Menu

الناصرية في ليبيا

محمد عمر أحمد بن جديرية

خاص بوابة الهدف

استهلال

بدأت التنظيمات القومية في الظهور في ليبيا تزامنًا مع نشأة دولة الاستقلال مطلع خمسينيات القرن المنصرم، وكان أول تلك التنظيمات، حزب البعث العربي الاشتراكي الليبي الذي أعلن عن تأسيسه أواخر يونيو 1951 في كل من بنغازي وطرابلس، أي ستة أشهر قبل إعلان الاستقلال الليبي في الرابع والعشرين من ديسمبر من العام ذاته. وتمكن حزب البعث العربي الاشتراكي الليبي تحت قيادة عمرو طاهر دغايس(1)* من تحقيق انتشار واسع في معظم المدن الليبية في الشمال الشرقي والغربي لليبيا، بناءً على قواعده الشعبية وعدد نوابه في البرلمان الليبي. عُدَّ الحزبُ في الحقبة الملكية ثالثَ الأحزاب السياسية الكبرى في ليبيا بعد حزبي رابطة عمر المختار في الشرق، والحزب الوطني في طرابلس، وعمل التنظيم طيلة السنوات (1959-1964) على استقطاب ضباط من كبار ومتوسطي الرتب في الجيش الليبي، تحضيرًا لانقلاب عسكري في أواخر العام 1964، إلا أنَّ القصر الملكي أحبط تلك المحاولة(2)*، وزجّ بمعظم قادة الصف الأول من العسكريين والمدنيين في السجن، في محاكمات شهيرة تراوحت أحكامها بين ثمانية أشهر إلى سنتين. وعمل قادة الصف الثاني في الحزب، البالغ عددهم 150 عنصرًا، على إعادة تنظيم أنفسهم، واختيار قيادة جديدة مؤقتة، ريثما يخرج قادة الصف الأول من السجن.

تشكّل التنظيم الناصري الليبي أواخر خمسينيات القرن العشرين(3)*داخل صفوف الجيش الليبي، وظلّ انتشارهُ محدودًا في الأوساط الشعبية حتّى العام 1964، وبتأثير من إذاعة صوت العرب بالقاهرة، بدأ التنظيم يحقق الانتشار الشعبي، ولا سيّما في المنطقة الشرقية من ليبيا، وجرت العديد من التنسيقات بين البعثيين والناصرين خلال المدة من 1964 – 1969؛ لتوحيد الجهود وخلق جبهة قومية واحدة، إلا أنَّ ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969، أعلنت عن توجهاتها الناصرية بوضوح من أول وهلة، تمخضت عن إنشاء الاتحاد الاشتراكي العربي الليبي في 11 يونيو 1971، كالواجهة السياسية الوحيدة الشرعية المسموح لها بالعمل في ليبيا.

تأثير الناصرية

تأثّر الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي منذ كان على مقاعد الدراسة بالثورة الناصرية، وزعميها جمال عبد الناصر، والمتتبع لمسار ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا، سيرى أنَّ الفترة الممتدة من 1969 إلى غاية منتصف العام 1977، كانت تقليدًا حرفيًا لمسيرة الثورة الناصرية حدّ التطابق، بل إنَّ أدبيات ثورة الفاتح بما فيها الاتحاد الاشتراكي كانت تجسيدًا لأدبيات الناصرية كما ورد في الميثاق، وظلّ النظام السياسي في ليبيا يعتبر نفسه الوريث الشرعي للثورة الناصرية حتّى سقوطه في العام 2011.

حقبة حركة اللجان الثورية (1977 – 2011)

ومن العام 1977، وفي ظل تراكم التجارب السياسية التي مرَّ بها النظام الجديد في ليبيا، حدثت القطيعة التنظيمية مع الناصرية، حين رأى العقيد القذافي أنَّ حركة اللجان الثورية، تتجاوز الناصرية وتستوعبها، وأنَّ الكتاب الأخضر تجاوز كتاب الميثاق إلى آفاق العالمية.

خلال هذه الحقبة، تمَّ الإبقاء على أبوية الناصرية، والاحتفاء برموزها وتخليد إنجازاتها، وأصبحت ليبيا ملاذًا للناصريين العرب المضطهدين في بلدانهم والمتابعين أمنيًا، إلا أنَّه على المستوى السياسي والفكري، ترى ثورة الفاتح من سبتمبر أنَّها بأطروحات الكتاب الأخضر، تجاوزت المرحلة القومية والإقليمية إلى العالمية، ومن هنا تطلعت القيادة الليبية إلى لعب دور إقليمي ودولي يفوق قدراتها بكل المقاييس، وذلك عبر مفهوم تصدير الثورة الشعبية والنظرية العالمية الثالثة إلى جميع أنحاء العالم، من خلال حركة اللجان الثورية والمثابة العالمية!

العمل القومي في ليبيا بعد أحداث 2011

بمجرد سقوط النظام الليبي في أغسطس 2011، انهارت مؤسسات الدولة بالكامل، وَطَفَت على السطح الدعوات والنزعات ال قطر ية، والدعوة إلى الاهتمام بالداخل الليبي فقط، والتطلع شمالًا لإقامة علاقات مع دول شمال المتوسط، وبرزت مجددًا الدعوات الداعية إلى التخلص من الإرث الإفريقي والعربي، الذي شكّل أبرز توجهات النظام الجماهيري (نظام القذافي) في ليبيا طيلة أربعة عقود من الزمن.

شَكْلُ السقوط المدوي والمريع لنظامٍ سياسي راهنَ عليه القوميون طويلًا، شكَّل صدمةً للقوميين في ليبيا، شلّت قدرة الكثيرين منهم على المراجعة الصحيحة، وفهم المآلات وطبيعة الزلزال الذي عصف بالمنطقة.

مواقف ومقاربة القوميين في ليبيا لأحداث ما يُعرف بالربيع العربي

خَفَتَ صوتُ القوميين الليبيين طيلة العامين 2012- 2013، ثم بدأ يظهر على استحياء مع منتصف العام 2014، بعد التقاط الأنفاس قليلًا من هول الصدمة! وانقسموا إلى ثلاث فئات متباينة وفق مقاربة كل فئة لما حصل، ورغم اختلاف مقاربة ومواقف كل فئة عن الأخرى، إلا أنَّهم أجمعوا على أنَّ ما حصل مؤامرة غربية صهيونية؛ لتقسيم وتفتيت الأمة العربية، وأدواتها قطر، و تركيا ، وحركة الإخوان المسلمين، والموساد!

بعد السقوط المدوي لنظام القذافي، هاجرت معظم الواجهات والشخصيات القومية والقيادية، التي تمكّنت من الفرار، أو نجت من الموت أو الاعتقال بعد حملة التصفيات والاعتقالات لمَن تبقّى منهم في ليبيا. ورغم أنَّ معظم قادة الصف الأول في حركة اللجان الثورية تمكّنت من الفرار خارج ليبيا، استقرّ معظمها في جمهورية مصر العربية، والباقي اختار الإقامة في العواصم الغربية! إلا أنَّ معظمهم آثر الصمت والانكفاء حتّى الآن، بل إنَّ الموقع الإلكتروني لحركة اللجان الثورية(4)* الذي كان يُعَدُّ الموقع الأكثر زيارةً وتصفحًا في ليبيا، بواقع خمسة ملايين في الشهر، توقف تحديثه لِمَا يزيد على خمسة سنوات، ومنذ سنتين تمَّ إعادة فتحه من قبل الحركة الوطنية الشعبية الليبية، التي أنشأها الدكتور مصطفي الزايدي؛ أحد أبرز الوجوه القومية والثورية في ليبيا قبل 2011، والمقيم في القاهرة حاليًا، والذي يحاول أنْ تكون حركته الوريث الشرعي لحركة اللجان الثورية العالمية، لكن المتمعن في أدبياتها وأطروحاتها يلاحظ خلوها من أي توجه قومي، وتجاهل لافت وغير مبرر لقضية العرب المركزية "فلسطين"، التي شكّلت الوجدان القومي العربي، وكانت ولا زالت بوصلة التوجيه للعمل العربي.

تركيز التنظيمات السياسية التي تشكلت بعد العام 2011 من قبل سياسيين ليبيين، كانوا من المحسوبين على التيار القومي في ليبيا؛ على العمل الوطني المتعلق بالأزمة الليبية الراهنة، يرجعه المراقبون إلى ثلاثة عوامل:

1.     خيبة أمل ليبيا من العمل القومي، وإحساس الكثيرين منهم أنَّ العرب تخلوا عنهم في محنتهم!

2.     تعوُد تلك القيادات على العمل وسط إمكانات مادية كبيرة، لذا؛ أدى شح الموارد والإمكانات إلى تقليص مجالات العمل وانحسارها في حيثيات معينة بذاتها ضمن الأزمة الليبية الراهنة.

3.     تشظي الهوية العربية الليبية الجامعة التي كانت تلم الجميع وتجمعهم، وبروز هويات ضيقة ذات بعد إثني ومناطقي!

تغلغل دعاة النيوليبرالية في المشهد العام الليبي

وجد دعاة النيوليبرالية في سقوط النظام السابق، فرصةً ذهبية للبروز والظهور بقوة على ساحة المشهد الليبي، والترويج لدعواتهم التي تتمحور في معظمها حول التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، وأحدث هؤلاء على قلتهم رجة وخضة عميقة للوجدان والمخيال الشعبي الليبي، طيلة الأعوام (2011- 2014)، رغم أنَّ الهالة بدأت تنحسر عنهم منذ صيف العام 2014، إلا أنَّ أثرهم سيظل باقيًا لفترة؛ نظرًا إلى عمق الشرخ الذي أحدثه هؤلاء في البيئة الليبية المحافظة، التي ظلّت ولستة عقود تعادي الكيان الصهيوني، وترى في القضية الفلسطينية قدس الأقداس.

أبرز الشخصيات المطبعة في ليبيا

راهنًا يمكن تصنيف دعاة التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى مجموعتين، هما:

المجموعة الأولى: الشخصيات السياسية التي تتصدر المشهد العام، ولها علاقات وثيقة مع الجماعات والتنظيمات الصهيونية في العالم، لكنها تتحاشى الإفصاح عن تلك العلاقة، أبرز رموز هذه المجموعة:

-      محمود جبريل (عضو المجلس الانتقالي).

-      علي زيدان (رئيس وزراء أسبق في ليبيا).

-      عبد السلام كاجمان (عضو المجلس الرئاسي الحالي).

-      علي العيساوي (عضو المجلس الانتقالي).

-      عبد الرحيم الكيب (أول رئيس وزراء بعد سقوط نظام القذافي).

-      عبد الرحمن السويحلي (الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة).

-      جمعة القماطي (رئيس حزب التغيير الداعم لحكومة الوفاق).

-      سليمان علي دوغة.

-      صدام خليفة حفتر.

ولفيف من الأستاذة الجامعيين، ورجال الأعمال، يتركزون أساسًا في مدينتي طرابلس ومصراته.

المجموعة الثانية: تضم الشخصيات التي تجاهر بولائها للتنظيمات الصهيونية ولا تخفيه، وهذه المجموعة أبرز رموزها:

-      رافائيل لوزون، رئيس منظمة اتحاد يهود ليبيا.

-      عمر القويري، وزير الإعلام والثقافة السابق في الحكومة المؤقتة.

-      عبد الباسط اقطيط، الذي سبق أنْ ترشح لرئاسة الوزراء مرتين في ليبيا في العامين 2012 و2017، وهو متزوج من سارة برونفمان؛ ابنة الملياردير اليهودي إدغار برونفمان؛ الرئيس السابق للمؤتمر اليهودي العالمي.

مقترحات بخصوص العمل القومي في ليبيا في مواجهة التحديات

لا شكَّ أنَّ الزلزال الذي أصاب ليبيا وأدخلها عنوة في لعبة الأمم دون تبصر من ثلة من أبنائها، عاد بالضرر البالغ، على مجمل النشاط الإنساني في ليبيا، وأحدث تصدعات وتشوهات في النسيج الاجتماعي الليبي، عبر انتشار ثقافة الكراهية والأحقاد والتشفي والفجور في الخصومة، تجلّى في حرب أهلية طاحنة، عملت على إعادة إحياء ثارات ونعرات قديمة.

من هنا نرى أنَّ العمل الوطني الليبي لا يتعارض مع العمل القومي، بل هما وجهان لعملة واحدة، يتكاملان مع بعض، دون أنْ يلغي أحدهما الآخر، فسيظل العمل الوطني قاصرًا ومهددًا بالخطر إنْ لم تدعمه روافد قومية مبنية على أسس سليمة، أسس علمية وعملية، فقد كان جلُّ العمل القومي السابق في ليبيا مرتكزًا على العاطفة واستثارتها، وتهييج المشاعر القومية دون عمل مؤسساتي حقيقي.

عليه، وحتّى يكون العملُ القومي فاعلًا ومؤثرًا، وذي مخرجات بعيدة المدى، نوصي بالآتي:

1.     ضرورة فصل العمل القومي عن النظام الرسمي والأجهزة الرسمية للدولة.

2.     يجب أنْ يكون مجال العمل القومي مؤسسات المجتمع المدني، ذات الطبيعية التطوعية، بحيث ينخرط في مجال العمل القومي، الأفرادُ المقتنعون وأصحاب المبادرات الحقيقية، حتّى يتم تجنب أخطاء ما قبل العام 2011، حيث كانت الدولة توفر إمكانات مادية معتبرة لأجهزة العمل القومي في ليبيا، جعل معظم المنتسبين لهذه الأجهزة بمكانة موظفين في أجهزة رسمية، وكان العاملُ المادي أبرز دوافع الانضمام لتلك الأجهزة والهيئات القومية، وليس القناعة أو التطوع.

3.     وضع برامج توعية تطال المناشط الثقافية والفنية والرياضية، وبشكل دوري للتوعية بأهمية العمل القومي، مع التبصير بخطورة التطبيع مع العدو الصهيوني.

4.     التنسيق مع هيئات العمل القومي في الدول العربية الأخرى؛ للعمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك.

الهوامش

(1)* - Geoff Simons: Libya: The Struggle for Survival, St. Martin’s Press, 175 Fifth Avenue, New York,N.Y.10010, Second Edition, 1993, P.166.

(2)* - Wright John: Libya: a Modern History, Taylor & Francis.P.123. ISBN 0-7099-2727-4. First edition,1981.

(3)*-  زيد بن علي الفضيل: أوراق مبعثرة: حركة الناصرين في المملكة الليبية، دار سيبويه للطباعة والنشر الرقمي، القاهرة،2012,

https://books.google.tn/ (4)*-  موقع حركة اللجان الثورية الليبية : https://rcmlibya.wordpress.com/