ثمة بين السياسيين البريطانيين مَن يُحذّر مِن أن بوريس جونسون سيكون آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة في حال إقدامه على تنفيذ خطته لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، في إشارة إلى احتمال تفكك سبيكة الدولة البريطانية، اتصالاً بالاعتراضات الوازنة التي يبديها الاسكتلنديون والإيرلنديون على خطة جونسون آنفة الذكر. بالمقابل، وعلى الرغم من ذلك، ومن كل التداعيات الكبيرة التي ينطوي عليها تنفيذ هذه الخطة، قال مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي، جون بولتون: «نؤيد، بحماسة، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق».
وإذا أضفنا أن تأييد إدارة ترامب لخطة حكومة جونسون هذه إنما يندرج في إطار خطة أشمل لتفكيك الاتحاد الأوروبي، بما يعني أن عالم الغرب الرأسمالي ما بعد الحرب العالمية الثانية مُقبلٌ على تغيير جوهري، وأن هذا التغيير لا يسير وفق الرؤية الإصلاحية التي يتبناها، هنا، كل من بيرني ساندرز الأمريكي وجيرمي كوربن البريطاني، اللذين يجمعهما، على اختلاف تجربتيهما، أنهما جاءا إلى موقعيهما من ميدان «حركات الاحتجاج الحقوقية»، ويتبنيان سياسة اجتماعية داخلية أقل «توحشاً»، وسياسة خارجية أكثر توازناً، بل وفق الرؤية النقيضة التي يتبناها كل من ترامب الذي قفز إلى رئاسة الولايات المتحدة من خارج مؤسسة «الدولة العميقة»، وجونسون الذي وصل لرئاسة حكومة بريطانيا بفعل تداعيات «البريكست»، وحصوله على تأييد أغلبية أعضاء حزب المحافظين بعد استقالة تريزا ماي.
هذا يعني أنه لا ترامب ظاهرة أمريكية، ولا جونسون ظاهرة بريطانية خالصة، بل هما، بما يمثلان، أبرز مكونات الاتجاه الشعبوي الآخذ في التنامي، منذ سنوات، داخل الخريطة الحزبية لجميع الدول الغربية، وهو ما بات يُسمى أحزاب اليمين المتطرف التي تمثل وصفة للتوتير والتنازع والاستقطاب داخل بلدانها، ولإثارة أشكال مختلفة من الأزمات داخل أكثر من دولة وإقليم في العالم، بكل ما ينطوي عليه ذلك من احتمال لإشعال الحروب، سيان: في هذا الإقليم أو ذاك.. بشكل مباشر أو بالوكالة.. بقرار أو بخروج الأمور عن السيطرة. وهو الأمر الذي من شأنه أن ينقل هذه الأزمة أو تلك من أزمات العالم من حافة الهاوية إلى قعرها. أما الخاسر الأول، هنا، فهي الشعوب، بلا شك أو ريب.
هنا، إذا كان ترامب وجونسون قد نجحا، عبر صندوق الاقتراع، في الوصول إلى سدة الحكم في بلديهما، فإن نظراءهما في زعامة أحزاب اليمين المتطرف في بقية الدول الغربية يواصلون السعي إلى تحقيق النجاح ذاته، ذلك بمعزل عن تباين فرصهم في الوصول إلى رأس السلطة، سيان: بصورة منفردة، أو في إطار ائتلاف مع أحزاب أخرى. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما شكله نجاح ترامب وجونسون، هنا، من دعم وتشجيع وتقوية وإلهام لبقية زعماء أحزاب هذا اليمين، فإن وصول بعض هؤلاء إلى رأس السلطة، بات أمراً وارداً أكثر مما كان عليه الحال قبل وصول جونسون إلى السلطة. أما إذا وصل زعماء هذه الأحزاب إلى السلطة في كل من فرنسا وألمانيا، (مثلاً)، فيعني أن شعوب العالم، وشعوب كل إقليم من أقاليمه، قد أصبحت أمام تهديد فعلي، وخطر حقيقي، لا تقوى على درئهما سياسة الدول الغربية التي تحاول استرضاء إدارة ترامب، وتملقها، والتزلف إليها، أملاً في تجنب شرها، كشرٍ لم تنجُ منه دولة في العالم، بما فيها حلفاء الولايات المتحدة في الغرب، (باستثناء «إسرائيل» طبعاً). لقد بات الأمر، هنا، بحاجة إلى اصطفاف سياسي يعارض بجدية رؤية إدارة ترامب وحكومة جونسون لإدارة العالم، أو يدعم، في أدناه، الرؤية النقيضة التي يمثلها كل من ساندرز الأمريكي وكوربن البريطاني. أما غير ذلك فلن يقود إلا إلى انتظار احتمال حلول كارثة، ربما، لا تقل مأساوية عن كارثتي الحربين العالميتين الأولى والثانية.

