى اجتماع مغلق مؤخراً أعدته وزارة الخارجية الروسية مشروعاً يحظى بالثقة للأمن الإقليمى الخليجى المطلوب؟

بوجدانوف لخص المشروع الروسى الذى يتضمن العديد من الإجراءات بالدعوة إلى ضرورة إطلاق حوار تدريجى حول تقليص الوجود العسكرى الأجنبى بالخليج، ما يعنى أن هذا الوجود العسكرى (الأمريكى بالأخص) والتمادى الأمريكى فى عسكرة الخليج بنشر العديد من القطع الحربية ليس سبيلاً لتحقيق الأمن بقدر ما هو أحد أهم أسباب تأزيمه، كما أنه من الضرورى وضع تدابير مشتركة لبناء الثقة بين دول الخليج (بما فيها إيران والعراق) ودول أخرى، مع التوجه لإنشاء هيكل لنظام أمن إقليمى وبالتحديد "منظمة للأمن والتعاون" بالخليج تشمل الدول الخليجية والإقليمية وروسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والهند إضافة إلى أطراف دولية أخرى معنية كأطراف مراقبين.
مثل هذه المنظمة المقترحة يمكن أن تكون "حاجة مستقبلية" لكن الوصول إليها يفرض أن يبدأ العمل من الآن بالانخراط فى الإجراءات المقترحة فى المبادرة الروسية، واعتماد الحوار وليس الصراع وبناء الثقة وليس التنازع كإطار لإدارة الخلافات، والتعاون والاعتماد المتبادل وليس العسكرة المفروضة من الخارج كأساس للأمن، لكن الأهم هو الوعى بأن الولايات المتحدة ستقاتل بضراوة لإفشال هذا المسعى كى تبقى المسيطر الوحيد على الأمن الخليجى.

لذلك فإن مسئولية إنجاح هذا المسعى بقدر ما ستتوقف على نتائج الأزمة الحالية بقدر ما تتوقف على جدية موقف الدول الخليجية فى البدء من الآن للبحث فى معادلة جديدة للأمن الخليجى تنطلق من استخلاص الدروس المستفادة من الأزمة الحالية المتفجرة بين الولايات المتحدة وإيران.