أسئلة كثيرة تطرح حول الموقف الروسي من الأزمة السورية.. ولماذا جاءت القوات الروسية إلى المنطقة أصلاً؟!!
وبغض النظر عن خلفيات أصحاب هذه الأسئلة، إلا أنها تتصف غالبًا بالتسرع والرغائبية، والمواقف المحددة مسبقًا، من أطراف الصراع في المنطقة. وتعود هذه الأسئلة للظهور، كلما قام الكيان الصهيوني بعدوان على الأراضي السورية أو استهداف أحد حلفاء سورية القريبين فوق الأراضي السورية، أو قامت القوات الأمريكية بضربة، أو تحركت القوات التركية في الشمال السوري.
في البداية لا بأس من تكرار عبارة؛ بأن روسيا لم تأتِ إلى المنطقة للمساعدة في تحرير فلسطين، ولا حتى الجولان!! فهذه المهام تعيدها روسيا إلى أهلها، وإلى مرجعيات وأطر الأمم المتحدة والقرارات ذات الصلة، وهي تصرح بذلك علنًا.
روسيا حضرت عام ٢٠١٥ بعد دعوتها من قبل القيادة السورية، وفور انتشار قواتها، أعلنت صراحة التزامها بإستراتيجية محددة، تقوم دعائمها على: محاربة الإرهاب، وضمان سيادة الدولة السورية، وضمان وحدة التراب الوطني السوري، وخلق أجواء تسمح بإطلاق حل سياسي للأزمة السورية.
وعملت موسكو بكل جدية وكفاءة لإنجاح مسعاها، وقد حققت بتكتيكها هذا نجاحات هامة، كما وفرت للقيادة السورية كل الإمكانيات والدعم الممكن، ووفرت لدمشق، منصة إسناد على المستوى الدبلوماسي الدولي، وأجهضت لوحدها، أو مع (بكين أحيانًا)، كل المخططات الغربية للنيل من سورية دوليًا، وعلينا أن لا ننسى، بأنها قد دفعت مقابل ذلك أثمان غالية، وما تزال تدفع.
أما تكتيك موسكو (غير المعلن)، فقد جاء من إدراك بأن المعسكر الغربي، لم يكن ليسمح بسهولة، أن تأتي إلى المنطقة قوات روسية هامة، وتنتشر على كل المساحة السورية، (المفعمة بالجيوسياسي) هكذا بكل بساطة، دون استحصال قرارات دولية واضحة، ودون أن يقابل هذا بحضور غربي مماثل!!
ولكن موسكو هيأت لحضورها المسلح إلى سورية بـ؛
* تفاهمات مع أمريكا بالأساس، ثم مع أوروبا، بأن هذا الحضور الروسي المسلح، سيلتزم بالمهام المحددة أعلاه، دون السماح بأن يمس بتوازن الصراع في المنطقة، وقدمت موسكو ضمانات بذلك!
*وضعت إطار تنسيق عسكري "إسرائيلي" روسي ميداني بعدم التعرض لبعضهما بالأذى فوق الأراضي والأجواء السورية.
*عدم السماح لدول المنطقة المتاخمة لسوريا، بأن تعتدي على بعضها البعض، أو تثير نزاعات عنيفة بينها طيلة التواجد الروسي.
*قدمت موسكو ضمانات دولية بأن لا يجير التواجد العسكري الروسي، في إحداث خلل في ميزان القوى بين دول أطراف الصراع العربي الصهيوني!
وروسيا الدولة الناهضة والباحثة عن مكانة متقدمة على الصعيد الدولي، وأمام حراجة الموقف السوري في الميدان (القوات السورية عام ٢٠١٥ كانت تسيطر على حوالي 35% من الأراضي السورية)، تدرك دقة المعادلات الدولية، وحجم الإستهداف الغربي لسورية.. فذهبت مبكرًا في محاولة لتحييد الجارين "المشاغبين" لسورية، ( تركيا و"إسرائيل)؛ حيث ألزمت روسيا نفسها بسقف هذه التفاهمات، كما أن القيادة السورية والإيرانية تفهمتا حيثيات هذا الموقف الروسي بشكل كامل.. استفادت منه، وتعاملت معه على أرض الواقع بشكل فعّال، كما استفاد حزب الله من مساحة هذه التفاهمات، وهو ليس دولة، ولم يخضع للضمانات الروسية الدولية!!
ومن جانبها تعاملت موسكو مع هذه التفاهمات بشكل مدروس، ومتدرج، وكانت تزود القوات السورية بالأسلحة والقدرات الدفاعية بشكل متصاعد، وتدفع تدريجيًا، قواتها على الأرض، وصولًا إلى العمل الميداني المشترك مع حزب الله، وشكلت هذه النقطة تحولًا مفصليًا في طبيعة ومهام القوات الروسية على الأرض.. واستطاع الجيش السوري أن يكون بحجم المراهنة على دوره المركزي.
رغم التفاهمات، حاولت "إسرائيل" أن تبقي ذراعها العدواني فاعلًا، ف دعمت الإرهاب، وبدأت تتذرع بأنها توجه ضرباتها لحزب الله على الأرض السورية، وليس ضد الدولة السورية، وحرصت روسيا، أن لا يعيق ذلك، القوات السورية وحلفائها من التقدم في الميدان وتحقيق إنجازات ميدانية وإستراتجية هامة، دون الالتزام بأي خط أحمر رسم من الخارج.
إنجازات عسكرية سورية هامة تحققت، بمساعدة جوهرية من روسيا وحزب الله وإيران، أعادت لدمشق أمنها السياسي والعسكري، وقطع يد "إسرائيل والملوك والأمراء" في تهديد العاصمة والدولة السورية، في مرحلة أولى، ثم استعادة حلب، ثم بسطت سيطرتها على أكثر من ٨٠% من الأراضي السورية.
أثبتت التقديرات والتفاهمات الروسية مع مختلف الأطراف صوابيتها، وفتحت المجال أمام طرح الحل السياسي بين مختلف الأطراف في آستانة وسوتشي، وعبر هذا الإطار وبمساعدة لصيقة من إيران، تحاول موسكو الآن فكفكة العقدة التركية المستعصية.

