Menu

عن المثلية والمثليين.. والجدل المجتمعي حول الظاهرة!!

د. موسى العزب

خاص بوابة الهدف

أذكر برنامجًا شاهدته على القناة الفرنسية الخامسة، يُسأل فيه أحد المتسابقين إن كان متزوجًا، فيجيب ليس بعد، ولكن زفافي سيكون يوم الجمعة القادم.
حتى الآن تبدو الأمور طبيعية وروتينية! ثم يُسأل مرة أخرى؛ هل سيكون زواجك برجل أم امرأة؟! هنا ظهرت علامات استغراب مواربة على عدد محدود من الوجوه، والجواب كان: من رجل!!

أدرك بأن القانون الفرنسي أصبح يعترف بهذا الشكل من الزواج ويشرعنه ويسميه زواج المثليين.. ولكن حتى بعض المشاركين في البرنامج، أظهر رفضه لهذا الشكل من "التعايش" المشترك، وأبدى امتعاضه منه؟!

أحاول أن أقدم هنا مقاربة "موضوعية" لهذا الموضوع الخلافي الشائك، في محاولة للمشاركة بتشكيل رأي عام في هذا العنوان، بعد أن تم القبض عندنا في الأردن على بعض هؤلاء المثليين، وتم نشر أخبارهم وصورهم على نطاق واسع، وصدر من الأغلبية المجتمعية ردود فعل عنيفة تجاههم، خاصة وأن هؤلاء لم ينكروا ما وجهت إليهم من تهم وإدانات؟!

المثلية، أو الشذوذ، هي حالة موجودة في المجتمعات والحضارات، الغربية والشرقية، وتمارس في السر والعلن أحيانًا، و(بين الجنسين)، بشكل أو آخر منذ وجدت البشرية، والمفارقة، أنها تمارس بين البشر، ولم تشاهد عند الحيوانات!!

تزايدت هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية مؤخرًا، وطرح الموضوع للنقاش الواسع والمعمق منذ خمسة عقود تقريبًا وفي أكثر من دولة أوروبية، ساهمت فيه تيارات فكرية، ومرجعيات طبية واجتماعية، كما حضرت الأحزاب بدورها في النقاش.
وقد توافقت الأغلبية بأن هذه الظاهرة موجودة في الواقع، وهناك عدد كبير جدًا من الأفراد يعيشونها منذ عشرات السنين، وتدخل في باب الحرية الفردية. وقد ترتب على هذه "المساكنة أو المعاشرة" كما تسمى في معظم الدول الأوروبية، حقوق وواجبات ومشاريع مشتركة، وملكيات جماعية.
وفيما بعد، إرث وورثة وأبناء متبنين، وبالتالي إرتأت هذه المجتمعات الرأسمالية الاستهلاكية، ضرورة تشريع وقوننة هذه العلاقة، وهذا المستجد الاجتماعي، بقوانين تحمي الملكية الخاصة، وحقوق الدولة، وحقوق الطرفين بحالة الوفاة، أو الخلاف المفاجئ، والذي غالبًا ما يحصل.
لقد تكرس على الخارطة السياسية فيما بعد، لوبيات وشبكات مصالح، دفعت بعض الأحزاب لتبني هذه الظاهرة وتجيير أصواتها انتهازيًا في الاستحقاقات الانتخابية.

هذه الرأسماليات "الليبرالية" تقوم في الواقع على تسليع كل شيء بما فيه الإنسان.. ومن سمح بممارسة الدعارة "المنظمة" واعتبارها خدمات اجتماعية عامة تدر أموالاً على خزينة الدولة، فهي تتعامل هنا مع التساكن والزواج المثلي، ليس على قاعدة أخلاقية وحريات فردية، وإنما كجزء من ماكينة الإنتاج وتراكم الثروة ورأس المال وعوائد الدولة المالية.

( في بلادنا يتم "رعاية" ظاهرة الدعارة، من قبل عصابات منظمة، ومتنفذين، للإثراء السريع الفاسد، على حساب شرف وكرامة المواطن والمجتمع، مستغلين بعض الثغرات في البنى والنظم الأمنية والتشريعية والقانونية!).

أحاول هنا أن لا أكون واعظًا أخلاقيًا، ونحن نعرف بأن الكثيرين في العالم الغربي وبعض الدول الشرقية التي تحولت إلى النظام الرأسمالي النيوليبرالي، يقرون للآخرين حريتهم باختيار طريقة حياتهم وفق العلاقة التي يريدونها للشريك الاجتماعي، ولكنني ما زلت أشعر بالاستهجان والغثيان أمام هذه الروابط "الشاذة"، وأؤمن بأن بعض نواحي حياتنا يجب أن تبقى خاضعة للفطرة الإنسانية ونسق الطبيعة الحاسم، والتراث الاجتماعي الإنساني!!
وما زلت أعتقد بأن هذا الشكل المِثلي للعلاقات التشاركية، شاذ ومرضي وليس له علاقة بالحرية الشخصية، بل يُعتبر إهانة للمرأة والرجل، ولوجدان المجتمع وكرامة البشر وجماليات الطبيعة!!

سبق أن وصمني قلة من معارفي الفرنسيين بأني أعبر بذلك عن موقف رجعي!! جيد، وماذا بالرجعية في بعض مجالاتها الفطرية؟! أما زلنا نأكل بفمنا، ونتنفس من أنوفنا، ونبول بواسطة جهازنا البولي وعبره، ونساؤنا ما زلن يحملن في أرحامهن؟! وأنا أراكم حاليا تتركون المدن المتطورة، لـ "لتعودوا إلى السكن في الريف" في رحاب الطبيعة البكر، وترجعوا إلى الطعام البيو، وتهجرون شاشات تلفزاكم بإخفائها خلف خزانات محكمة الإغلاق.
ألا يحق لي أن أنادي على الأقل بالحفاظ على الوضع القائم للزواج وشكل العائلة، ولا أطالبكم بالعودة إلى الحقبة المشاعية، أو تعدد الشراكات!؟

إنني لا أرى فيما كتبت أمجد قيمًا رجعية، بل أدافع عن مفهوم العائلة، باعتبارها الخلية الارتكازية في بناء المجتمعات عند جميع الأديان والحضارات، وفي أكثر الأيدلوجيات تقدمية!!
ودون شيطنة أو تجريم، أطرح وجه نظري باعتبار أن الظاهرة تعبر عن شذوذ فطري واجتماعي وإنساني، وتخالف مرجعياتنا الفكرية، ووعينا الحضاري، وما تراكم من وعي وتجارب.
وأجزم بأن الطبقات السياسية الرأسمالية تستغل هذه النزعات المجتمعية، لتمعن في التضليل وتفتيت النسيج الاجتماعي، وإلهاء الناس في صراعات ثانوية عبثية، بدلًا من التوجه لضرورة وأولوية الصراع الطبقي المجتمعي والطبيعي.