دشَّن توقيع الوثيقة الدستورية يوم ١٧ آب، بدايةَ عهد جديد، وفترة انتقالية تمتد إلى ٣ سنوات، وسؤال معلق؛ هل حقق المتظاهرون نصف انتصار؟
ولم يكن من المفاجئ أنْ تأتي الاحتفالات بالدستور الانتقالي الجديد، متحفظة وخجولة في شوارع المدن السودان ية، ولا تقارن بشيء مع التظاهرات المليونية التي خرجت احتفاءً بخلع البشير! الذي جاء إلى السلطة قبل 30 عامًا، عبر توافقات بين المؤسسة العسكرية والإخوان.
يرى بعض قادة "الثورة" في السودان أنَّ مغالبة العسكر لهم كانت ظاهرة منذ البدء، وقد شكَّل الحادي عشر من نيسان، اليوم الفعلي لمحاولة التفاف المؤسسة العسكرية على مسار "الثورة"، ثم عبر التحكم بمسار المحادثات، تمكَّن العسكر بالمحصلة من الحفاظ على مواقعهم ونفوذهم.
يُغلب قادة حزبيون ومهنيون، بأنَّ عسكر السودان كانوا ينفذون مخططهم منذ أكثر من عام، توج بقيام جهاز الأمن الرئاسي تحت قيادة مديره السابق "صلاح قوش" بخلع البشير، وكان هذا قد أسرّ لأحد قادة المعارضة المقربين، أنَّ هناك ضرورةً لإيجاد مَنْ يرث تركة رئيسه، وضرورة تحديد مَنْ ستؤول إليه رئاسة النظام.
في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، استعمل المجلس العسكري تكتيك العنف والمجازر، والخداع، وصولًا إلى المفاوضات، مع استمرار التلويح بالهراوة. وقد نصَّ الاتفاق على تكوين مجلس سيادة عسكري مدني مشترك لقيادة البلاد لأكثر من 3 سنوات حتّى موعد الانتخابات في2022، يمتلك المكون العسكري داخل المجلس، حق الفيتو على القرارات في أعلى سلطة في البلاد، مع السيطرة على وزارتي الدفاع والداخلية، وإبقاء مكونات المجلس العسكري خارج إشراف المدنيين.
يقول منظمو احتجاجات "الثورة"؛ إنَّ الاتفاق لا يرقى لتطلعاتهم، وتؤكد سارة عبدالجليل؛ المتحدثة باسم (تجمع المهنيين السودانيين)، وهو طرف رئيسي في الاحتجاجات: "لم نحقق ما ناضلنا من أجله بعد، لقد سقط عمر البشير، لكن نظامه ما زال موجودًا، نحن نواجه انحرافًا عن مسار نضالنا"!!.
ويتخوف مراقبون أمميون في منظمات إنسانية، من أنَّ استيلاء العسكر على السلطة في نيسان الماضي، كان عبارة عن استعادة لسياسات حقبة البشير، ولكن بمدير أعمال جديد، حيث يبرز محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، الذي رغم دعم السعودية والإمارات، إلا أنَّ البلاد تحت قيادته، ستكون أقل استقرارًا مما كانت عليه تحت حكم البشير.
وقد اتّضح شكل السلطة الحاكمة الجديدة في السودان منذ مراسم التوقيع، عندما حمل قائد قوات الدعم السريع، حميدتي الأمي، والمتهم بارتكاب فظائع وجرائم حرب، الوثيقةَ الموقعة رأسًا على عقب!
لم يكن مفاجئًا تمكن عسكر السودان من المناورة والتعنت أمام الحراك الديمقراطي والثورة، لإجهاض أهدافها، فقد بدأت حكاية حفاظ عسكر السودان على السلطة منذ حوالي عام ونصف، عندما كان قوش؛ مدير جهاز أمن البشير، يفكر في تغيير رأس السلطة، خاصة وأنَّ البشير يخضع لضغط مذكرة المحكمة الدولية.
بعد أنْ انطلقت مسيرة الحراك الديمقراطي في البلاد، في كانون أول 2018، التقى قوش بقيادات المعارضة أثناء احتجازهم بمعتقلاته كما نشرت رويترز سابقًا، وكان من ضمن القيادات المعتقلة رئيس حزب المؤتمر السوداني، والقيادي بتحالف أحزاب المعارضة، الذي أكّد هذا اللقاء، وبدا له بأنَّ قوش، كان يحاول أنْ يسوّق نفسه كبديل للبشير”! .
وبموازاة تحرك الملايين في احتجاجات لأشهر عدة لإسقاط البشير، كان الانقلاب العسكري يقوم بدور حاسم بالإطاحة بالبشير، ورغم عدم ظهور تفاصيل واضحة حول الأطراف اللاعبة، إلا أنَّ الكثيرين يقولون بأنَّ الإمارات قد لعبت دورًا في دعمه إلى جانب أطراف أخرى، وهذا ما أكّده حميدتي في لقاء خاص لاحقًا!!
بعد الممانعة والحديث عن شروط، وافق قادة الحراك على التفاوض مع المجلس العسكري حول تفاصيل الانتقال السلمي للسلطة، وتسلمها، رغم تصريحات قادة الحراك الديمقراطي بعدم استعدادهم بعد للتفاوض مع المجلس العسكري، كما بدا واضحًا بأنَّ الطرف العسكري الذي واصل عمليات القتل حتّى عشية توقيع الاتفاق بأحرفه الأولى، بأنَّه لن يغير من أساليبه!
تتكون قوى إعلان الحرية والتغيير، الممثلة للمتظاهرين من تحالف عدد من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وفي واقع الأمر، لم يكن قادة الحراك عشية المفاوضات، يمتلكون استراتيجية تفاوضية واضحة، ونادرًا ما استطاعوا الوصول إلى قرار موحد. وحسب أقوال أحدهم، فقد بدأوا التفاوض من الحد الأدنى وليس من السقف الأعلى للمطالب. كانت الثقة البينية، بين أطراف التحالف ضعيفة، وتجربة عملهم المشترك حديثة، وبعضهم كان يقيم علاقات "جانبية" مع العسكر، والتحدي الحقيقي الذي واجههم، كان التحول من حركة أفقية مترامية، إلى قيادة حاكمة مركزية!
في الأثناء قام المجلس العسكري باستعمال أسلوب المماطلة والتسويف والرهان على إضعاف حركة الشارع؛ للتمكن من السيطرة على الحكومة الانتقالية، وقد وجد المجلس العسكري السوداني الدعم في استراتيجيات الأطراف الدولية المؤثرة (واشنطن، لندن، باريس)، في توافق فريد بين الأطراف الدولية؛ للوصول إلى مساومة بين العسكر وقادة الحراك، عوضًا عن تسليم السلطة للمدنيين بالكامل.
لخص ستيفن كوتسيس؛ المسؤول الأمريكي رفيع المستوى بالخرطوم، استراتيجية الحكومة الأمريكية تجاه السودان، نهاية شهر أيار بقوله: "إنَّ أمريكا تدعم التوجهات المبيتة للسعودية والإمارات ومصر"، وبعد سقوط البشير دعمت الدول الثلاث المجلس العسكري، حيث منحت السعودية والإمارات السودان3 مليار دولار، وتقوم الدولتان بدفع مقابل مادي لحميدتي على مشاركة جنوده في حرب اليمن، وتقوم مصر بتوفير الغطاء الدبلوماسي للمجلس العسكري على مستوى الاتحاد الأفريقي.
مكَّن المجلس العسكري سلطته في 3 تموز، حين هاجمت قواته مقر الاعتصام، وروّعت المعتصمين واقترفت مذبحة، قُتل فيها أكثر من 100 وفقًا لتقارير الأطباء، وكان معظم المهاجمين من قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي، ولمّحت أطراف سودانية في الحراك، بأنَّ الرياض وأبو ظبي، كان لهما دور متواطئ في المجزرة. بعد هذا التاريخ تغيّرت أشياء كثيرة، "وتراجع بشدة حِس التفاؤل الساذج الذي تعاملنا به مع الوضع"، كما صرّح أحد الموقعين على وثيقة آب!! حتّى بعد المجزرة، استمرّ المجتمع الدولي في تكثيف الضغط لفرض "تسوية" بين العسكر والمدنيين، وحول هذا الموضوع يصرح محمد يوسف؛ القيادي في تجمع المهنيين : "يضغطون علينا لنكون أكثر مرونة في تقبل المزيد من المساومات، رغم أنَّ المجلس العسكري هو امتداد لنظام البشير".
كان للمتظاهرين آراء مختلفة حول اتفاق الحكومة الانتقالية مع العسكر، فقد دعم قادة تجمع المهنيين الاتفاق، وكان مبررهم في ذلك، بأنَّ من الأفضل العمل على التغيير بكوننا جزءًا من الحكومة، ورغم اعترافهم بأنَّ الاتفاق لا يحقق كل أهداف الثورة، إلا أنَّه قد يحقق مناخًا مواتيًا لتحقيقها، إلا أنَّ وجهة نظر قيادات أخرى، ومن بينها قيادات الحزب الشيوعي السوداني، جاءت متشككة بالعمل مع العسكر، "المسير مع العسكر، لن يسفر عن الانتقال الديمقراطي"، حيث ارتأت بأنَّ المفاوضين كانوا منقطعين عن الشارع، واستبدلوا مرجعية الشعب بمرجعية العواصم، وأنهم متلهفين للوصول إلى السلطة السياسية، بينما كانت الذراع القمعية ما تزال تقتل المدنيين المحتجين، وأنه قد تمَّ دفعهم من أطراف المجتمع الدولي للمساومة مع المجلس العسكري، وأنَّ هذا المنحى يحتوي على كثير من الأفخاخ، ولا يعمل إلا على تأجيل الأزمات، و "أنَّ الجماهير التي فرضت إرادتها يجب أنْ لا يسمح لتجار المواقف من سرقة ثورتهم"!.
وقد تساءلت هذه الأطراف، أين ذهب شعار الثورة (حرية - سلام - عدالة)؟، واستهجنت عدم جدية قادة تحالف قوى الحرية والتغيير المشاركين في المفاوضات، من تصحيح المواد التي تقوض الطبيعة المدنية للحكومة، ويشمل ذلك بعض المواد المبهمة التي يستطيع العسكر توظيفها لصالح هيمنتهم.
وفي جاء في مقال لقيادي شيوعي سوداني: "الحزب يعي تكتيكات الثورة المضادة وأساليبها الماكرة في الاحتفاظ بنفوذها؛ لإفراغ انتفاضة الجماهير من محتواها الثوري التغييري، والقائم على تهديم النظام السابق برمته، وتصفية مكامن وجوده في الاقتصاد، الذي تسيطر عليه الرأسمالية الطفيلية الإسلامو-ربوية، تحت حماية المؤسسة الأمنية التي صارت رأسًا للدولة"!.
وقد قدَّم الحزب الشيوعي برنامجًا من 11 بندًا، من بينها؛ إبعاد الفاسدين من الخدمة العامة، ومحاكمتهم، واستعادة أموال الشعب، وإعادة المفصولين، وتحسين الأوضاع المعيشية لـ40 مليون سوداني، وإلغاء قانون الأمن والقوانين المقيدة للحريات، وإعادة النظر في كل الاتفاقيات العسكرية والدولية والإقليمية التي تمس السيادة الوطنية.
نتيجة للاتفاق، تمَّ تعيين عبد الله حمدوك، رئيسًا للوزراء في 21 آب، وكلف بتشكيل حكومة ضمن مواصفات وحصص محددة. رئيس الوزراء المكلف، يبلغ من العمر 61 عامًا، من ولاية كردفان، ويحسب كخبير اقتصادي، حاصل على درجة الماجستير من جامعة مانشستر، وعمل لفترات طويلة في المنظمات الدولية والإقليمية، آخرها في أثيوبيا، وعند وصوله الخرطوم صرّح:
"بأنَّ أولويات الحكومة ستكون وقف الحرب، وبناء السّلام، والتعامل مع الأزمة الاقتصادية الحادة، وإعادة بناء القطاع المصرفي المنهار، ووضع سياسة خارجية متوازنة".
ويوصف بأنَّه يتمتع بمصداقية كبيرة داخل مؤسسات التمويل والتنمية، وصندوق النقد الدولي ونادي باريس.
أعلنت الحكومة السودانية التي تشغل فيها قوى الحرية والتغيير 14 وزارة، و4 مجالس متخصصة، في الوقت الذي تمَّ تحصين عسكر السودان، لهذا يبقى السؤال مشروعًا: هل اختطف عسكر السودان الثورة؟!

