يكتب الأصدقاء العلمانيون بتياراتهم المختلفة، من ليبراليين ويساريين وما بينهما، عن التطرف الديني والدعوة إلى الاعتدال، كما لو أنهم وزراء أوقاف أو أساتذة في كليات الشريعة، وينسون مشروعهم الاجتماعي والسياسي للإصلاح ومواجهة التطرف. وفي ذلك فإنهم لا يخدمون الاعتدال ويناقضون أنفسهم، ويلحقون ضررا بالغا بالجدل السياسي والاجتماعي المفترض تشكله بحثا عن الحلول والمراجعات. فالعلمانية، بما هي حياد الدولة تجاه الدين، يفترض أن تعارض الدور الديني للدولة في التعليم والأوقاف والقضاء، وسائر مجالات الحياة العامة، حتى لو كان هذا الدور إصلاحيا أو تنويريا؛ الإصلاح والتنوير الديني هو وظيفة التيارات الدينية المعتدلة والمتنورة إن وجدت.. فماذا تركتم أيها الأصدقاء لرجال الدين؟ وماذا عن المشروع الليبرالي لحماية الفرد من الدولة واستقلال المدن والمجتمعات؟ ماذا عن الذات الفاعلة؟ هل فقدتم الثقة بالليبرالية حلا للتطرف؟
من يقرأ ويسمع لكثير من الليبراليين واليساريين اليوم، يعتقد أنهم كما الإسلاميون؛ لا يؤمنون بالعلمانية، وغاية ما يدعون إليه ويطالبون به هو سلطة دينية معتدلة أو متنورة.
مطلوب من العلمانيين بتياراتهم المتعددة أن يطرحوا مشروعهم الاجتماعي للتقدم ومكافحة التطرف والكراهية، القائم على العلمانية والمستمد منها؛ وأن يخوضوا نضالا علمانيا مع السلطة لتكف يدها عن الفرد والمجتمع والتعليم الديني وإدارة الأوقاف.. وأن يحشدوا المجتمعات في هذا الاتجاه، ويبنوا قواعد اجتماعية تعمل وتؤثر باتجاه العلمانية بالنظر إليها مشروعا للحريات ومواجهة التطرف، وأن يكفوا عن قصة الاعتدال الديني والتنوير الديني؛ فذلك أولا دور الاتجاهات الدينية المعتدلة إن وجدت، وليس دور العلمانيين. وثانيا، فإنهم لا يقدرون على هذا الدور ولا يتقنونه، إذ يفوق خبراتهم ومعارفهم، ويناقض عقلهم الباطن ومواقفهم الحقيقية. وثالثا، فإنهم يخوضون مواجهة غير متكافئة مع جماعات دينية تملك رؤية مدروسة ومتماسكة.
وهناك حفلة أخرى يشارك فيها بحماس علمانيون و"إسلاميون معتدلون"، تتمثل في أن الدين مستقل عن ممارسة الجماعات والمؤسسات الدينية، سواء كانت متطرفة أو معتدلة. ورغم صحة المقولة، فإنها تستخدم لتكريس السلطة الدينية.
الدين مستقل بالطبع عن المتدينين، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات أو جماعات، لكن لا يمكن معرفته في عالم الواقع إلا من خلال المتدينين، أو بعبارة عملية فإن ما يعنينا من الأمر هو التطبيق العملي الذي تتبعه الجماعات والمؤسسات الدينية، وما الفقه والتفسير والفكر والتطبيقات الدينية سوى ما ينتجه المتدينون؟
حسنا، إذا كان صحيحا القول إن الدين مستقل عن المتدينين، فإنه لا مجال لتطبيق المقولة سوى أن يكون الدين فرديا، وأن يؤنسن المجال العام، فليس غير ذلك يجعل الدين مستقلا عن الناس، وليس بغير ذلك يمكن تجنب الكوارث المنتسبة إلى الدين.
وبالمناسبة، فإن الدول العربية جميعها تمارس سلطة دينية وهيمنة ووصاية باسم الدين على الفرد والمجتمع، ولم يطلب الدين منها ذلك. ولكن الحكومات والجماعات تطبق الدين ربما أكثر مما يريد الله، وليس ذلك تقربا إلى الله، ولكنها هيمنة على الناس ومواردهم ومصائرهم، ويسكت الناس اعتقادا أن الله يريد ذلك.
المطلوب من العلمانيين ألا يشغلوا أنفسهم بالدفاع عن الدين أو انتقاده. نضالهم يجب أن يركز على الفردية في الشأن الديني، والأنسنة في الشأن العام والجماعي. وحتى لو كانت المقولات الدينية معتدلة وتقدمية، فإنها (على الأقل في الخطاب العلماني)، تظل تعمل وتؤثر في فضاء الفرد وليس الدول والمجتمعات.
المصدر: الغد الأردني

