الغارقون بوحشيتهم وعنصريتهم، عبثًا يحاولون سحب خيوط الشمس عن جباه الشرق، منذ شاؤل وحتى ترامب.. لن يفلحوا إلا أن يأخذوا ما استطاعوا من الموت ويغتسلوا بدمائنا، ثم يعبرون إلى موتهم الخاص؛ فلعنة الموت ستبقى تطارد أصحاب الكره المجاني.. كما في شوارع أمريكيا السوداء، وفي أزقة الفلاشا المتعبة خيبة والمشبعة كرها وعنصرية .
ليس لأولئك، بل لهؤلاء الذين يغتسلون صباحًا ومساءً بعارنا، هؤلاء الخفافيش التي تحوم بآفاق أرواحنا وتسمم حياتنا، وتجعل منا قتلى على قيد الحياة، بحكم سردياتهم المحنطة. الشمس تشرق كل يوم على خيباتنا ويأسنا، ليجد هؤلاء الفاسدين والمستبدين رواية أخرى يتأففون بها، من بشاعة بعض من هاجروا نحو الجريمة والعنف والقتل... فإسراء ضحية إنسانيتنا التي لم تعد محتملة، فنهرب منها نحو البشاعة تارة بالموت على شواطئ حضارة موهومة بالإنسانية، وتارة بالموت بأنفسنا.
لا أدعو لموت الفَلَّ وحيدًا، ولكني أتفهم كيف تحيلنا البشاعة إلى مجرد أموات أصبحنا لا نجروء على الحياة بين شاطئين أحلاهما مر. أعتقد أننا لا نملك في هذا البحر العاصف إلا أرواحنا سفينة نجاتنا الوحيدة.. كيف نجد الطريق إلى مينائنا الخاص أو إلى انسانيتنا المنشودة؟
ففي ظل سيادة ثنائية ثقافة المقدس والمدنس فقدنا روحنا، فكيف نستعيد تلك الروح؟ وكيف نتصالح مع تاريخ لا زال أهم درس فيه أن لا أحد درس التاريخ؟ فبعضنا قدسه حد اللعنة، وبعضنا دنسه حد الفخر. كيف نجد طريقنا نحو المعلقات، ونحو ذي قار ونخوة هانيء الشيباني نحو تدمر وسبأ، ونحو شهامة العربي في مؤتة؟ كيف لنا أن نفك أسر المعري من محبسيه؟ وكيف نزور أبا العتاهية في أحزانه وابو النواس في خمرياته؟ كيف لنا بمعتصم؟ وكيف لنا أن نعرف القرامطة والحشاشين والمعتزلة وكل الآخرين الذين صاغوا روحنا؟ ما الذي حدث في حياتنا فدمر علاقتنا بأنفسنا؟ كيف في تاريخنا نستوعب الماجوس وكل الأجناس والأعراق، ونحن الآن أضيق من أن تتسع حياتنا لإسراء، لهؤلاء الذين يجعلون حياتنا كل يوم شقاء لا يحتمل ووعدًا لبشاعة موت جديد..
اعلموا جيدا أن كل هجراتنا هي تمرين مؤقت لهجرة محتومة إلى روحنا التي ستكون وعدنا، ليس بالخلاص منكم فقط، بل للخلاص من أولئك البؤساء الذين يحاولون ترويض الشمس وفق جباههم فقط .
ستشرق روحنا من جديد حين تتخلص لياقتنا الثقافية من دهون ثقافية مترهلة، باتت تسد شراييننا تارة باسم الدين، وتارة باسم الحداثة الغربية، فتحيل قلوبنا إلى وهن على وهن، وتحيل عقولنا إلى وهم على وهم.. ليس لنا إلا روحنا وحريتنا، فهي سفينة نجاتنا ومرفأ مستقبلنا .
هجرة
الحديث الصاخب عن الهجرة في أوساطنا.. تدفعنا إلى ضرورة توضيح المفاهيم، خاصة أن الهجرة كمفهوم له دور عميق في الثقافة والتاريخ، حيث أن هناك فرق بين الهجرة واللجوء. فكل لاجيء هو بالضرورة مهاجر، ولكن ليس بالضرورة أن تكون الهجرة لجوءًا.. فالبعض يهاجر إلى نفسه، إلى ثقافته، أو للبحث عن إنسانية مفقودة، حيث أصبح وجوده المعاش لا يحتمل تشويهها، أو الانتقاص منها، أو إعدامها.
لقد وجدت الكثير ممن أعرفهم وهاجروا إلى الغرب باحثين عن إنسانية فقدوها ضمن هذا العبث الراهن، لا ينقصهم شيء بالمعنى المادي، بل افتقدوا روحهم ضمن هذا الأفق المنعدم الإنسانية القائم .
ما أؤمن به أن كل هجرة خارج المكان لا تتعدى هجرة ايلان الكردي... كموت على شاطئ بعيد، أو ضمن بحر هائج بعواصف العنصرية التي باتت أخطر على المهاجرين من بحار هادرة.
العنصرية الغربية؛ من ترامب، أو بريطانيا البريكست، أو حتى فرنسا الظلام الراهن، والنازيين الجدد، ومجرمي نيوزيلندا.. فنحن أمام صعود للعنصرية الغربية، لم يسبق لها مثيل. فهل نحن أمام مجرد طفرات جنون عابرة؟
فترامب يمثل الملايين من العنصريين الذين يصفقون له، وكذلك ماري لوبان في عصر الظلام الفرنسي الساطع، وخلايا الجمهورية ذات اللون البرتقالي، وكذلك الألمان والنيوزلنديين..
نحن أمام ملايين البشر الهاربين من جحيم عارنا الراهن، كل واحد فيهم يوقع نهاية لجزء من روحنا، قد يكونون من أقرب الناس لنا، وقد لا نعرف حتى أسماؤهم، ولكنهم يسحبون من نسيج أروحنا الكثير من الوعد والأمل.. بأننا قادرون أن نهاجر إلى إنسانيتنا رغم جحيمنا الواقع. فالوطن ليس حقيبة، وكذلك "اللجوء" ليس أكثر من عار في ظل جحيم العنصرية الراهن.. فأفق الإنسانية أوسع من الحداثة الغربية وإن كانت "مبتغى"، رغم أن عصور أنوارها لم تخلوا من الظلاميين. فالعنصريين الجدد في الغرب يستمدون الآن عنصريتهم من فلاسفة وضعوا حجر الأساس لعصر الأنوار والنهضة من كانت إلى فولتير وغيرهما .
لا نملك في هذا البحر الهائج بشاطئيه، المستبد من جهتنا والعنصري من الغرب إلا أنفسنا.. وليس أمامنا إلا أن ننجز إنسانيتنا بوحي حريتنا وروحنا التي طال انتظارها.

