Menu

معارك نتنياهو "الدرامية" ونتائجها العكسية

د. محمد السعيد إدريس


عندما تبدأ صباح اليوم الثلاثاء (17/9/2019) مكاتب الإقتراع واستقبال الناخبين أعمالها فى كيان الاحتلال الإسرائيلى لإنتخاب أعضاء برلمان جديد، وهى بالمناسبة ثانى انتخابات عامة تجرى هذا العام بعد الانتخابات التى جرت يوم 9 أبريل الماضى وفشل على أثرها بنيامين نتنياهو، صاحب أكبر إئتلاف حكومى فى البرلمان فى تشكيل الحكومة الجديدة بعد مرور أكثر من شهرين على تكليفه من الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين بتشكيلها، يكون نتنياهو قد استنفذ كل ما فى جعبته من وسائل وأفكار وخدع استهدف بها إحراز انتصار انتخابى كبير يغنيه عن اللجوء إلى التحالف مع عدوه اللدود أفيجدور ليبرمان زعيم حزب "يسرائيل بتينيو" (إسرائيل بيتنا) أو الاضطرار للتحالف مع حزب "ابيض – أزرق" بزعامة بينى جانتس الذى يخوض أقوى منافسة انتخابية ضد حزب الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو وأحزاب "الحريديم" (الأحزاب التوراتية اليمينية).

لكن لسوء حظ نتنياهو أن كل ما لجأ إليه من خدع وأكاذيب، وربما مؤامرات، اعتقد أنها ستحقق له ما يحلم به، جاءته بنتائج عكسية تبدد كل ما كان يخطط له، وأضحى مستقبله السياسى معلقاً اليوم بنتائج هذه الانتخابات التى يعتبرها "معركة حياة أو موت" فى ظل ما يتهدده من مستقبل سياسى مظلم إذا فشل فى أن يفرض نفسه مجدداً رئيساً للحكومة الجديدة، خصوصاً وأنه سيكون مضطراً للمثول أمام المحكمة العليا فى أوائل أكتوبر المقبل متهماً بارتكاب جرائم فساد مخلة بالشرف قد تنتهى بدخوله إلى السجن.

فعل نتنياهو كل ما كان يمكن أن يفعله ضد خصومه خارج كيان الاحتلال، وجه ضربات هنا وهناك ابتداءً من مراكز وتجمعات ومخازن "الحشد الشعبى" فى العراق، ثم إلى مواقع لقوات إيرانية وأخرى حليفة داخل سوريا، ثم إلى "حزب الله"، وبعدها إلى قطاع غزة، معتقداً أنه سيفرض نفسه على الناخب الإسرائيلى بأنه وحده القادر على حماية أمن إسرائيل وتحقيق الاستقرار، لكن المحصلة كانت عكسية تماماً، وأعطت ورقة قوية للأحزاب المنافسة كى تتهمه بأنه "من يعرض أمن إسرائيل للخطر" وأنه "العاجز عن الرد على من يهدد أمن إسرائيل".

فالضربات التى وجهتها الطائرات الإسرائيلية المسيرة (الطائرات بدون طيار) ضد مواقع ومخازن أسلحة "الحشد الشعبى" فى العراق لإثبات أنه "لا حصانة لإيران فى أى مكان" حسب ما جاء على لسان نتنياهو ووزير خارجيته يسرائيل كاتس، من منطلق أن "الحشد الشعبى" العراقى أحد أهم الأذرع الإيرانية ثم قول كاتس أن العمليات الإسرائيلية فى سوريا تهدف إلى "قطع رأس الأفعى" ويقصد إيران، جاءت كلها بنتائج عكسية تماماً. فقد أدت هذه الضربات، من ناحية إلى زعزعة العلاقة بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة وسط اتهامات عراقية لواشنطن بأنها إما أنها من قامت بهذه الاعتداءات وأما أنها يسرتها وساعدتها وتسترت عليها، الأمر الذى أجبر وزارة الدفاع الأمريكية إلى التبرؤ من أى مسئولية بهذا الخصوص، وانقلب السحر على الساحر، حيث كشفت مصادر سياسية وأمنية فى تل أبيب النقاب عن أن الجيش الأمريكى غاضب من المخابرات الإسرائيلية (الموساد) بسبب تلك الاعتداءات. وأدت هذه الاعتداءات من ناحية أخرى إلى فرض معادلة أمن وطنى عراقية جديدة وإعلان "الحشد الشعبى" عن مسعى جاد لتأسيس قوات دفاع جوى وقوات جوية تابعة "للحشد"، ناهيك عن توجه الحكومة العراقية لشراء صواريخ "اس 400 واس300" من روسيا. هذه التطورات ستكون لها مردودها السلبى حتماً على تقييم الناخب الإسرائيلى لقدرة نتنياهو على حماية أمن إسرائيل.

وعندما اعتدت إسرائيل على مواقع لـ "حزب الله" فى سوريا، ثم اعتدت بطائرتين مسيرتين على الضاحية الجنوبية لبيروت (معقل حزب الله) فى محاولة لإثبات قدرة نتنياهو على إخراص "حزب الله" وتصويره على أنه من يتسبب فى الخسائر للشعب اللبنانى لم يأت رد المقاومة على هذه الاعتداءات على النحو التقليدى السابق، فبسبب التهديدات بالرد داخل أراضى فلسطين المحتلة (داخل كيان الاحتلال) فقط، عاش الجيش الإسرائيلى وعاش المدنيون فى شمال الكيان أسوأ أيامهم انتظاراً لانتقام "حزب الله" وعندما جاء الرد الأول بقصف عربة مدرعة إسرائيلية وقتل وجرح من فيها، لم تستطع قيادة الجيش الإسرائيلى الاستمرار طويلاً فى إنكار وجود قتلى أو جرحى، وخسر العسكريون ومعهم وزير دفاعهم بنيامين نتنياهو مصداقيتهم، ثم جاء الرد الثانى لـ "حزب الله" بإسقاط طائرة مسيرة إسرائيلية فى خراج قرية رامية. إسقاط هذه الطائرة أربك قيادة الجيش الإسرائيلى التى لم تستطع إنكار سقوط هذه الطائرة، لكن هذه القيادة حرصت فى البداية على أن تتحدث فقط عن "سقوط الطائرة" وليس إسقاطها من جانب "حزب الله"، وهو ما اضطرت للاعتراف به بعد تأكيدات قيادة "حزب الله" وزاد الطين بلة بنجاح المقاومة فى غزة فى إسقاط طائرة إسرائيلية أخرى فى نفس التوقيت وكانت المحصلة أن مناوشات نتنياهو مع "حزب الله" أدت إلى تمكين "حزب الله" من فرض "معادلة التدمير مقابل التدمير" و"الردع مقابل الردع".

الأخطر من ذلك ما استنتجه الجنرال احتياط غرشون هكوهين فى دراسة قدمها إلى "مركز بيجن – السادات للأبحاث الإستراتيجية فى تل أبيب". فقد أخذ هكوهين فى اعتباره ما ورد على لسان حسن نصر الله الأمين العام "لحزب الله" بقوله أن اللبنانيين "أسقطوا محاولة إسرائيل تغيير قواعد الاشتباك الجديدة المعمول بها منذ عام 2006 وأن المقاومة ردت على الاعتداء الإسرائيلى الأخير على الضاحية عبر إسقاط الطائرة المسيّرة فى خراج بلدة رامية" وقوله "نكرر موقفنا كجزء من محور المقاومة، لسنا على الحياد ولن نكون على الحياد" مشيراً إلى أن أى حرب إسرائيلية على إيران أو على أى طرف من أطراف محور المقاومة "ستشكل نهاية إسرائيل، وستشكل نهاية الهيمنة والوجود الأمريكى فى منطقتنا". فقد استخلص هكوهين فى دراسته تلك ما مفاده أن "إنشاء محور عسكرى- إرهابى" على طول الحدود الشمالية والجنوبية لإسرائيل بمشاركة فعالة من سوريا و"حزب الله" و"حماس" و"الجهاد الإسلامى" فى فلسطين يضع الأسس لعملية الاستنزاف طويل الأمد متعدد الأوجه للدولة العبرية. واعتبر هكوهين أن هذا التهديد الوجودى يتضمن عناصر رئيسية أولها: تهديد واسع النطاق بأبعاد غير مسبوقة من الصواريخ والقذائف المتطورة وشديدة الدقة، وثانيها أنه سيجعل إسرائيل محاصرة من جميع الجهات من لبنان وسوريا وقطاع غزة وربما من الميليشيات الشيعية فى العراق والميليشيات الحوثية فى اليمن".

وجاءت الكارثة الكبرى لنتنياهو أشبه بـ "الفضيحة" وعلى الملأ عندما ردت المقاومة فى غزة على إعلانه ضم غور الأردن وشمال البحر الميت فى حال فوزه فى الانتخابات. كان نتنياهو يعتقد أنه يقدم "ورقته الأهم" فى الانتخابات لكن عدسات المصورين لم تبلغه مأمله عندما اضطر نتنياهو مساء الثلاثاء الماضى (10/9/2019) إلى قطع كلمة كان يلقيها أمام تجمع انتخابى لأنصاره فى مدينة أسدود المحتلة والهروب مع حراسه من جهاز الأمن العام (الشاباك) خارج القاعة بعد دوى صفارات الإنذار للتحذير من هجوم صاروخى لفصائل المقاومة الإسلامية فى قطاع غزة. توقيت إطلاق هذه الصواريخ لم يفت عن إدراك قادة المعارضة الإسرائيلية ولا حتى قادة الأجهزة الأمنية فقد وعى الجميع أن تصرفات نتنياهو السيئة لم تتسبب فى فرض معادلة قواعد اشتباك جديدة مع "حزب الله" فى الشمال فقط، بل وأيضاً مع المقاومة فى قطاع غزة، وهذا ما أفسد على نتنياهو كل ما كان يأمله من نجاحات انتخابية ربما تكون نتائجها عكسية، ولعل هذا ما دفعه، بل وأجبره على التعجيل بالإعلان عن التوقيع على "معاهدة دفاع مشترك" مع الولايات المتحدة باعتباره أن هذه المعاهدة يمكن أن تكون هى الهدية الانتخابية الكبرى التى يأمل أن ترفع فرصه الانتخابية خصوصاً بعد فشل زيارته الأخيرة لروسيا ولقائه غير المثمر منعدم الهدايا مع الرئيس فلاديمير بوتين فى سوتشى يوم الخميس الماضى (12/9/2019)، فقد جاءت نتائج هذه الزيارة فاشلة، ولم يحصل خلالها على أية هدايا انتخابية وبالذات لم يحصل على وعود تعاون أمنية مع روسيا ضد إيران، كانت زيارة فاشلة إلى حد دفع غريمه أفيجدور ليبرمان لاستغلالها فى المعركة الانتخابية والتندر عليه. هل سيترجم هذا الفشل إلى نتائج انتخابية؟ وكيف سيكون حال الكيان إذا وجد نفسه أمام معضلة العجز عن تشكيل الحكومة الجديدة سواء برئاسة نتنياهو أو برئاسة غيره؟ هل يمكن اللجوء إلى خيار إجراء انتخابات عامة ثالثة هذا العام؟

هذا الخيار أعلن الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين رفضه مسبقاً بقوله "أنا مثل معظم الإسرائيليين انظر بخطورة بالغة إلى احتمال إجراء انتخابات ثالثة هذا العام.. سأقاوم بكل ما هو ممكن لمنع إجراء انتخابات ثالثة".

تحذير يعنى أولاً أن هناك شكوكاً حقيقية فى أن يفوز نتنياهو انتخابياً ويكون فى مقدوره تشكيل حكومة تحظى بأغلبية مأمونة، ويعنى ثانياً أن الكيان سيكون أمام أزمة كارثية بنيوية تؤكد أن الخطر عليه ليس فقط من الخارج بل أن الخطر الحقيقى داخلى وأن الكيان الهش من الداخل بات ضحية النمل الأبيض الذى يأكل أنسجته الاجتماعية والسياسية.