لا نفضّل التوسع في استخدام مصطلح «العقل» في غير محله الفلسفي، كأن يُقال «العقل العربي» مثلاً. وقد استخدم المفكر العربي المغربي الراحل محمد عابد الجابري مصطلح «العقل» ـ ومن ثم «العقل العربي» ـ ليدلّ على «ما يبقى في الذاكرة بعد أن ننسى ما تعلمّناه»، حيث العقل أقرب إلى «طريقة التفكير المنهجية في محاولة التوصّل إلى الحقيقة». ونفضل مصطلح «الفكر العربي» أو «التفكير العربي»، غير أننا سنستخدم مصطلح العقل ونتخذه عنواناً لهذه المقالة، على أن نقدّم له تعريفاً إجرائياً مؤقتاً يقوم على اعتبار العقل دالاً على «مجموعة الأفكار المرجعية الحاكمة للموقف من منظومة الوجود الاجتماعي والسياسي».
وقد دفعنا إلى كتابة هذه المقالة ما لاحظناه من أنّ النخب الثقافية والسياسية العربية خلال الحقبة التاريخية المعاصرة وفي الفترة الراهنة، وربما خلال مراحل عديدة من التاريخ العربي الحديث كله، برغم دورات النهضة المباركة في القرين الأخيرين، تبدو وكأنها «تدور حول نفسها»، غير قادرة على تخطّي «الواقع العربي الفاسد»، انطلاقاً بقوة المبادرة الكبرى نحو المستقبل، على عكس ما حدث ويحدث في مناطق أخرى متعددة من العالم المعاصر، وخاصة في شرق آسيا ودع عنك غرب أوروبا وشمال أميركا.
تبدو هذه الحقيقة ماثلة خلال السنوات الخمس الأخيرة بالذات (منذ كانون الثاني 2011) عبر الخلل الظاهر في ترتيب الأولويات لدى النّخب، والتخبط الواضح في معالجتها، والميل إلى فعل كل ما هو مباح أو غير مباح من أجل إلحاق الهزيمة بالخصم السياسي المحلي، ثم العجز عن القيام بفعل مبادر ذي طابع جماعي حقاً لتجاوز «الوضع القائم»، وعدم القدرة على الاستمرار بالفعل الإنجازي والإيجابي حتى خاتمته المبتغاة.
وإنّا لنعلم أن هذا الخليط السلوكي بطابعه السلبي العام، وما يعكسه من قواعد «مختلة» للتفكير، ومن منهج «معيب» في النظر إلى الواقع، هو انعكاس للبنى المجتمعية ـ التاريخية، ومن ثم فإنها جميعاً قابلة للتغيّر إذا تغيّرت الظروف المحيطة. ولكن هذا لا يُعفينا من ضرورة التنبيه إلى مواضع القصور التي باتت جلية للعين الفاحصة، بالمقارنة مع ما يحدث في مناطق أخرى متنوعة من عالمنا المعاصر.
فلماذا نحن هكذا؟ أليْس نمط التفكير لدى النخب المسيطرة عاملاً مهماً ذا قوة تفسيرية كبيرة في محاولة الإجابة على السؤال: لماذا لا نستطيع الانطلاق بقوة نحو ما نريده من غايات مستقبلية، من خلال «فعل» يتّسم بالمبادأة والديمومة والاستمرارية؟
في محاولة للإجابة على السؤال، نقدّم فيما بعد جردة أولية بخصائص عشر مميزة لأنماط التفكير لدى النخب العربية، ربما يمكن التعبير عنها باعتبارها «خطايا» لازمت هذا التفكير في منشئه ومصيره خلال التاريخ المعاصر، بعد انقطاع حقبة الازدهار الحضاري العربي ـ الإسلامي إبّان العصر الوسيط. وقد تسبّبت هذه «الخطايا» في ظاهرة «العجز الثوري» و «التقدم المعاق» التي نراها ظاهرة عارضة، وأنها ليست قدراً مقدوراً على النخبة وعلى مجتمعها العربي العام، بل هي ـ كما قلنا ـ قابلة للتغيير تبعاً لتغير الظروف التي أنشأتها إنشاءً؛ تلك الظاهرة المسيطرة في غمار الأحداث العربية الجارية، وحيث تعتبر الساحة السورية بوجه خاص مختبراً حياً لها. هذه الخصائص هي:
1ـ عدم الأخذ بالأسباب الضرورية في ما يتعلق بمعالجة القضايا المصيرية؛ ولنا مثال جليّ في هذا المضمار من «الثورات» والاحتجاجات الشعبية العربية، اعتباراً من العام 2011. فقد تبين عدم قدرة النخب العربية وقياداتها الثائرة على فهم تناقضات «اللحظة الثورية» فهماً كاملاً، والتصرف بناء على ذلك. والحق أن تفاقم أزمة النظم التسلطية السابقة، وتصاعد الغضب الشعبي عليها، ليسا كافيين لضمان نجاح الثورة. إذ تدلّ التجارب التاريخية على ضرورة توفر جملة شروط تتعلق بالمقومات الذاتية والموضوعية لفعل الثورة؛ وأهم هذه الشروط: تنظيم سياسي ثوري في حدوده المعقولة، قيادة ثورية معترَف بها أو قابلة لذلك، فكر سياسي ثوري له حدّ أدنى معين من التكامل والعمق يجمع القيادات والقواعد الأساسية، توفر كتلة حرجة معينة من «قاعدة القوة» قادرة على الصمود في وجه التحديات، عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً. وقد وقعت الانفجارات الشعبية الثورية، ولكن الشروط الذاتية والموضوعية لم تكن متوفرة لاكتمال الفعل الثوري. وبدلاً من أن تعمل القيادات النخبوية على استكمال النواقص، فإنها انهمكت في صراعات القوة والسلطة، أو حاولت تعويض النواقص بالاستعانة بعدد من الأطراف الأجنبية المعادية أصلاً لفعل الثورة، فوقعت الواقعة.
2 ـ ميل النخب إلى التفكير «الغرائزي» المتعلّق بالثأر أو «الانتقام باليد» من الخصم أو العدوّ السياسي المحلي، وربما الاستعانة عليه بالأجنبي ولو كان عدواً قومياً، مهما كانت العواقب الوخيمة على الآخذ بالثأر نفسه وعلى الجماعة ككل (مثال: الاستعانة بـ «الناتو» في ليبيا 2011). وإن هذا الميل ربما يمثل انعكاساً للعادة المعروفة في بعض الجماعات الأولية والمجتمعات المحلية والقبلية (عادة الأخذ بالثأر)، وهي تختلف اختلافاً بيّناً عن قاعدة «القصاص» في التشريع العربي والإسلامي، والتي يفترض أن يسبقها استقصاء للحقيقة من جانب السلطة العامة وينفذها ولي الأمر وليس ولي الدم.
3 ـ الميل إلى تطلّب الحصول على كل شيء أو لا شيء في العملية الصراعية، بما يُسمّى في بحوث تسوية النزاعات «المباراة الصفرية» Zero-sun game بدلاً من «الكسب المتبادل» للأطراف win-win. ولئن كان «النهج الصفري» جائزاً ـ بل وربما كان ضرورياً بمعنى ما - في ذروة «الثورة»، فإنه قد يكون غير قابل للاستمرار بعد انتهاء فترة «الفورة الثورية» المصاحبة للتغيير الجذري في قمة السلطة السياسية.
4 ـ سرعة الشعور بالإعياء والإحباط وربما اليأس أو فقدان الأمل، بعد الأحداث المأساوية، مع شيء من قلة الحيلة ونقص القدرة على معاودة النهوض بعد سقوط. وتلك حالة المثقفين العرب (والمصريين من بينهم) كردّ فعل مباشر لما سمّي بنكسة 1967 على عكس موقف النخبة اليابانية مثلاً بعد التسليم بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية العام 1945.
5 ـ الميل إلى العمل المنفرد بدلاً من «العمل الجماعي» بأسلوب الفرق المشتركة؛ وعدم التبصر الكافي لما بعد اللحظة الآنيّة، وقصر النظر النسبي تجاه الآثار الارتدادية على الآخرين، بمنطق (أنا وبعدي الطوفان).
6 ـ اتخاذ القرارات تأسيساً على مجموعة من الأفكار الأولية التي لم تمتحن بصلابة في حقل الواقع، وهذا ما أطلق عليه فرانسيس بيكون منذ قرون «أوهام الكهف». ويتصل بذلك اعتبار أن «الحقيقي» أو «الصحيح» هو ما يراه الشخص المعني نفسه، بغضّ النظر عن مطابقته للواقع، ومن ثم يسود نهج «التفكير الرغبوي» wishful thinking بدلاً من التفكير الموضوعي.
7 ـ اعتبار الماضي لدى البعض «أجمل» من المستقبل بالضرورة (الزمن الجميل)، فيما يمكن أن يُسمّى «نوستالجيا الحنين»، مما قد يؤدي الى إغفال ضرورات النظر الى المستقبل. وربما نتج ذلك عن الأثر الطاغي للماضي الزاهر للحضارة العربية الإسلامية، والحاضر البائس للاختراق الأجنبي والركود المحلي وما يرتبط بهما من شعور بالضعف المجتمعي.
8 ـ الألفة الشديدة، وبأكثر من الحد المعقول، مع الجماعة الصغيرة بدلاً من الجماعة الكبيرة، والعودة إلى «الخيمة الصغيرة» للولاءات الفرعية عند كل منعطف حادّ، عوضاً عن الولاء الكلي المرتبط بالمجتمع عامة. وينتج هذا الميل عن ضعف «رابطة الوطن» و «الدولة» وعجزهما عن تحقيق وظائف الحماية والدفاع عن أعضاء الجماعة، وكفالة إشباع احتياجاتهم الأساسية، مما يدفعهم إلى العودة إلى «الجماعات الفرعية» (الطوائف في لبنان مثلاً).
9 ـ التذبذب السلوكي ونقص «الثبات الانفعالي»، خاصة لدى الفئات المتوسطة من المجتمع؛ وقد سبق أن أرجعت الأدبيات الماركسية حالة التذبذب تلك إلى وضعها المتناقض طبقياً، باعتبارها «تكره الاستعمار ولكنها تخاف الشعب».
10 ـ أخيراً، لكن ليس آخراً، اتباع قواعد «القياس الفاسد» بلغة المناطقة القدامى، أي قياس التجربة العربية على تجارب مناطق وبلدان أخرى، تختلف ظروفها اختلافاً تامّاً عن ظروفنا. وهذه خطيئة «الليبراليين العرب» تحديداً، من حيث تنزيل التجربة الغربية في البناء المبكر للديموقراطية أو تجارب الانتقال الديموقراطي الأخيرة في أوروبا الشرقية، تنزيلاً قسرياً على البلدان العربية في واقعها الراهن.
هذه هي السمات السلوكية ذات الطابع السلبي لدى المثقفين العرب (بمن فيهم المثقفون المصريون) والتي قد تفسّر ما نعانيه من العجز «الثوري» الراهن.
وكما بدأنا المقال ننتهي: إن ما نشأ وتطور في التاريخ، يذوي ويتغير في التاريخ. هذه القاعدة تحكم مسار ومصير السمات السلبية للميول السلوكية لشرائح من النخب العربية. فهي ليست بخصائص ثابتة للشخصية العربية، على الضدّ من موقف ذلك الجناح المتحيّز عنصرياً ضد العرب من الفكر الاستشراقي الغربي، كما يظهر مثلا لدى برنارد لويس وباتاي.
فلنعمل إذاً على الحدّ من السلبيات وعظيم الإيجابيات ` وهذه كثيرة ` في الشخصية العربية الثقافية المعاصرة؛ ولنعمل على القيام بما يلزم من محاولة بناء أنماط فعالة للتنشئة الاجتماعية والتربية السياسية على الطريق الطويل.
المصدر: السفير

