Menu

فلسطين وسورية.. ومهمة وعي الذات أولًا!

نصّار إبراهيم

أبو علي مصطفى

"في دمشق                  
ينام الغريبُ على ظلهِ واقفًا   
مثل مئذنة في سرير الأبد    
لا يحن إلى أحد.. أو بلد     
......
في دمشق                   
نمشي إلى غدنا واثقين من الشمس     
في أمسنا                    
نحن والأبدية سكان هذا البلد" (محمود درويش)

***

وأنا أتابع على صفحات التواصل الاجتماعي السجالات التي تجري حول الحرب الكونية على سورية، وما تحمله تلك السجالات من انحرافات وتشوهات مروعة مغرقة في ذاتيتها المصحوبة بالبذاءة والشتائم، أو تلك السجالات المغرقة في دونيتها وطائفيتها، وهي تنساق كأجساد بلا رؤوس أو وعي وراء أوهام وبروباغاندا ومخططات يرسمها معسكر الأعداء بحنكة؛ ليوظف الجهل والجهلاء بيننا في مشاريعه التصفوية والتدميرية؛ فينحرف النقاش والمقاربات نحو ضحالة مفجعة، وانزياح كارثي في ركائز الوعي وضوابطه، حينها أشعر أنَّ الثمن تدفعه الفكرة النبيلة، تدفعه قضايانا الكبرى وعروبتنا وإنسانيتنا، تدفعه فلسطين وشعب فلسطين وكل الأمة العربية.

تقول بديهيات التاريخ والجغرافيا المستندة إلى الانتماء والكرامة القومية والوطنية والأخلاقية والوعي السياسي العميق؛ أنَّه حين يتعلق الأمر ب سوريا أو فلسطين (أو أي بلد عربي آخر) تستهدفه كل حثالات الواقع وقوى التخلف والجهل والعماء والاستعمار بالتدمير والتمزيق والقتل  والنهب، من البديهي في هذه الحالة أنْ يصعد الوعي ويرتقي نحو ذُرى الشرف والحكمة والرصانة في التعامل مع معادلات وتحالفات واضحة كل الوضوح،  بعيدًا عن الالتباس والرهانات القاصرة والمميتة.. حيث يحظر العبث والثرثرة وضيق الأفق والنذالة والهبوط، ذلك لأنَّ الهدف محدد وواضح بحيث لا يجوز لمَن يملك حدًا أدنى من الوعي والمعرفة والإحساس والشعور القومي النبيل والعالي أنْ يخطئ أو يتردد أو يبرر هذا الدمار والاستنزاف والتدخلات الاستعمارية، وجعل العدو صديقًا والصديق عدوًا لأي سبب كان، سواءً كان باسم "الدين أو الحرية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان" أو غير ذلك من زعبرات تصدرها إلينا أكثر القوى الاستعمارية وحشية في التاريخ.

***

كتبت لي صديقة فلسطينية أحترمها تعمل في حقل الإعلام في موسكو تشكو قائلة: "يا أستاذ، أنت تكتب وتدافع عن سورية، ولكن أريد أنْ أقول لك أنَّ السوريين لا يحبوننا... وقد صدمني ذلك.. فأنا أحب سورية!"

ابتسمت وسألت: كيف ذلك، ماذا تقصدين بقولك: السوريون لا يحبوننا.. لا يحبون مَنْ؟!

قالت: لا يحبوننا نحن الفلسطينيون... إنَّهم يضايقوني ولا يطيقون التعامل معي!

طيب لا بأس... لنهدأ أولًا... لنصمت قليلًا، ونتأمل كثيرًا لكي نفهم كشرط لكي لا نخطئ في البديهيات.

العلاقة  بين سورية وفلسطين، كما العلاقة مع أي بلد عربي آخر لا تحكمها اللحظة وردود الفعل والنزق.. فنحن نعرف أنَّ بعض الفلسطينيين قد أساء  كثيرًا لسورية، بل وجرحها في القلب، لذا؛ فإنَّ رد الفعل العفوي من قبل بعض السوريين قد يكون كما تصفين، وهذا لا يغير في معادلات  فلسطين وسورية الأزلية شيئًا، إنَّه مجرد غضب أو رد فعل أو ربما سوء تقدير عابر لا أكثر.

قالت: ولكني أحب سورية!

قلت: أعرف، وعليكِ أنْ تحبيها ما استطعتِ سبيلًا حتّى لو أساء لكِ مليون سوري، سواءً كانوا يعرفون أو لا يعرفون، ولكي نضع النقاش في سياقاته الطبيعية دون مبالغة؛ تخيلي فقط ما تعرضت له سورية في سنوات الرماد والبطولة هذه منذ آذار 2011 وحتّى اليوم، وتخيلي نفسك سورية، كيف ستكون يا ترى ردود فعلك المباشرة واللحظية على ما يجري...؟!

ألم تنتشر في أوساطنا نحن الفلسطينيون أيضًا، ونحن نواجه الاحتلال بمجازره وحروبه اليومية المستمرة منذ سبعين عامًا ذات المواقف فرفعنا شعار "يا وحدنا" و"العرب جرب" وغير ذلك من رود أفعال، وكأننا لسنا عربًا، فنسينا في غمرة الألم والدماء عشرات ومئات آلاف الشهداء العرب الذين سقطوا من أجل فلسطين؟!

لقد ذكرني هذا النقاش مع الصديقة الفلسطينية في موسكو ببعض ردود الأفعال والتعليقات والنقاشات التي رافقت تطور الصراع في سورية وعليها منذ آذار 2011 ولا يزال، وهي ذات التعليقات والنقاشات والمقاربات التي تنفجر كلّما واجهنا محنة هنا وهناك: في العراق، في ليبيا ، في اليمن.. وغيرها، إنَّها ذات ردود الأفعال اللحظية الهشة، وكأنّنا لا نملك ذاكرة أو أنَّ ذاكرتنا مثقوبة لا تحتفظ بشيء، ولا ترى أبعد من اللحظة، فتنسى أو تتجاوز أو تهمل السياقات الكبرى ومشاريع القوى المعادية وأبعادها التاريخية والجغرافية والاجتماعية منذ ما قبل سايكس – بيكو وحتّى اليوم وغدًا.

المحزن أنَّ بعض هذه المقاربات والتحليلات والمواقف والتعليقات والبيانات تأتي ممن يقدمون أنفسهم أو يتم الترويج لهم على أنَّهم كتَّاب ومثقفون وسياسيون وإعلاميون.. وفي أحيان ليست قليلة تأتي من قوى وأحزاب وتنظيمات تقدم نفسها على أنَّها تدافع عن قضايا الأمة والشعوب؛ الأمر الذي يتناقض مع مهمتها ومسؤوليتها البديهية في الحفاظ على الوعي العام وحراسته من العبث والتشوه والانحرافات المميتة المقصودة أو غير المقصودة.

في سياق هذه "المعمعة" الدائرة راح بعض الفلسطينيين وبعض العرب يكيلون الشتائم والاتهامات لسورية والسوريين؛ مُدَّعين "حبهم" لسورية انطلاقًا من كون النظام السوري "نظام ديكتاتوري"، وبذلك لا يجوز الدفاع عن الدولة الوطنية السورية أو الوقوف معها، بل وهناك مَنْ راح يؤلف الأغاني الهابطة ضد السوريين (كما فعلت بعض القنوات اللبنانية)، وفي السياق ذاته راح بعض السوريين وبعض العرب يكيلون الشتائم  والاتهامات للشعب الفلسطيني، انطلاقًا من أنَّ الفلسطينيين قد "باعوا" وطنهم، ولأنَّ بعضهم قد طعن سورية في الظهر، لذا؛ فالشعب الفلسطيني شعب "غادر" ولا يستحق كلمة تقدير، بل وتمنى البعض لو أنَّ إسرائيل تبيدهم. وهكذا في غمرة الدم والموت والدمار والالتباس والتشويش والتشويه الواعي وغير الواعي راجت ثقافة تبادل الشتائم والإهانات والتعميمات البائسة من هنا وهناك.. خطاب وسلوك موحش ومهين.

يحدث هذا فيما غالبية الشعب الفلسطيني وغالبية الشعب السوري مشغولة بشجونها ومقاومتها ودمائها وإصراراها على البقاء عند خط الواجب والمواقف العالية، ذلك لأنَّ غالبية الفلسطينيين والسوريين يدركون بوعيهم وتجربتهم وحدسهم أنَّ هذا بالضبط ما يريده حِلف الأعداء؛ أنْ تشك العين بالعين والقلب بالقلب، وأنْ ينقض التاريخ على الجغرافيا، وأنْ تتنكر الأبجدية لذاتها، وأنْ يتبادل الزيتون والياسمين الشتائم واللعنات والطعنات.

يحدث كل هذا دون أنْ يعي هؤلاء وهؤلاء (وقد يعي بعضهم ذلك جيدًا) أنَّ ما تتعرض له سورية هو في أحد أسبابه العميقة والمباشرة، إنْ لم يكن السبب الأول، هو موقفها وانتماؤها ووفاؤها لفلسطين؛ أي لذاتها، وأنَّ ما تتعرض له فلسطين منذ 100 عام هو لأنَّها بوابة الشام العالية التي لا تنسى ذاتها  فتلازم خط النار الأول لتذكر العالم كل صباح، بأنَّها هنا.. وأنَّها ومنذ الأزل من روح الشام حتّى لو تخاذل البعض أو ساوم أو انحرف أو تشوش لبعض الوقت أو أكثر. هذا السلوك وهذه المواقف وردود الأفعال، سواءً كانت بوعي أم بدونه، دفعتني للتذكير ببعض البديهيات لمَن تغيب عنهم أبجديات التاريخ والجغرافيا، وتشابك المصائر الأزلي.

العلاقة بين فلسطين وسورية (كما العلاقة بين فلسطين وأي بلد عربي آخر) أبعد من لحظة وأعمق من موقف أو مرحلة، سواءً جاء ذلك من فرد أو حزب سياسي أو نظام أو زعيم أو تنظيم مهما علا شأنه؛ فسورية بالنسبة لفلسطين هي ماضٍ وحاضر ومستقبل، وليس لهذا علاقة بتموجات السياسة أو ارتباكاتها وحساباتها  العابرة كما يراها فرد أو حزب أو كاتب أو مقيم أو عابر أو شيخ أو مسؤول هنا أو هناك.

وفلسطين بالنسبة لسورية هي امتداد الياسمين مع الدروب جنوبًا جنوبًا، عناق المتوسط لمدن فلسطينية أزلية ترسل لدمشق سلال البرتقال احتفاءً وحبًا، لهذا؛ يكاد يكون في كل مدينة فلسطينية باب اسمه باب دمشق، وباب دمشق في القدس (باب العمود) هو الأبهى والأجمل.. فهو ساحة الاشتباك المستمرة مع المحتل، فهل هذا مجرد صدفة؟!  

أخطر ما يتعرض له الوعي الجمعي هو أنْ ينسى بديهيات الوجود أو يتجاوزها تحت ضغط الأحداث، يحدث هذا حين يتجاهل (بوعي أم بدونه) معادلات التكوين الأولى وبديهيات الجغرافيا والتاريخ وأصل الأبجدية؛ فيحاسب فلسطين في لحظة تاريخية عابرة على موقف فرد أو جماعة أو تنظيم، أو يحاسب سورية على موقف من هنا أو موقف من هناك، أو على لحظة منحوسة عابرة.

ردود الأفعال التي لا تلتزم بأسس ومنطق ووعي عميق راسخ كما رسوخ أرض بلاد الشام، تصبح في لحظة ملتبسة وغاشمة سكينًا تُمزِّق، ونفقًا غادرًا تتسلل منه ضباع الجهل، سواءً تلك التي يوظفها ويغذيها الأعداء الخارجيون أو تلك التي يسقط في مصائدها الغبية بعض الداخل الجاهل أو الساذج أو المشوه؛ فالمقاربات والمواقف حين يتعلق الأمر بفلسطين وسورية، (أو العراق أو مصر أو اليمن أو الجزائر أو تونس أو  لبنان أو الأردن أو أي بلد عربي)، تتجاوز كثيرًا بعض لحظات التاريخ أو بعض عقود من الزمن، إنَّها تذهب بعيدًا... تعود إلى حيث تشكل كل شيء، وانعجن منذ آلاف السنين، يوم لم يكن هناك حدود، فقط سماء وأرض وناس كانوا يبدعون الوعي، هم أجدادنا الأوائل، يبدعون الحياة والأبجدية وأساطير الخلق الأولى، يرسمون على جدران الكهوف مشاعرهم، يكتشفون الأرض، ويبدعون القمح والعنب والزيتون والياسمين والنخيل والمواقيت والسفن والألوان والموسيقى، ويؤسسون حضارة البشرية الذاهبة نحو القرون القادمة؛ لهذا من غير العلمي أو المنطقي، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الثقافة، أنْ تُتخذ المواقف والعواطف تجاه سورية بناء على مواقف أو تصرفات عابرة، أقصد أنَّ الذي يحدد الموقف من سورية ليس اللبواني وأشباهه، ولا "الثوار الكذبة" الذين يتنازلون عن الجولان قلب سورية البهي، كما ليس أي نظام مهما كان مخطئًا أو مصيبًا، كما أنَّ ما يحدد الموقف من فلسطين ليس هذا التنظيم أو ذاك، هذا السمسار أو ذاك، هذا الفرد أو ذاك،  ذلك لأنَّ أي فلسطيني يسيء لسورية أو أي سوري يسيء لفلسطين هو على النقيض من سورية وفلسطين معًا!

هنا بالضبط يتحدد المعيار الحاسم والصارم الذي يشبه الصراط المستقيم؛ فأي "فلسطيني" يضحي بسورية نكاية بحزب أو نظام أو جماعة، أو بحجة أنَّه يدافع عن فلسطين إنما يكون قد ارتكب خطيئة الخطايا، وأولها؛ خيانة فلسطين ذاتها، وبذات القدر إنَّ أي "سوريّ" يضحي بفلسطين نكاية بحزب أو حركة أو تنظيم أو بحجة أنَّه يدافع عن سورية، إنما يكون قد ارتكب خطيئة الخطايا، وأولها؛ خيانة سورية ذاتها، وذات المعادلة تمتد كنظرية بلا استثناء لتشمل كل بلداننا العربية، ومَنْ لا يدرك ذلك؛ فإنَّه لا يعرف في التاريخ وحركات الاستعمار القديم والمعاصر شيئًا.

فقوى الاستعمار والإمبريالية الوحشية التي يقدسها البعض، ويمضي خلفها كالقطيع؛ تبذل المستحيل لكي "تقنعنا" أو تجبرنا بالقوة للتعامل معها بالمفرق.. "أنا أولًا"، فيما أهدافها المطلقة والنسبية أنْ تنهب كل ما لدينا من ثروات وتراث وقيم ومكانة بالجملة والمفرق معًا "أنا وأنت وهو"، فهي لا يهمها لا شرقنا ولا غربنا، لا أحمرنا ولا أسودنا، لا مسلمنا ولا مسيحيُّنا، ولا حتّى يهوديّنا العربي.. كما لا يهمها الإيراني ولا العربي ولا الكردي ولا الأمازيغي ولا الشركسي ولا غير ذلك، ومَنْ لا يرى هذا ليعد للماضي البعيد أو القريب، ويقرأ جيدًا أسفار التاريخ ودروسه الساطعة؛ لهذا فإنَّ سورية التي أعرفها وأعيها هي حبة العين وهمسة القلب ونور الأبجدية والوعي وسيف التاريخ.. وفلسطين التي أعرفها وأعيها هي همسة الروح وفيض السماء، وجرح كرامتنا النازف.

 لهذا وأبعد، فإنَّ أي فلسطيني يتجاوز حده فيرفع بندقيته أو كلمته في وجه سورية، سأقول له: تأدّب.. فهذه سورية أقصد فلسطين، وبالقدر ذاته؛ فإنَّ أي سوري يتجاوز حده فيرفع بندقيته أو كلمته في وجه فلسطين سأقول له: تأدّب.. فهذه فلسطين أقصد سورية، ولن توجد قوة في الكون بمقدورها أنْ تَحول بين فلسطين  وسورية، لا قوة سياسية ولا دينية ولا كل شياطين الأرض وعفاريتها وثعالبها وضباعها. هذا الحديث ليس مجرد عاطفة أو مجاملة أو انفعال، رغم أناقة العاطفة وضرورتها حين تدور حول علاقة فلسطين بسورية... الحديث هنا هو مجرد ترجمة لوعي الذات لذاتها في سياقاتها الكبرى تاريخيًا وحضاريًا وجغرافيًا، له علاقة بمعادلات تكوين الإنسان والمكان معًا، إنَّه يعود لعلاقة الأرض بالسماء، ووعي التاريخ لذاته، وعي أساطير الخلق والمطر والخصب والموت والحياة.. تشكل الحضارات وولادة اللغة والفرح والألم والعمل والحزن والمقاومة، علاقة الإنسان بالفضاء والمجال وروح المكان الممتد ما بين بحر وجبال وصحراء وأنهار وأفق.. ما بين زيتون وقمح ونخيل ولوز وكرز وصبار وتفاح وعنب وياسمين.

أقصد أنَّ الحديث هنا يذهب نحو وعي الذات لذاتها في استراتيجيات الصراع والمواجهات والتحديات والتهديدات المروعة، له علاقة بالخيارات الكبرى في مواجهة قوى الهيمنة والنهب والاستعمار، يعود لمعنى الهوية والكرامة القومية بعيدًا عن ملاسنات الطوائف وصغار المتثقفين وثرثاري المقاهي والساسة الذين لا يتعدى الوطن والانتماء بالنسبة لهم بئر نفط أو طاولة قمار في كازينو. 

الفكرة هنا، هي النقيض لِمَا يمثله السماسرة الذين لا يرون في الوطن أكثر من بئر نفط أو غاز أو مزرعة وحفنة دولارات هي كل ما يحتاجونه في ليل المقامرة.  

الحديث هنا، ليس له علاقة بتفاهة البعض الذي لا يهمه أنْ تذبح سورية، ولا كل ما أبدع الإنسان فيها؛ ذلك لأنَّ المهم لهذا البعض هو رضا السادة من غزاة وأشباه حكام، وما سيأخذه ثمنًا لرأس دمشق، وبالقدر ذاته لا يهم البعض أنْ تذبح فلسطين من الوريد إلى الوريد، فهم مدينون ببقائهم لأسيادهم وليس لشعبهم أو أمتهم أو لعبقرية التاريخ. إنَّهم مجرد أدوات رخيصة لا أكثر، وما أنْ تنتهي وظيفتها وصلاحيتها حتّى تُحمّل بالضبط كالنفايات؛ كتلك التي حملتها الباصات الخضراء من حلب وحمص والغوطة وغيرها، وألقت بها بعيدًا بانتظار مصيرها.

هنا فلسطين.. أقصد هنا سورية... ذات الألم وذات الوجع وذات الدم وذات الأمنيات وذات العدو وذات الأحلام، فحين تضحك دمشق وتبتسم يشرق وجه فلسطين ويزهر وعدها، وحين تتألم دمشق ينزف قلب فلسطين، وحين تنهمر دمعة القدس تلاقيها دمعة دمشق ليكون نهرًا من وعود ومطر.

هنا أتوقف لأسأل: هل يعتقد الأحبة السوريون أنّنا لا نعرف بأنَّ كل ما تتعرض له سورية ولا تزال هو من أجل فلسطين؟!

أذكر قبل ثمانية أعوام كيف ارتبك الوعي تحت أهوال الحرب والكذب والتشويه تحت عنوان "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان..".. كيف ارتبك وعي البعض من الفلسطينيين كما السوريين.. يومها وبالرغم من صعوبة اللحظة وخطورتها الداهمة لازم كثير من الفلسطينيين خط الواجب حتّى وإنْ لم يعبّروا عن ذلك. لقد بَدَت سورية يومها وكأنَّها تقف في المدى إلا من ذاتها وبعض الأوفياء الذين لازموا خط الواجب، يومها قلنا: لنصمد.. فنحن هنا لا نقامر ولا نراهن بل نختار موقفًا حتّى لو كان ثمنه رؤوسنا.

اليوم.. تعالوا لتروا أفراح فلسطين وهي تتابع انتصارات الجيش العربي السوري في كل الميادين، وتعالوا لتروا كيف تذب سورية بروحها ومواقفها وسيفها عن فلسطين، فيما صغار الباعة والسماسرة يقايضون عليها ويراودونها عن نفسها.

ما أريد أنْ أقوله: ليغادر الجميع دوائر الثرثرات والملاسنات والزواريب، وليصعدوا لمستوى سورية وفلسطين، لنترك هواة الفضائيات، ذلك لأنَّ مهمة المثقفين في هذه المرحلة أنْ يشكلوا دريئة اسمنتية (على حد قول غرامشي) تحفظ وتحرس وتكشف وتضئ وتصوب الوعي الجمعي حين يتعرض للتشويش والخداع.. مهمتهم هنا كما مهمة المقاتلين الأشداء الشرفاء على خطوط الاشتباك؛ إدارة الصراع والمقاومة الثقافية بما يليق بسورية وفلسطين من وعي وتاريخ وآمال ووعود.. وأبعد.

"إنَّ اغتصابَ الأرضِ لا يُخيفنا

فالريشُ قد يسقطُ عن أجنحةِ النسور

والعطشُ الطويلُ لا يخيفنا

فالماءُ يبقى دائمًا في باطنِ الصخور

هزمتمُ الجيوشَ.. إلا أنكم لم تهزموا الشعور

قطعتم الأشجارَ من رؤوسها.. وظلّتِ الجذور" (نزار قباني)

 كل هذا لا يعني أننا قد لا نخطئ هنا أو هناك، في السياسة وفي بعض الحسابات، ولكن أنْ نخطئ في ضمير سورية وفلسطين، فهذا يتجاوز فكرة الاجتهاد، إنَّها خطيئة نهائية، والفرق شاسع بين هذا وذاك.

اليوم.. وبعد أنْ حسمت سورية بتضحياتها وصبرها وبسالتها الأسطورية وصمودها الاستراتيجي وأصدقائها الأوفياء المواجهة؛ يمكن أنْ أقول إنِّي أكتب الآن براحتي، فلست بحاجة لذلك الجهد لكي أقنع الناس بأنَّ سورية هي قلبنا النابض... لقد آن لي أنْ ابتسم.

لدمشق ولكل عواصم العرب من القدس سلام!