Menu

اليمنيون غذائهم كرامتهم ووطنيتهم

حاتم استانبولي

الهجوم على المنشآت النفطية لشركة أرامكو أكبر مصدر للنفط، كانت من حيث التوقيت والمنشآت التي استهدفت تحمل رسائل باتجاهات متعددة. إن من اتخذ هذا القرار اليمني قارئ جيد لتداعيات الهجوم السياسية والاقتصادية داخليا وخارجيا؛ الهجوم جاء بعد أن تم تغيير وزير الطاقة السعودي، واستلام أحد أبناء الملك سليمان وزارة الطاقة السعودية، الذي كان يهيئ نفسه لمهمة إدراج 5% من أسهم أرامكو للتداول في أسواق المال، واختار أن يكون السوق المالي الأمريكي (وول ستريت)، هو المكان للتداول الأولي لهذه الأسهم، لما يحمله ذلك من دعم لإدارة ترمب، من خلال تدفق الأموال إلى بورصة نيويورك.

الهجوم كان ضربة موجعة لشركة أرامكو ونفوذها، وترك آثارًا عميقة على سوق النفط العالمي وأعطى مؤشرًا خطيرًا للدول التي تعتمد على إمدادات النفط السعودي، وفتح الباب أمام الدول لتعيد التفكير من أجل تعدد مصادرها للطاقة. كما أن الهجوم أعطى دفعة معنوية لإمدادات النفط الروسي والإيراني والفنزويلي، وبالجوهر الهجوم قوض بشكل غير مباشر العقوبات الأمريكية على روسيا وفنزويلا وإيران، وللتغطية على ذلك سارع البيت الأبيض لطمأنة الأسواق بأن واشنطن على استعداد للتعويض عن النقص في إمدادات النفط السعودي، ولكن هذا سيصطدم بارتفاع الكلفة لنقل النفط الامريكي. الهجوم أيضًا وضع أرامكو في وضع حرج، وفرض عليها كلفة ارتفاع التأمينات على الشحنات النفطية وعلى مواقع إمدادات النفط .

بالمعنى السياسي، فإن الهجوم ترك آثارًا على البنية الداخلية للسعودية، وطرح تساؤلًا مهمًا عن جدوى عقود التسليح، فبالرغم من تراكم الأسلحة بكافة أنواعها، لم تستطع منع طائرات بكلفة آلاف الدولارات أن تقوض إمكانيات دولة تملك الجو والبحر والبر اليمني (بحكم التفوق العسكري)، وأن تقوم بتوجيه ضربة موجعة في العمق السعودي، وترك آثارًا عميقة، خسائرها الأولية تقدر بالمليارات.

الهجوم سيلقى تضامنًا داخليًا سعوديًا (حتى لو لم يعلن عنه)، تشفيًا بسياسات نالت من كرامة السعوديون، من أمراء وعامة، عانت من سياسات عدائية إقصائية، طالت العديد من مراكز القوى في خطوة لحصر السلطة في ايدي فئة واحدة، وسيترك الهجوم أثارًا اقتصادية سيكون لها تداعيات على إمكانيات المملكة وموقعها في السوق النفطي العالمي.

لقد طرح الهجوم جديا عنوان وقف الحرب العبثية التي تخاض ضد شعب اليمن؛ لكون الحرب أخذت أبعادًا خطيرة تمس الاقتصاد العالمي، خاصة أن الهجوم جاء بعد تحذيرات من قبل صنعاء، ولكن عقلية الاستعلاء، وعدم الاكتراث، والشعور بالتفوق على اليمني الفقير لم تجدِ، فقد تحولت تحذيرات الإنسان اليمني وجيشه ولجانه الشعبية إلى واقع بعد أن استهدفت المطارات السعودية والإماراتية، وأكدت إمكانياتها في استهداف المواقع الحيوية الاستراتيجية في موقع موجع للاقتصاد السعودي، وفرض على الرياض أن تأخذ تحذيرات اليمني الفقير بالوصول إلى الرياض على محمل الجد.

أرامكو بما تملكه من إمكانيات داخلية وخارجية؛ ضربها يراد منه توجيه رسائل عديدة، وبعدة اتجاهات، تعطي قوة لفرض وقف الحرب. فالعالم الرأسمالي لن يتحمل وقف إمدادات النفط، خاصة أن المتحدث باسم الجيش اليمني، أكد أن الضربات ستتوالى على منشآت أرامكو، ووجه تحذيرًا للإمارات بأنها ليست بعيدة عن ضربات الجيش اليمني. 

الهجوم سيفرض العودة لتحكيم لغة العقل من خلال وقف العدوان على الشعب اليمني، وسيعزز الاتجاه الذي يعمل على تخفيف حدة التوتر في الخليج، حيث أن  عملية محدودة أدت إلى أزمة وفوضى في الأسواق، وهذا يفرض سؤال: ما هي تداعيات الحرب؟

اليمن لا يملك ما يخسره، ولكن الضربة اليمنية طرحت بداية الخسائر السعودية في موقع مهم وقاتل للاقتصاد السعودي، إذا ما استمر العدوان. نجاح الهجوم أكد عقم السياسة الحربية، وعقم الحماية الأمريكية، وعقم الاعتماد على القوى الخارجية التي تستثمر في استمرار الحرب؛ لاستنزاف خزائن الخليج وإمكانيات دوله في حرب عبثية غير عادلة.

على السعوديين أن يفكروا بحجم الأموال السعودية والإماراتية التي ضخت لخزائن دول الغرب، وتحديدًا لندن وواشنطن، لو صرفت في أسواق دول المنطقة، وخاصة اليمن لحلت كافة مشاكله، وأصبحت الرياض منارة لشعوب المنطقة. عقلية الحرب سقطت والمكابرة لا تفيد، وإنما تزيد من العداء والدماء العربية. فالدم اليمني عربي، والدم السعودي أو الإماراتي عربي، فلتُسقط الشعوب عقلية العدوان، ولتُفتح الآفاق من أجل السلم. 

قبل خمسة سنوات كتبت أن التجربة التاريخية أكدت أن لا أحد يستطيع أن يكسب الحرب ضد الشعب اليمني الوطني، الذي يملك أهم سلاح، هو سلاح الكرامة، وسلاح العروبة، لقد خبرناهم في ميادين القتال إلى جانب المقاومة الفلسطينية، فلقد كانوا مقاتلين شرفاء مقدامين غذائهم كرامتهم ووطنيتهم.

اليمن لن يهزم مهما طالت الحرب، هذا المقاتل الفقير الذي يملك كرامته ووطنيته وعروبته، بالنسبة له حرب الدفاع عن الوطن هو كل ما يملك. موازين القوى بين الغنى والفقر، هي معركة بين العدوان والكرامة، دائمًا ستنتهي لمصلحة الفقراء لأنهم هم عامة الشعب، أما الأغنياء فهم قلة، لا يمكن أن يستمروا بالاعتماد على المرتزقة. 

السقوط الأخلاقي لقادة الحرب على اليمن، الذين يصرحون أن الهجوم على منشآت أرامكو، هو استهداف لأمن الطاقة العالمي، في حين أن سقوط مئات الآلاف من اليمنيين لا يؤثر على الأمن الإنساني العالمي. بالنسبة لمراكز رأس المال، لا يكترثون لدماء الفقراء التي تُسال منذ خمسة سنوات، في حين أزعجهم انسياب الدم الأسود الذي يمول خزائنهم. 

الخطر على السلم العالمي هو إذا ما أقدمت واشنطن بشحذ أسلحتها للاعتداء على إيران، وتحقيق رغبة نتنياهو وحلفائه في واشنطن؛ لضرب المصافي الإيرانية الذي سيواجه بقصف المصافي الخليجية، عندها سيكون الأمن العالمي في خطر جدي، هذا الخطر الذي بدأ منذ أن بدأ العدوان على فلسطين واليمن وسورية.