Menu

"مات عظيمٌ هذي الليلة"*

أحمد بهاء شعبان

يميل الفكرُ الثوري ذو المنابع الماركسية، بشكل عام، إلى التأكيد على أمرٍ صحيح لا يمكن نفيه، هو الدور الفاعل والإيجابي لجموع "الشعب"، وللطبقات الاجتماعية الكادحة والعاملة، مع التحفظ على حدود "دور الفرد في التاريخ"، وقدرته على إحداث تغيير حاسم في مسار الوقائع والتغيرات الاجتماعية والسياسية الكبيرة.

حول "دور الفرد في التاريخ"

غير أنَّ التجربة التاريخية المُعاشة تؤكد، أنَّه في لحظات تاريخية مُعينة، حين تنضج التفاعلات والتناقضات الداخلية للنظام، ويصل الصراع العميق بين الطبقات والفئات الاجتماعية إلى لحظة الاكتمال، فإنَّ دور الفرد، سلبًا وإيجابًا، يكون فاعلًا بدرجة كبيرة لا يمكن نكرانها، بل وكثيرًا ما يكون حاسمًا في توجيه مسار الأحداث.

ما حدث في "الاتحاد السوفيتي"!

ويؤكد هذا الرأي استعادة الدور الواضح لكلٍ من شخصيتي "جورباتشوف" و"يلتسين"، على سبيل المثال، في دفع الكيان العملاق لـ "الاتحاد السوفييتي" السابق إلى هاوية التفكك والتحلل، وهو الدور الذي أصبح عاريًا ومفضوحًا بعد عشرات الشهادات الموثّقة لشخصيات سياسية وعسكرية وأمنية روسية رفيعة، صدرت في السنوات الأخيرة، أثبتت أنَّ أوضاع "الاتحاد السوفييتي" السابق، و"الحزب الشيوعي" الحاكم، كانت قد وصلت إلى درجة ملحوظة من الركود والتآكل والجمود، ساعدت على تشكّل شرائح طبقية نهمة ومؤثرة وعميلة، ذات توجهات برجوازية مُعادية للاشتراكية ومُثُلها، راكمت من السلطة والنفوذ، ما جعلها قادرة على توجيه دفة الوقائع، وسمحت بدفع هذين الرجلين إلى قمة السلطة وموقع الحسم والتأثير، لكي يلعبا دورهما "التاريخي" في تقويض أسس هذا البنيان الكبير وتخريب ركائزه، بالرغم من أنَّه كان بالإمكان معالجة الأخطاء والنقائص بشكل أكثر حكمة ومسؤولية وشرفًا ووطنية، للخروج من الأزمة بخيارات أفضل، تعالج بيت الداء، ولا تقضي على المريض!

و .. "التجربة المصرية"!

وعلى نحوٍ مُشابه؛ يُمكن الجزم، بيقين، أنَّ رحيل الرئيس "جمال عبد النَّاصر"، وصعود خَلفه "أنور السادات" إلى سُدّة الحكم في مصر، كانت لحظة تحول تاريخي حاسمة أيضًا، لا زالت آثارها فاعلة حتّى الآن، في مصر والمنطقة، بل وربما العالم أجمع.

فتطور الأحداث والوقائع يُشيران إلى تحولات اجتماعية وسياسية كانت قد تراكمت خلال أخريات حُكم الرئيس "عبد النَّاصر"، أدت، من ضمن تداعياتها، إلى "النكسة" المريرة، في المواجهة مع العدو الصهيوني عام 1967، وأنَّه كان يدرك مساراتها ويحذّر من خطرها، وطالما ألمح إليها كتحركات لـ "الثورة المضادة" تهدد مسيرة الوطن والثورة، لكن استفحال وضع ما كان يُسميه "مراكز القوى" غلَّ يده عن وضع حد لها.

والحاصل أنَّ هذه التحولات مكّنت لجماعات وقوى الطبقة الرأسمالية، المُعادية للإجراءات الناصرية، والتي وجدت في رحيل الرئيس "عبد النَّاصر"، في مثل هذا الشهر من 49 عامًا، الفرصة لكي تنقضّ على مكاسب الطبقات الشعبية من ثورة يوليو، وأنْ تدفع باتجاه تغييرات جذرية مناقضة، نفذها "أنور السادات"، الرئيس الذي تولّى الحكم بعد "عبد النَّاصر"، إنْ كان على صعيد الأوضاع الداخلية وانحيازات الحُكم الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، أم كان على صعيد السياسات الخارجية والموقف من القضايا العربية الرئيسة، وفي مقدمتها "القضية الفلسطينية"، والصلح مع العدو التاريخي للأمة؛ العدو الصهيوني، وكذا الموقف من قوى وبلدان التحرر في أفريقيا وآسيا أمريكا اللاتينية، ومُعاداة الاشتراكية والمعسكر السوفيتي، والانضمام إلى المعسكر الإمبريالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية،.. إلخ.

انفتاح السداح مداح

كانت أول هذه التغيرات على صعيد تمكين الطبقة الرأسمالية العائدة لتنتقم، والتي تكونت من الأصول القديمة التي كمنت، وبعضها في هيكل السلطة، مُتَحَيِّنةً ظروفًا مناسبةً للافتراس، بالتعاون مع الشرائح التي كانت قد ترعرعت داخل مؤسسات النظام، من خلال بيروقراطية القطاع العام الفاسد، ورأسمالية "المحاسيب" من أبناء المسؤولين وذويهم.

وقد قاد هؤلاء الوضع في منتصف عقد السبعينيات- بضوء أخضر من السادات- لإفراز قوانين "عشوائية" لـنمط هجين من "الانفتاح الاقتصادي"، الذي وصفه الكاتب القدير الراحل "أحمد بهاء الدين" بـ "انفتاح السداح مداح"، والذي كان من نتائجه المباشرة توسيع القاعدة الطبقية المعادية للاقتصاد المخطط، وللدور الاجتماعي للدولة، وللقطاع العام، ولدعم الطبقات المحدودة الدخل، وللسياسات الإنتاجية الزراعية والصناعية، وللمناهج المستقلة نسبيًا في الاقتصاد والسياسة، والأهم: فسح المجال أمام رشوة قطاعات فاسدة من المجتمع؛ لتكوين قاعدة اجتماعية مُساندة للحاكم الجديد، شعارها مقولة "السادات" الشهيرة: "مَنْ لم يغتنِ في عهدي.. لن يغتني أبدًا"!

... "99%"!

وكان من الطبيعى أنْ تتحمس هذه الطبقة التي أُفرزت وأفرزها نظام "السادات"، للتنصل من الالتزام القومي، بعد أنْ تنصلت من التزاماتها الوطني، فاندفعت باتجاه الارتماء في حُضن السيد الأمريكي، بحجة بائسة، أنَّ "99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا"، ثم وجدت هذه الطبقة في انتفاضة الخبز والحرية يومي 18 و19 يناير 1977، التي أطلق عليها "أنور السادات" كراهيةً وهلعًا: "انتفاضة الحراميّة"، مُسوغًا لارتكاب واحدة من أكبر الجرائم في حق الشعب المصري والفلسطيني والجماهير العربية قاطبة: زيارة القدس ، وتوقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، والانسلاخ عن "القضية المركزية" لشعبنا وأمتنا!

كذلك كان من أكبر جرائم هذا النظام، وتلك الطبقة، لنيل الحظوة الأمريكية، توجيهَ ضربةٍ غادرة ثانية للصديق السوفييتي، بعد الضربة الأولى التي تمَّ فيها "طرد" الخبراء الروس الذين ساعدوا في حماية تراب مصر وسمائها، وفي إعادة بناء الجيش المصرى بعد كارثة 5 يونيو 1967.

وقد تمثّلت الضربة الثانية بالمشاركة الفاجرة في التعبئة الإعلامية والمادية، ضد الوجود العسكري السوفييتي في أفغانستان، حيث تعاون مع قوى الإسلام السياسي والتكفير، في تنظيم عملية ترحيل الآلاف من شباب الجماعات الدينية، الذين ربّاهم النظام الساداتي، وأطلقهم؛ لمواجهة معارضيه من اليساريين، إلى مدينة "بيشاور" على الحدود الباكستانية- الأفغانية، لتلقي التدريب العسكري، على يد خبراء من الـ "C.I.A"، وبتمويل من المملكة السعودية، قبل الزّج بهم إلى أتون المعركة التي رفعت رايات "الجهاد ضد الكفر والإلحاد"، وهي - في حقيقة الأمر- لا تخدم سوى المصالح الأمريكية والصهيونية في المقام الأول!

... و"للديمقراطية أنياب"!

وفي خضم هذه التوجهات المعادية لمصالح عشرات الملايين من أبناء الشعب، ما كان للنظام أنْ يستمر إلّا بتفعيل سياسات "القبضة الحديدية"، واستخدام "أنياب الديمقراطية" الساداتية، ضد منتقدي سياساته ومعارضي توجهاته، وهو النهج الذي قاد إلى اعتقال "مصر" كلها، في 5 سبتمبر 1981، بالحملة الواسعة التي تمَّ اعتقال أكثر من 1500 من قادة المعارضة، ولم يسلم منها شخصيات رفيعة المقام، سياسية وفكرية ودينية وفنيّة.

و.. عزل مصر!

غير أنَّ أخطر ما ترتب على تولي "أنور السادات" زمام الحكم، خلفًا للزعيم "جمال عبد النَّاصر"، كان تحقيق أحد أهم غايات الصهيونية والإمبريالية ومستهدفاتهما المركزية، والقاضية بعزل مصر عن محيطها العضوي، وإخراجها بثقلها البشري والحضاري، ووزنها وقدراتها، من دائرة الصراع المصيرى ضد الهيمنة الصهيونية والأمريكية، وترك الخصم التاريخي، يَعْبَث آمنًا في أرض وسماء الوطن العربي، ويعيث فيهما بطشًا وفسادًا، دون خشية من مواجهة، أو خوف من عقاب. وهكذا، وبعد أنْ أتمَّ "أنور السادات" مهمته المشبوهة في تدمير ما بَنَته تضحيات "الشعب" وجهود "الزعيم"، استيقظت البلاد، في 6 أكتوبر 1981، على رصاصات الجماعات المتطرفة، التي ربّاها "السادات" لمواجهة خصومه، وهي ترديه قتيلًا، مُضرّجًا بالدماء، في زيّه العسكريّ، النازي الطراز، الذي كان يعشق التبختر فيه!!

وكما يقول المثل، فـ "بضدها تتمايز الأضداد"، فأمامنا لوحتان خاطفتان لشخصيتين خطيرتين، جمعت بينهما الحياة، منذ فجر شبابهما، في طريق واحد، في الحياة السياسية والعسكرية المصرية، في أخريات النصف الأول من القرن الماضي التي كانت تموج بالحركة والقلق والنشاط والتوقعات، وتُشغل بالتطلع إلى تغيير يُلبي حاجات الشعب، يطيح بحكم الأقلية الفاسد، ويطرد الاحتلال البريطاني البغيض، ويحرر الإرادة المصرية الأسيرة، ويبني مجتمعًا رغدًا لجموع المواطنين، بعد أنْ اهترأ الواقع، وتفسخت مكونات النظام الحاكم، وتعيَّن تبديله جذريًا.

وحدة المتناقضات!

 لقد اشتركا معًا في إزاحة الحُكم الملكي التابع المهترئ، وتَعَاوَنَا في بناء النظام الجديد، الذي بدأ بشعار: "الاتحاد والنظام والعمل"، وانتهى إلى شعار: الحرية والاشتراكية والوحدة"، وبينهما وَاكَبَا عصرًا من المعارك والملاحم، من الانتصارات والانكسارات، فاز فيها الشعب بقيادة رمز ثورة يوليو، "عبد النَّاصر"، الذي تفردت زعامته، فصار رمزًا للأمة، وراية لنضال المُعذبين في الأرض، وصعد عبرها إلى مصاف الخالدين، مُعبِّرًا عن الضمير الشعبي في مصر والوطن العربي الكبير، والعالم الثالث بأسره.

لوحتان متمايزتان جمعهما التاريخ في لحظة فارقة، فتركا بصماتهما على واقعنا، ولا زالا، غير أنَّ واحدًا منهما صعد إلى ذُرى غير مسبوقة، من السمو والكبرياء، أما الآخر فقاد بلاده ووطنه، والمنطقة بأسرها إلى مصير بائس، لا زالت آثاره السلبية تضرب في أعطافها حتّى الآن!

"مات عظيمٌ هذي الليلة"

يوم رحيل "الزعيم" كانت ليلة ليلاء. صرخ شاعرٌ: "مات عظيمٌ هذي الليلة"*

وكتب "أمير شعراء المقاومة" المصريين، الراحل "أمل دنقل": يهدر:

"لا وقت للبكاء

فالعَلَمُ الذي تُنَكسينَهُ على سرادق العزاءْ

مُنَكَّسٌ في الشاطئ الآخر، والأبناءْ

يستشهدون كي يُقيموه على تَبَّة

العلم المنسوج من حلاوة النصر ومرارة النكبة

خيطًا من الحبِّ، وخيطين من الدماءْ

العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراءْ

ومن مناديل وداعِ الأمَّهات للجنود:

في الشاطئ الآخر.. مُلقى في الثرى

ينهش فيه الدودْ

ينهش فيه الدودُ واليهودْ

فانخلعي من قلبكِ المفئودْ

فها على أبوابك السبعة،

يا طيبَةُ، يا طَيِّبَةُ الأسماءْ

يُقْعَى أبو الهول، وتُقعى أمة الأعداءْ

تشرب من دماء أبنائك قربةً .. قِربة

..  ..  ..  ..  .. "

***

كان لا بُدَّ لمصر ولأمة العرب أنْ تصمدا، وأنْ ترتفعا عن جراح الجسد وآلام الروح، وأنْ تنهضا من  كبوتهما، فكانت لحظة العبور المجيد، الخاطفة، في 6 أكتوبر 1973، قبل أنْ تتآمر على نتائجها تحالف أعداء الوطن والأمة مُجددًا.

لكن المعركة لم تنتهِ بعد، ولم تُحسم نتائجها النهائية حتّى الآن!

وتمر السنون، وتعاودنا ذكرى الرجل الكبير، الذي، كما ذكر الشاعر الكبير "محمد مهدي الجواهري": "كان العظيم المجد والأخطاء"*، "بحضوره الذي برق في تاريخ أمتنا المعاصر كشهاب من ضوء، لمع قبل أنْ يبتعد، مُخلفًا وراءه واقعًا يتردّى، وأمة تئن، وجراح تنزف، وإرادة تقاوم الموت بالإصرار على الصمود، فنتأمل ماضينا وحاضرنا، ونهتف: لا يأس مع الحياة، والغد أفضل!

.......................

*من قصيدة الشاعر "محمد إبراهيم أبو سنّة": "خالدةٌ مصر".

*من قصيدة "أكبرت يومك أنْ يكون رثاء".