Menu
أوريدو

سوريا.. قلب الحروب النابض

نصري الصّايغ

لم يحن زمن رسم الخرائط بعد. طاولات التفاوض مهجورة ومجهولة الإقامة. الحرب، بعد عامها الرابع، ما تزال في بدايتها. لم ترسُ المنطقة المشتعلة على مشهد أخير، ولا هي في صدد ذلك. طاقتها على الاشتعال متجددة، وقدرتها على العدوى منتشرة. التوقعات المفترضة لشكل المنطقة في ما بعد، ضئيلة الصدقية، التوقع الوحيد السائد هو التالي: الحرب هي السياسة. لم ينعقد زمام التفاوض.

الذين يتحدثون عن خرائط مرسومة سلفاً، ينتمون إلى «كابوس المؤامرة». موجودة في التاريخ، ولكنها ليست التاريخ. باستثناء «مؤامرة سايكس ـ بيكو»، خضعت المنطقة لسياسات معلنة وفجة، استعمارية من الخارج واستبدادية من الداخل. لم يكن ذلك مرسوماً بالسر، كان مطبَّقاً بفجاجة ووحشية. «إسرائيل» ليست مؤامرة. هي مشروع علني كتبته الصهيونية وروّجته في عواصم القرار ونفّذته بقوة السلاح والاغتصاب، على مرأى العالم، الذي رأى وغض الطرف على الجريمة.

لا حاجة لفك رموز «المؤامرة» والانشغال «الميتا ـ سياسي» بالتصدي لها، ما دامت الأحداث التي اندلعت بعد «البوعزيزي»، فاجأت الجميع، وجرفت ما كان مكرَّساً ومرسوماً وثابتاً وراسخاً. لم يتنبأ أحد بما حدث في تونس، ولا في مصر، ولا في ليبيا ، ولا في اليمن، ولا في سوريا، ولا في العراق... وعليه، فإن تنسيب «داعش» للفعل المؤامراتي، ولصناعة المخابرات، نوع من أنواع تبرئة الذات الجمعية من المسؤولية، وتعليل سير الأحداث غير المرغوب فيها، بأنها صياغة بأصابع خارجية.

الخارج موجود دائماً، إنما الأولوية دائماً للداخل. إهماله يعمي البصر وتعظيم الخارج يعمي البصيرة.

الجواب عن سؤال: كيف سيكون شكل المنطقة بعد الحرب؟ هل ستقسَّم أو تقتسم؟ من مع من؟ ما حصة القوى الإقليمية؟ هل سيحصل «صلح الحديبية» مرة أخرى بين الأذرع الإيرانية والامتدادات السعودية؟ وأسئلة أخرى على مستوى الجماعات الصغرى وقوى التكفير والمنظمات الدولية... كل هذه الأسئلة وسواها، سابقة لأوانها كثيراً.

لقد ولدت حرب جديدة منذ أسبوع تقريباً، وكانت حرب أخرى قد اندلعت منذ أكثر من أربعة أشهر. دخل الميدان جيشان لدولتين. تركيا و السعودية كانتا تقودان حروباً بواسطة الآخرين، باتتا تخوضان حروباً بقواتهما العسكرية. أن تقود حرباً شيء وأن تخوضها شيء آخر. الأثمان بالغة وبليغة التأثير ومدعاة للتغيير، تركيا كانت تقود حروباً بواسطة «أصدقاء» أو «عملاء» أو «أجراء» أو قوى متعددة الأسماء... «داعش» المحمي منها، استدرجها لمحاربته. استُدرجت فولجت. كانت تبعد كأس «داعش» عنها. قبل، وفي القول أرجحية وأدلة، إنها حمت وجهّزت ودعمت وسهلت مرور المرتزقة لتصبح «داعش» حصان السبق لإسقاط النظام في سوريا...

رد الفعل التركي افتتح حرباً جديدة، بأولويات تجمعت دفعة واحدة، وباتت في مرمى غارات الطيران على الشمال السوري والعراقي. تركيا التي كانت تضع أولوية إسقاط النظام ومنع الأكراد من تكوين حالة جغرافية متاخمة لحدودها، أضافت إليها مثال «داعش» وإقامة منطقة عازلة بهدف ملء الفراغ بعد «داعش» وإعادة المهجرين السوريين إليها.

سوريا، قلب الحروب النابض. الحرب فيها تفيض على جيرانها، دولاً وجماعات وطوائف ومذاهب. هي الآن منطقة الجذب الحربي، للنيران التركية وقوات «التحالف الدولي» و «خبراء القتال» الإيراني وقوات «حزب الله» اللبناني. هذه دول ومجموعات منخرطة في القتال، إلى جانب «الأممية التكفيرية» القادمة من القارات الخمس. يضاف إليها دول تقود القتال من دون أن تقاتل: الأردن، السعودية ودول الخليج. وأبواب سوريا مفتوحة لاستقبال المزيد من العديد والعتاد، من دون أن يتبين «الخيط الأبيض من الخيط الأسود». وحتى الآن، لا أرباح في رصيد الدول المحاربة، والنظام السوري الذي بدأ يفصح عن خسائره، يجد أن أرباح الآخرين، أقل مما تبقى له.

السعودية في اليمن، كانت تقود حربها من بعيد. تدخلت بصياغات إقليمية وأوراق عمل، رسمت فيها صورة اليمن، بعد علي عبد الله صالح. الحوثيون قلبوا المعادلة. اندفاعاتهم في الميادين، أشعرت السعودية بالخطر يقرع خاصرتها. خطر إيراني، شبيه بالخطر الناصري. لا مساومة في ذلك. السعودية انتقلت إلى خوض معركتها الخاصة. هي تدافع عن نظامها ولو على خراب اليمن.

يلاحظ مدى الشبه في لجوء الأنظمة والدول في الإقليم إلى سلاح الجو تحديداً، لقصف القوى المنتشرة بين المدنيين. التحالف الدولي، السعودية، تركيا، مصر، ليبيا، إضافة إلى سوريا... القتلى في هذه المعارك هم من المدنيين. المهجرون من المدنيين... إنه لبؤس أخلاقي مزمن. لا قيمة للإنسان في الحروب. بل، لا يوجد في التاريخ حروب إنسانية.

قيل، الاتفاق النووي سيفتح الأبواب أمام حلول إقليمية في سوريا و العراق ولبنان وحتى... فلسطين. صح. إنما، الطريق طويل جداً لبلوغ الباب الأول منها. المنطقة تعيش «ربيع الحرائق».

المصدر: السفير