لا أريد أن أقلل من أسباب إقالة جون بولتون، لكن على ما يبدو أن السبب المباشر لهذه الإقالة، هي تغريدة بولتون على توتير، حول ناقلة النفط الإيرانية وصورها التي نشرها بولتون على تويتر في سابقة تجاوز بها رئيسه. عادة ما يقوم الرئيس ترمب باستخدام تويتر لإعلان مواقف إدارته ومواقفه الشخصية، ولم يسبق لأي موظف في إدارته أن أعلن أو نشر صورًا لتعزيز مواقف إدارة ترمب.
الأسبوع الماضي نشر ترامب صورًا لقاعدة إطلاق الصواريخ تظهر انفجار الصاروخ الفضائي الإيراني، وطلب من إيران أن تدقق في أسباب انفجار الصاروخ، هذا يعني أن الصورة استخدمت لتوضيح نجاح سياسته الاستخبارية، في حين جاءت تتويتة جون بولتون، بعد تتويتة ترمب فاجعة على رأسه، وكانت القشة التي قسمت ظهر البعير.
تتويتة جون بولتون كانت إعلان شخصي لإخفاقه في موضوع الناقلة الإيرانية، حيث انتصرت الناقلة مرتين؛ الأولى، عندما كانت سببًا في إقدام إيران على حجز الناقلة (السويدية) التي تحمل علم بريطانيا، هذه الحادثة التي فرضت شروطًا جديدة تحكم الملاحة في هرمز بشروط إيرانية.
والثانية، عندما فرضت إيران على حكومة جبل طارق فك أسر الناقلة التي توجهت إلى شرق المتوسط، وكل التقديرات أن نفطها أفرغ في الخزانات السورية.
بولتون خسر المعركة الاستخبارية والسياسية والنفطية، مع الناقلة أدريان داريا (1)، هذه الخسارة التي توجت خساراته المتتالية في ملفات عديدة؛ أهمها فنزويلا وأوكرانيا وسورية، ولم ينجح في وقف التمرد التركي.
التويتة كانت سببًا في حسم موقف الرئيس من الخلاف بين بومبيو وبولتون، في حين بومبيو كان واضحًا منذ تسلمه لمنصبه، إنه تابع امين لترامب وكوشنير وايفانكا، في حين بولتون لديه أجندة ورؤية خاصة به، أراد أن يمررها بسياسات فردية، كانت سببًا في الخلاف مع وزارة الخارجية ودورها.
إقالة بولتون ضرورة لتغطية إخفاقات إدارة ترامب في الملفات الخارجية، فمن الواضح أن الطريقة التويتية في فصل كبار الموظفين تنم عن عقلية لا تعيير وزنًا لأي مسؤول، طريقة يريد منها ترامب أن يؤكد: أن الوظيفة الحكومية مثلها مثل أي وظيفة في شركة من شركاته القابضة، وهي مرتبطة بمدى نجاح الموظف في مهامه، ولا مجال له لإبداء الرأي، أو اعلان موقف بدون العودة لرئيس الشركة وصاحب بيتها الأبيض.
بولتون تجاوز الحدود وأعلن عبر تويتر عن خيبته وخسارته المعركة مع الناقلة أدريان داريا (1)؛ خسارة قانونية، وخسارة استخباراتية، وخسارة معنوية، حاول ترمب التعويض عنها بنشره صور انفجار الصاروخ الفضائي الإيراني؛ للتغطية على غباء وخسارة مستشاره للأمن القومي، الذي أجهض تويتة ترمب بتويتته الغبيّة.
من الواضح أن السياسة الخارجية لإدارة البيت الأبيض قد فشلت بالمعنى السياسي في كل الملفات الإيرانية والفنزويلية والاوكرانية والروسية والعراقية والتركية، والأكثر صراحة خسارته مع الأوروبيين الذين رفضوا الانصياع إلى طلبه بتغطية حجز الناقلة الإيرانية، مما اضطر أقرب حلفائه الرضوخ لفك أسر الناقلة.
لم ينجح بولتون سوى بملف واحد هو ملف إعلان غبائه السياسي والأمني، وعدم إدراكه أن العالم تغير، ولا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
إقالة بولتون هي حاجة ضرورية لإنجاح الجهود الفرنسية للقاء ترمب – روحاني، هذه الإقالة التي كسرت الرباعية المضادة لإيران، الذي يعول عليه بومبيو لخلق شقوق في الجبهة الداخلية الإيرانية، وإعلان نجاح ترامب لفرض لقاء تحت ضغط العقوبات؛ لقاء يحتاجه ترامب لإعلان انتصار في ملف شكل إعلانًا واضحًا لرفض سياسة أوباما. انتصار يريد أن يقدمه لناخبيه.
برأيي أن إيران عليها أن تفهم الرسالة وتقبل اللقاء، من على قاعدة منظورها للصراع مع البيت الأبيض. استمرار ترامب في البيت الأبيض ضرورة لاستمرار عزل البيت الأبيض، ولتعزيز فكفكة العلاقات الرأسمالية، بين مراكزه، حيث سيكون ترامب سببًا في الفوضى الرأسمالية التي تفتح الآفاق لعالم جديد؛ متعدد ومتنوع، تفرضه العلاقات الجديدة القائمة على أساس إعادة التوازن لمنظومة العلاقات الدولية القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
بعد 3 سنوات من وجوده في البيت الأبيض نجح بعنوان واحد، هو عنوان الجباية من نظم ضعيفة وبالية، كشف تبعيتها، وأهان كرامتها، وفرض معادلة معلنة؛ الدفع من أجل الحماية.

