البعض يأخذ على الكرد، استغلالهم للأزمة السورية مع ارتخاء قبضة الدولة على التراب الوطني، لإعلانهم الانفصال عن الوطن الأم، وإعلانهم للحكم الذاتي.. وهذا بالمجمل صحيح.
وتوزع حاليًا كثيرًا من المنشورات التي تندد بخيانتهم للوطن السوري وارتمائهم بالحضن الأمريكي الصهيوني.. وهذا صحيح أيضًا.
ولكن أن يذهب البعض للتشكيك بأصالة مواطنتهم السورية وكونهم جزء من الشعب السوري بتنوعه وثرائه الديموغرافي، فهذا خطير، علاوة عن كونه مغرض.. ويهدف للإمعان بالتمزق والتشظي في المنطقة، ويصب في صالح تقسيم المقسم، وتبرير التدخل التركي.
المفارقة أن الأخوان الذين كانوا يشيدون بالكرد منذ بدايات الأزمة، ويمتدحون ميولهم الانشقاقية، وعداء قياداتهم للدولة السورية، ويباركون "لأحفاد صلاح الدين"، خروجهم على "بشار"، وتمردهم على "الجيش الذي يقتل شعبه".. نراهم اليوم وقد أخذتهم الحمية المفاجأة على سورية، وعلى أراضي الدولة في الشمال التي لم تعد سورية برأيهم، وانتزعت من الأراضي السورية، وأصبحت "ليست لأحد"، وبالتالي بإمكان تركيا "المسلمة" أن تستبيحها وتردها إلى جادة الصواب!!
الأخوان، وقد ظهروا مؤخرًا بأنهم يختزنون منذ ثماني سنوات، صورًا ووثائق متعددة، تدين تعاون الكرد مع الأمريكان والصهاينة، يخرجونها الآن، لكي يبرروا "مشروعية" تدخل إردوغان في "أرض المشاع" في الشمال السوري، ويلجم الوحشية الكردية!!
فعلا، من العجيب جدًا إجماع الأخوان على تأييد التدخل التركي ومصاحبته في الميدان، بينما الداخل التركي مختلف بشدة على مبدأ هذا التدخل ومشروعيته!!
والمفارقة هنا، بأنهم يريدون تخليصنا من "هذه الجماعة"، التي تعاونت مع الأمريكان والصهيونية، بواسطة جيش دولة تتحالف مع الأمريكان، وتقيم أكبر العلاقات العسكرية والإقتصادية الاستراتيجية مع الصهاينة.. ليس هذا فحسب، فهذه الدولة بالذات هي التي لعبت، وما تزال، الدور الأكبر في إضعاف الوطن السوري، وإدخال مجاميع الإرهاب إلى سورية أمام أعين ميليشيات الأكراد، وبتواطؤ معهم ومع أوليائهم من الأمريكان!!
قيادة قسد، وحماية الشعب الكردي -وليس كل الأكراد- انحرفت، وتآمرت مع المحتل ضد مصلحة الوطن والدولة السورية، ولكن يعود للشعب السوري والحكومة السورية محاسبتها وعقابها، وليس لأي طرف آخر، خاصة من تلك الأطراف التي فاقت الكرد تخريبًا وتدميرًا بحق سورية!!
لم نسمعكم تحتجون أو تظهرون هذا الحرص المستجد، عندما كانت الطائرات الأمريكية تقصف بشدة، كل تحرك عسكري سوري يتوجه شرقاً أو شمالًا، لإعادة المنطقة إلى السيادة الوطنية السورية!!
وبكل الأحوال، فإن الوقت الآن، ليس مناسبًا لإثارة معضلة الهويات الفرعية في بلد يتعرض لمؤامرة تدمير وتقسيم.
أي مراجعات عرقية أو قومية.. ومن هو الأصيل ومن هو الطارئ، ليست سوى لغوصات مغرضة، تحاول ضرب الإطار القومي الجامع، لتوظف لصالح التتريك، والإمعان بالتفتيت..
كما أنه لا يمكننا أن نفهم حدة العدوان الحالي على شمال سورية، بعيدًا عن حقيقة استمرار الهجوم على سورية كاملة، وإدامة معاناتها ومحاولة تركيعها..
هل تسمعون أحدًا يتكلم عن عفرين الآن؟!
صحيح أن قضايا الأقليات القومية في عالمنا العربي، ما زالت تشكل معضلة سياسية وثقافية حتى الآن، وقد تعاملت معها أنظمتنا بتنوعاتها، بكثير من الارتجالية والتهميش والتشكيك، ولكن لا يمكن حل هذه المسألة إلا ضمن دولة ديمقراطية لجميع مواطنينها، وعلى المدى الاستراتيجي، في إطار المشروع النهضوي الديمقراطي العربي الوحدوي..
بانتظار ذلك، فإن الأولوية الآن؛ لتجميع كل القوى الوطنية والشعبية للدفاع عن الأوطان، ودحر الغزاة مهما تعددت ألوانهم وأشكالهم.

