Menu

حول المستحيل والشوق والمحبة

محمد صالح التومي - المعروفي

المستحيل ليس مستحيلًا إلا بقدر عدم توفر الظروف الموضوعية والذاتية لإنجازه؛ فالمستحيل هو ما نعجز اليوم عن إدراكه، ولكن ما سنتمكن من إنجازه في قادم الزمان شرط توفر الإرادة والمثابرة.

لو وجد من يقول للبدائي الذي كان يسكن الكهوف: إنه سيأتي يوم نحصل فيه على النور بمجرد الضغط على زر دون انتظار شروق شمس يوم جديد، وعلى الماء بمجرد فتح صنبور في حائط، وسيتمكن فيه البشر من مخاطبة بعضهم البعض مهما تناءت المسافات بينهم وفرقت بينهم حواجز الرؤية المباشرة، بل إنهم ستطأ أقدامهم سطح ذلك الكوكب البعيد الذي يضيء ليالينا والذي نسميه قمرًا... لضحك ذلك البدائي ملء شدقيه سخرية واتهم مخاطبه بالعته والجنون.

ولكن هذه المستحيلات جميعها أصبحت بعد خضوعها لتأثير عامل الزمان واقعًا لا مراء فيه. فكذلك، فقل اليوم عن المستحيلات التي نعتبرها مستحيلات، وهي ليست كذلك إلا لغياب الظروف الذاتية والموضوعية التي تمكن من إنجازها...

إن المحبة هي سر هذه الأكوان ومحركها ومبتغاها،     
وكل شيء يحركه الشوق...    
وإن أعلى مراتب الشوق هي الشوق إلى الحق؛  
وإن أكبر مجسمات الشوق هما الإرادة الواعية والمثابرة الفعالة؛

وهكذا فإن من عرف الشوق إلى الحقيقة يكون قد عرف كل الشوق، ومشى في الدرب نحو معانقة سر الوجود... فلن تصعب عليه أي مهمة يود إنجازها؛ كونه يعرف إنه إذا لم يتمكن من إنجازها بالكامل فسيكون وضع لبنة في سبيل إنجازها...  وسيأتي بعده من يحملون نفس شوقه فينجزون المطلوب.

فعناصر البنية التحتية أو المادية توفر أفضل الظروف لتطوير الوعي الفعَّال، ولكن عناصر البنية الفوقية والتي منها الإرادة والمثابرة تصبح في جدليتها مع العناصر المادية أهم العوامل في تثوير الواقع المادي وتغييره في الاتجاه المطلوب والقضاء على انحرافاته ومظالَمه.

ولكن حذار هنا من الإرادة والمثابرة إذا مسهما الوعي الزائف وأصبحتا في خدمة تورم الأنا المغيّب للبعد الجماعي، فهما لا يقودان عندئذ إلا نحو الفظاعات والمآسي.

فإذا لم يكن نضال الإنسان- من أجل تخليص الإنسان من استغلال أخيه الإنسان، وتخليص الأوطان من الهيمنة- ناتجًا عن المحبة والشوق... فلا مآل لهذا النضال إلا إعادة إنتاج أسباب الظلم للإنسان والتخريب للأوطان... مع تغير الشكل فقط.

فالدفاع عن مبدأي العدل والحرية، هما حب لهذين المبدأين وشوق إليهما يجب أن يتجاوزا إرادة تجسيمهما لفائدة الأنا والطموح إلى تحقيقهما لفائدة الجميع.... وإلا فُقد ذلك الدفاع المعني.