Menu

التيار الناصري في موريتانيا

د. الحسين الشيخ العلوي

خاص بوابة الهدف

مدخل

نشأ التيار الناصري في موريتانيا، في مطلع ستينيات القرن المنصرم، بتأثير من صوت العرب بالقاهرة، والتأثير الكاسح لخطب الزعيم جمال عبد النَّاصر، وتركز طيلة عقد من الزمن في جنوب شرق موريتانيا في المنطقة المعروفة محليًا بالشرق، وكانت مدينة العيون عاصمة الحوض الغربي العاصمة التقليدية للنَّاصرية في موريتانيا، ومنها انتشر التيار في عموم البلاد، وفي أوائل سبعينيات القرن العشرين انتقل ثقل التيار إلى العاصمة نواكشوط، وساعدت حرب رمضان ونتائجها عام 1973 بين العرب والكيان الصهيوني الغاصب، التي أعادت الاعتبار الذاتي للمواطن العربي، وعززت ثقته بجيوشه، على الظهور العلني للتيار النَّاصري، والإفصاح عن نفسه كتيار سياسي علني، بعد أنْ ظلّ ولمدة 13 سنة، تنظيمًا سريًا يعمل في الخفاء.

حتّى منتصف سبعينيات القرن المنصرم ظلّ التيار النَّاصري في موريتانيا، الحاضنة الأبرز للعروبيين في موريتانيا، وثاني أهم حركة سياسية في البلاد بعد الحركة الوطنية الديمقراطية (التيار الشيوعي الموريتاني)، المعروف محليًا بحركة الكادحين، إلا أنَّ ظهور التيار البعثي (الجناح العراقي)، شكّل تنافسًا جديًا عَمِلَ مع مرور الوقت على سحب القواعد الشعبية العروبية من التيار النَّاصري، ومع نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، كانت حركة البعث العربي الاشتراكي الموريتانية الأكثر انتشارًا، وتمكّنت بفضل الدعم العراقي السّخي وآلاف الطلبة الموريتانية الذين درسوا في العراق من اكتساح الساحة العروبية في موريتانيا، ولولا احتضان الزعيم الراحل معمر القذافي للنَّاصريين الموريتانيين ودعمهم؛ لقضت عليهم محن الثمانينيات جرّاء الاعتقالات الواسعة والملاحقات الأمنية لأهم الرموز والكوادر الحزبية للتيار.

المسار التاريخي للتيار النَّاصري الموريتاني

شكّل دخول مجموعة من الرموز التاريخية للناصريين عام 1974 في حزب الشعب (الحزب الحاكم بقيادة المختار ولد داداه)، أول حالة انشقاق في الحزب، سرّعت من إعلان الحزب عن نفسه، واعتبار نفسه في صف المعارضة للنظام المدني الحاكم.

ورغم أنَّ التيار البعثي في موريتانيا اختار الانحياز إلى صف العسكر بعد إجهازهم على النظام المدني صبيحة العاشر من يوليو 1978، الذين أدخلوا البلاد في دوامة الانقلابات العسكرية ولمدة ثلاثة عقود، إلا أنَّ الناصريين آثروا معارضة الانقلابيين وبطرق سلمية. هذا الموقف فتح عليهم حملة اعتقالات واسعة طالت أبرز قياديي التيار ورموزه.

في العام 1983، وأمام رفض الناصريين الانخراط في حركة اللجان الثورية الليبية بدعوة من الزعيم الراحل معمر القذافي، تخلى الأخير عنهم، وتحالف مع الرئيس الموريتاني في ذلك الوقت محمد خونا ولد هيدالة، وبالمقابل نَشِطَ النَّاصريون في قيادة المعارضة، ونجحوا في السيطرة على نقابة العمال الموريتانية طيلة حقبة الثمانينيات، فضلًا عن سيطرة مطلقة على اتحاد الطلبة الموريتانيين، وشكّلوا خطرًا حقيقيًا على النظام العسكري الحاكم، وبلغت ذروة المواجهة بين الطرفين في انتفاضة ربيع 1984 التي أفضت إلى عصيان مدني كاد يشل حركة البلد.

وأدت تلك الانتفاضة إلى الزج بمئات المعتقلين من الأطر والعمال والطلاب والتلاميذ في السجون والمعتقلات، حيث واجهوا مختلف صنوف التعذيب والإيذاء النفسي والبدني؛ أسفرت عن وفاة اثنين من مناضلي الحركة النَّاصرية في موريتانيا، هما: المهندس سيدي محمد ولد لبات، الذي لفظ أنفاسه تحت التعذيب بمعتقله بنواكشوط في 13 أبريل 1984، والطالب أحمد ولد أحمد محمود، الذي توفي هو الآخر تحت التعذيب بمعتقله في أطار (شمال موريتانيا) في 03 مايو 1984, وعمّت المناشير والكتابات على الجدران والإضرابات مختلف أنحاء البلاد، كما أدت تلك الانتفاضة إلى تفكك الطغمة العسكرية الحاكمة، وهو ما قاد لانقلاب 12 ديسمبر 1984؛ بقيادة العقيد معاوية ولد الطايع، الذي سارع بإخلاء السجون والمعتقلات من مناضلي الحركة النَّاصرية في محاولة للحد من السخط الشعبي المتعاظم جرّاء القمع الوحشي الذي واجه به نظام هيدالة تلك الانتفاضة السلمية.

من أبرز نتائج تلك الانتفاضة التي قادها الناصريون؛ إنشاء الجناح العسكري للحركة داخل صفوف الجيش، وعمل نظام ولد الطايع على تعيين قادة التيار النَّاصري في أهم مناصب الدولة، وفي أواخر الثمانينيات من القرن المنصرم، كان الناصريون يسيطرون بالفعل على مفاصل الدولة الموريتانية.

كان من نتائج الأحداث العرقيّة التي عرفتها موريتانيا (1987 – 1990) بُعيد المحاولة الانقلابية التي قادها ضباط من حركة المشعل الإفريقي الموريتانية (ضباط زنوج موريتانيين)، أن قامت الدولة ذات الأغلبية العربية (يشكل الزنوج خمس السكان) على إثرها بحملة اعتقالات واسعة النطاق داخل صفوف الزنوج، ما زالت تداعياتها ترمي بظلالها بين عرب وزنوج موريتانيا حتّى الآن.

تلك الأحداث العرقيّة عملت على تقريب البعثيين من النظام الحاكم، وإبعاد أهم رموز وقادة التيار الناصري الذين رفضوا تأييد ودعم توجهات الدولة الظالمة ضد الزنوج الموريتانيين، ومع مطلع 1991، بدأ شهر العسل بين النظام والبعثيين، ومع توجه الدولة إلى التعددية السياسية، وفتح الباب أمام تكوين وتشكيل الأحزاب السياسية؛ انقسم الناصريون إلى أربع مجموعات، هي:

1.     مجموعة كبيرة من الناصريين (الفئة الغالبة من أعضاء التيار)، عملت على تشكيل حزب سموه التحالف الشعبي التقدمي.

2.     المجموعة الثانية بقيت مع النظام، وكانت من المؤسسين للحزب الجمهوري الحاكم.

3.     مجموعة ثالثة اختارت التوجه إلى المعارضة، وشكّلوا مع الكادحين (الشيوعيين في موريتانيا) حزب اتحاد القوى الديمقراطية صيف 1991، وفي نهاية العام كاد هذا الحزب أنْ يتغلب على الحزب الحاكم في أول انتخابات رئاسية عرفتها البلاد لولا التزوير.

4.     مجموعة رابعة قررت الصمت والابتعاد عن الأضواء، معظمها دبلوماسيين وأساتذة جامعيين.

وفي النصف الثاني من تسعينيات القرن المنصرم، أقام نظام معاوية ولد الطايع، علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني الغاصب، لقيت معارضة شديدة ورفضًا شعبيًا صارمًا، وتزعم الناصريون والإخوان المسلمين حملة شعواء ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب. وفي العام 1998 قرر حزب التحالف الشعبي التقدمي الانضمام إلى حزب اتحاد القوى الديمقراطية.

في عام 2002 خرج الناصريون من حزب اتحاد القوى الديمقراطية.

قاد الجناح العسكري للتيار النَّاصري الموريتاني المُسمى فرسان التغيير ثلاث محاولات انقلابية فاشلة ضد الرئيس معاوية، أولها كانت عام 2000، اُكتشفت أثناء التخطيط لها، والمحاولة الثانية كانت عام 2002، والتي رغم السيطرة على القصر الرئاسي وقيادة الأركان والإذاعة بعد معارك شوارع دامية لمدة يومين، إلا أنَّ الرئيس معاوية تمكن من الهروب من القصر الرئاسي قبل سيطرة فرسان التغيير عليه، مكّنت الرئيس من إعادة لملمة الأمور وقيادة هجوم عسكري مضاد من الشمال بمساعدة لوجستية من فرنسا، أدت إلى سحق الانقلابيين، وعودة الرئيس معاوية إلى العاصمة، والمحاولة الثالثة كانت عام 2004 بتخطيط ومساعدة لوجستية من معمر القذافي اُكتشفت قبل ساعات من التنفيذ، وتمَّ إلقاء القبض على جميع المشتركين باستثناء قائد الانقلاب صالح ولد حننة، الذي هرب إلى ليبيا عبر مالي والنيجر.

بعد الإطاحة بنظام معاوية عام 2005، رجع النَّاصريون إلى الواجهة من جديد، حتّى عام 2009، حيث حلَّ الحزب نفسه، وانخرط منتسبوه في أحزاب أخرى معظمها ذات توجه ديني.

راهنًا لا يمكن القول: إنَّ هناك تيارًا ناصريًا أو حزبًا يتبنى أدبيات كتاب" الميثاق"، في موريتانيا ما تبقى من تركة التيار الناصري هو رموز وقيادات تاريخية للتيار النَّاصري يعيش معظمها مرحلة التقاعد.