أياً كانت دوافع إسرائيل للتوجه نحو الخليج لفرض نفسها قوة أساسية فى معادلة الأمن الخليجى اعتقاداً منها أن الفرصة أصبحت سانحة لملء فراغ ما تعتقده انسحاباً أمريكياً من هذه المعادلة لأسباب تخص أولويات الاستراتيجية الأمريكية فى ظل الصراع المتنامى مع الصين فى جنوب شرق آسيا، فإن الأمر لا يتوقف بالأساس على أن إسرائيل راغبة أو غير راغبة، قادرة أو غير قادرة على القيام بهذا الدور، لكنه يتوقف أيضاً، وبالأساس على مدى جدية وجود فرص حقيقية للقيام بهذا الدور فى الأمن الإقليمى الخليجى.
وجود مثل هذه الفرص يتوقف على إجابات مازالت غير محسومة للكثير من الأسئلة شديدة الأهمية بهذا الخصوص منها؛ ما مدى جدية وجود نوايا حقيقية أمريكية للانسحاب من معادلة الأمن الخليجى؟ هل ما يتداول الآن فى أروقة الفكر الإستراتيجى الأمريكى بهذا الخصوص يتعلق بانسحاب كامل أمريكى من الخليج أم بـ "إعادة تموضع" أى مراجعة لكثافة الدور الأمريكى فى الخليج بما لا يؤثر سلبياً على المصالح الأمريكية وإلتزامات واشنطن لحلفاءها الخليجيين، والأهم بما لا يسمح لقوى دولية أو إقليمية منافسة بأن تحل محلها فى الخليج. منها أيضاً سؤال عن القوى الدولية والإقليمية الطامحة لفرض نفسها فى معادلة الأمن الخليجى وقضم أجزاء لا بأس بها من النفوذ والمكانة والهيمنة الأمريكية فى الخليج، هناك بالأساس روسيا وتحالفها الإستراتيجى مع إيران فى سوريا الذى سيمتد حتماً إلى الخليج وربما تقدم إيران قواعد لروسيا على أراضيها وفق "تقاسم نفوذ" مقبول بين طهران وموسكو فى سوريا، أى أن تسمح موسكو لطهران بدور إيرانى قوى فى سوريا، مقابل أن تعطى إيران موطئ قدم لروسيا على الضفة الشرقية بالخليج. وهناك أيضاً الصين ومشروعها العالمى المعروف بـ "طريق الحرير" الذى يعتبر أن الخليج معبر رئيسى للصين نحو الجزيرة العربية والمشرق العربى والقارة الأفريقية. وهناك أيضاً الدول الأوروبية الطموحة على منافسة النفوذ الأمريكى فى الخليج خاصة فرنسا التى تتحمس لدعوة تأسيس "جيش أوروبى" مستقل عن حلف شمال الأطلسى "الناتو" للإفلات من الهيمنة الأمريكية، ناهيك عن "تاريخية" النفوذ البريطانى فى الخليج، الذى تداعبه أحلام العودة على أنقاض أى انسحاب أمريكى.
الأهم من كل هؤلاء هو إيران التى باتت تؤكد، كل يوم، أنها من يحمى الأمن فى الخليج، وأن أمن الخليج "يجب أن يكون مسئولية الدول الخليجية دون غيرها". هذا الموقف المبدئى الإيرانى تدعمه قدرات عسكرية إيرانية متنامية، كما تدعمه علاقات إيرانية وثيقة الآن بثلاث دول أعضاء فى مجلس التعاون الخليجى هى على الترتيب: سلطنة عمان و قطر والكويت. وإذا كانت الدول الثلاث الباقية أى السعودية والإمارات والبحرين هى من يناصب إيران العداء ويتوجه نحو إسرائيل "كقوة موازنة مستحدثة" للخطر الإيرانى فإن هذا التوجه الذى تقوم به هذه الدول محدود الأفق الزمنى ومحدود الدوافع الموضوعية، بمعنى أن هذه الدول اتجهت نحو إسرائيل فى ظل تأرجح العداء مع إيران فى أزمات بعينها: العراق وسوريا واليمن ولبنان. معظم هذه الأزمات باتت موضع الحل أو التوجه نحو الحل. الأزمة السورية فى طريقها للحسم، وأفق التوصل إلى حل للأزمة اليمنية بعد الإفصاح الأمريكى عن قنوات تواصل أمريكية مع جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) فى اليمن باتت مواتية، وزيارة الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودى لواشنطن مؤخراً ولقائه مع وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو للبحث فى هذا الملف تكشف أن تفاهماً أمريكياً- سعودياً حول أزمة اليمن أضحى ممكناً وأن هذا التفاهم لا يمكن أن يتم بدون ضوء أخضر وتفاهمات مع إيران بهذا الخصوص، تفاهمات تدعمها تفاهمات أمريكية أخرى مع إيران حول أزمة أفغانستان والمفاوضات الأمريكية مع حركة "طالبان" التى تجرى فى قطر على مدى الأشهر الأخيرة. تفاهمات تقول أن العداءات الخليجية مع إيران يمكن أن تنحسر خصوصاً مع مؤشرات جديدة أكدتها قمة الدول السبع واستدعاء فرنسا لوزير الخارجية الإيرانى محمد جواد ظريف، بموافقة شخصية من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وما أفصح عنه الرئيس الأمريكى ترامب فى مؤتمره الصحفى مع الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى قمة مجموعة الدول السبع التى استضافتها فرنسا فى مدينة بياريتس من "إستعداده للقاء الرئيس الإيرانى حسن روحانى فى ظروف مناسبة" وتأكيدات المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل عقب انتهاء هذه القمة من أن مجموعة السبع "قامت بخطوة كبرى إلى الأمام" فى المحادثات مع طهران، تؤكد كلها أن "الأزمة الأمريكية- الإيرانية" فى طريقها إلى الانحسار، وهذا يعنى أن العداء الأمريكى المتأجج مع إيران سوف يتراجع، وربما يختفى إذا كانت الظروف مواتية، وهذا معناه أن العداء الخليجى لإيران هو الآخر سوف يتراجع وهو العداء الذى يعتبر "الركيزة الأساسية للطموحات الإسرائيلية فى الخليج.
يبقى السؤال المهم بهذا الخصوص هو: هل تستطيع إسرائيل أن تفرض نفسها كقوة ضامنة للأمن الإقليمى الخليجى؟
السؤال مهم ويقودنا حتماً إلى سؤال آخر عن القدرات الإستراتيجية الإسرائيلية لملء فراغ ما يعتقده الإسرائيليون "انسحاباً أمريكياً متوقعاً من الخليج"، على ضوء واقع الصراع على السلطة داخل إسرائيل.
الخليجيون تابعوا إلى أى مدى كان الإرتباك الإسرائيلى الشديد والخوف إلى درجة "الذعر" من الرد الذى سيصدمهم به السيد حسن نصر الله الأمين العام "لحزب الله" فى لبنان رداً على الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت معقل "حزب الله". هذا الإرتباك والذعر الذى فرض نفسه بقوة على قادة الكيان الصهيونى كان مؤشراً مهماً بأن "إسرائيل لا تستطيع" أن تكون ضامنة أمن الخليج البديل للحليف الأمريكى. أما الصراع السياسى الداخلى على السلطة المحتدم داخل الكيان الصهيونى فى ظل ظروف المنافسة الانتخابية الساخنة (الانتخابات العامة التى ستجرى يوم 17 سبتمبر الجارى) تؤكد هى الأخرى أن فرص نتنياهو كرئيس قادم للحكومة تتراجع والأهم هو خسارته لـ "جدارته" فى قيادة إسرائيل.
لقد اعتبرت المعارضة الإسرائيلية سواء بينى جانتس زعيم حزب "أبيض – أزرق" المنافس الرئيسى أو إيهود باراك فى حزب "العمل" والمنافس المحتمل أن ضربات نتنياهو فى العراق وبعدها سوريا ثم لبنان "كانت طائشة وانتخابية" وأنه يقود إسرائيل نحو "اهتزاز المكانة" وهذا ما كشفه مناحيم بن الكاتب الإسرائيلى فى صحيفة "معاريف" بقوله أن "نتنياهو قام بتنفيذ الاعتداءات تلك لاعتبارات انتخابية ضيقة" لافتاً إلى أن "تبرير الاعتداءات بحاجة إسرائيلية إستراتيجية للحفاظ على أمنها القومى هو مجرد كذب ومحاولة بائسة ويائسة لامتهان عقول الإسرائيليين" على حد تعبيره، وهذا ما عاد إلى تأكيده "ران أدليست" فى صحيفة "معاريف" أيضاً بأن "تهديدات نتنياهو لسوريا وإيران وحزب الله هى تهديدات فارغة من مضمونها والقصد من ورائها الإثبات للعالم بأن إسرائيل لن تتورع عن استخدام كامل ترسانتها العسكرية من أجل تحقيق مصالحها" ومؤكداً أيضاً أن "الرجل يعيش فى حالة من الهيستريا وأن تصريحاته وتهديداته لا تتعدى كونها ضريبة كلامية".
تأكيدات مضمونها أن "إسرائيل لا تستطيع" أن تفرض نفسها قوة ضامنة للأمن الخليجى، وأن فرصها محدودة، وأن الأمن الإقليمى الخليجى أمام آفاق جديدة لم تتحدد معالمها بعد، لكن المؤكد أن إيران ستكون طرفاً أساسياً فى معادلة هذا الأمن.

