الملخص التنفيذي :-
تهدف الورقة إلى فحص ممكنات توفر بيئة مناسبة للمجتمع المدني في فلسطين للعمل باتجاه تحقيق رسالتها الحقوقية والتنموية ، وإذا كانت هذه البيئة ممكنة أم محبطة ومعرقلة لمسيرته وخطواته .
تستند الورقة إلى أهمية الارتكاز على الإعلانات والمواثيق التي تؤكد ضرورة شراكة منظمات المجتمع المدني مع باقي الأطراف المؤثرة بالعملية التنموية المجسدة بالحكومة والقطاع الخاص كما ينص إعلان بوسان ووثيقة باريس واسطنبول وغيرها من الاعلانات والوثائق والتي تؤكد على أهمية هذه الشراكة باتجاه تمكين الفئات الاجتماعية وزيادة قدراتها وتقويتها وإخراجها من حالة التهميش والافقار .
تعالج الورقة كل من البيئة السياسية والحوكمة والبيئة القانونية وكذلك السياق الاجتماعي والثقافي والسياق الاقتصادي والاجتماعي وتسلط الضوء على تلك المحاور التي تشير إلى أنها معرقلة ومحبطة ومعيقة لدور المجتمع المدني في المسيرة التنموية .
فالبيئة السياسية من حيث الاحتلال والحصار والعدوان والاستيطان والسيطرة على الموارد والفرص غير ممكنة ومعيقة لدور المجتمع المدني بالتنمية كما أن بنية السلطة التي لم تختلف عن أنظمة بلدان ما يسمى بالعالم الثالث من حيث البيرقراطية والنظام المبني على الواسطة والمحسوبية والاعتماد على أهل الولاء والثقة بدلاً من الكفاءة المهنية في اطار من الزبائنية التي تعززها شريحة الكمبرادور المرتكزة إلى بنية إدارية وامنية نافذة ، حيث ادى ذلك إلى استخدام الموقع والنفوذ لتحقيق المنافع والمكتسبات الذاتية وافراز ظاهرة الفساد الأمر الذي دفع السلطة إلى المواجهة مع منظمات المجتمع المدني في محاولة لاقصائها وتهميشها واضعافها أو احتوائها عبر سن العديد من الاجراءات والسياسات واستخدام ماكنة الاعلام التحريضية .
إلا أن الجذور التاريخية للعمل المدني في فلسطين ومصداقيته البارزة احبط تلك المحاولات بل بالعكس فقد حفز تلك المنظمات لمزيد من العمل باتجاه تعزيز رسالتها التنموية والحقوقية والديمقراطية .
وقد كان نتاج صمود منظمات المجتمع المدني انها استطاعت أن تثبت قانون عرف باسم قانون المنظمات الأهلية رقم 1/2000 والذي اصبح ينظم العلاقة بين تلك المنظمات والسلطة في اطار أحقية هذه المنظمات بالاستقلالية مع حق السلطة بالرقابة ، كما حفز المنظمات الأهلية لبلورة وتبني ميثاق شرف وأخر للممارسات تضمن به المنظمات الشفافية والمصداقية والحكم الديمقراطي الرشيد حتى تستطيع ان تلعب الدور المراقب لأداء السلطة والمسائل لها في اطار الدفاع عن مصالح الفئات الاجتماعية الفقيرة والمهشمة .
واشارت الورقة إلى أن الانقسام أدى إلى العديد من الاجراءات القانونية في كل من الضفة والقطاع معيقة ومعرقلة لعمل المنظمات الأهلية والمجتمع المدني بل محجمة وكابحة له .
وتطرقت الورقة كذلك إلى السياق الاجتماعي والثقافي ، عكست من خلاله الجذور الأصيلة والتاريخية للعمل الأهلي والمبنى على فكرة وآليات العمل الطوعي والمشاركة الديمقراطية في صناعة التغيير ، حيث ساهم ذلك بالحد من الدعاية الاعلامية الممارسة من قبل السلطة تجاه اتهام العمل الأهلي ورموزه بالفساد ، حيث عكست استطلاعات الرأي استمرارية الثقة نسبياً بهذه المنظمات وبقطاع المجتمع المدني بصورة عامة ، خاصة إذا أدركنا الدور الذي قامت به هذه المنظمات في محاربة الفساد وفي تعزيز قيم وآليات المسائلة والمحاسبة وبالدفع باتجاه تحقيق الاصلاح والحكم السليم ،وحث الفئات الاجتماعية على المشاركة من اجل التأثير بالسياسات والقوانين لصالحها على قاعدة التنمية من اجل الحقوق .
وفي السياق الاقتصادي و الاجتماعي تطرقت الورقة إلى علاقة التمويل مع المنظمات الأهلية ، وآليات التحكم بمسار ونهج التمويل بحيث اصبح يتحدد بناءً على اجندة المانحين وليس وفق الأولويات ، والاحتياجات المحلية ، وحذرت من سياسة الاحلال والاستبدال التي تقوم بها المنظمات الدولية وتلك التابعة للأمم المتحدة التي أصبحت تنفذ المشاريع مباشرة دون اشراك المنظمات الأهلية المحلية العاملة في ذات القطاع بما يساهم في اضعاف المنظمات المحلية بدلاً من تقويتها وتمكينها .
كما تطرقت الورقة إلى آلية الرقابة على عملية الاعمار في قطاع غزة بعد العدوان الاخير الذي قام به جيش الاحتلال واستمر لمدة 51 يوماً في عام 2014، حيث ان هذه الآلية ادت إلى مأسسة وتشريع الحصار بدلاً من تفكيكه وانهاؤه .
وعليه فإن الورقة تستنج انه وبسبب استمرار الاحتلال وانقسام النظام السياسي وعدم وحدته وتأثيرات المانحين وأجندتهم فإن البنية التي يعمل بها المجتمع المدني غير ممكنة وبحاجة إلى بيئة مناسبة حتى يستطيع المجتمع المدني أن يلعب دوره بالتنمية والبناء .
........
توطئة :-
أكدت العديد من المؤتمرات والوثائق الدولية أهمية الشراكة مع منظمات المجتمع المدني كلاعب أساسي في العملية التنموية وذلك بهدف خلق الأثر الايجابي للمساعدات وتحويلها إلى أفاق تنموية ، تعمل على تمكين الإنسان وزيادة قدراته وتوسيع خياراته وتعزز الأبعاد الإنتاجية الرامية للاعتماد على الذات بدلاً من برامج الاغاثة ذات الطابع الإنساني والتي ترسخ المنهجية الاتكالية والاعتمادية على الآخر .
برز النقاش بصورة واسعة بصدد الشراكة مع منظمات المجتمع المدني في إعلان أكرا في عام 2005 وفي مؤتمر باريس للتنمية عام 2008 والذي تبعه مؤتمر بوسان " كوريا الجنوبية" في عام 2011 والذي اكد بما لا يدع مجالاً للشك بأن المجتمع المدني هو شريك رئيسي للتنمية إلى جانب كل من الحكومة والقطاع الخاص .
تستند مسألة المشاركة على مبادئ انسانية وتنموية وحقوقية وردت في وثيقة اسطنبول عام 2009، التي تؤكد على ان التنمية يجب أن تستند إلى مبادئ حقوق الانسان بما في ذلك اعمال اعلان الحق بالتنمية وعلى قيم المساواة وعدم التمييز المبنية على فكرة المواطنة وكذلك على ضمان مشاركة النوع الاجتماعي " الجندر" في مسارات التنمية وبالاطر الناظمة والمحددة لها .
وإذا افترضنا ان هناك موافقة على أهمية مشاركة المجتمع المدني في مسارات التنمية وفي الاطر المحددة والمسيرة لها ، فإن ذلك يفترض السعي باتجاه توفير بيئة " ممكنة " تساعد المجتمع المدني على تنفيذ اجندته وبرامجه وكذلك تمكنه من الشراكة مع الاطر والمؤسسات الاخرى مثل الحكومة والقطاع الخاص ومجتمع المانحين .
تهدف هذه الدراسة إلى الاضطلاع على واقع منظمات المجتمع المدني في فلسطين بما يشمل البيئة القانونية والتي تأسس علاقتها بالسلطة القائمة مع الأدراك بأن الاحتلال يقف كقوة كابحة للتنمية ومعيق لها ، وفحص مدى مساعدة البيئة القانونية في تمكينه وكذلك علاقته مع الفئات الاجتماعية التي تمثلها وتقدم لها الخدمات، ومدى تأثره بأجندة المانحين وطبيعة هذه العلاقة من حيث التأثير والتأثر ، كل ذلك بهدف الوصول إلى استنتاجات وتوصيات تساعد على تمكين منظمات المجتمع المدني للعمل في بيئة مناسبة تعزز مبادئه وقيمه المبنية على مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان والتنمية الانسانية المستدامة .
البيئة السياسية : -
- نشأت منظمات العمل الاهلي " الحديثة " :- كجزء من نسيج منظمات المجتمع المدني الذي يشكل من كل من الاحزاب السياسية غير المشاركة بالسلطة إلى جانب النقابات العمالية والمهنية ، وذلك إبان الانتفاضة الشعبية الكبرى 87 – 93 في اطار فلسفة التنمية من اجل الصمود واسناد الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة وذلك في اطار الكفاح الوطني في مواجهة الاحتلال علماً بأن تلك المنظمات والتي عملت بالمجالات الزراعية والصحية والمتخصصة المختلفة على طريق المأسسة المهنية كانت قد انبثقت من لجان العمل الطوعي التي تشكلت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي من اجل اسناد ومساعدة المزارعين في موسم قطف الزيتون أو مساعدتهم في المجال الصحي عبر الايام المجانية الطوعية ، وذلك كشكل من اشكال التعبئة والمشاركة الشعبية في مواجهة اجراءات الاستيطان ومصادرة الاراضي ، حيث اصبح المناخ ابان الانتفاضة مهيأ لان تأخذ الطابع المهني والمتخصص والذي تعززت مهنيته بعد تأسيس السلطة الوطنية عام 94 على اثر توقيع اتفاق اوسلو الامر الذي ادى إلى انتشار العديد من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجالات مختلفة مثل " الزراعة ، الصحة ، العمال ، الشباب، الديمقراطية ، حقوق الانسان ، المرأة ، اصحاب الاحتياجات الخاصة ... إلخ " ، ابرز المنظمات التي تأسست وانتشرت في تلك الفترة كانت مؤمنة بالخيار الديمقراطي و الحقوقي والتنموي المستدام وبقيت العديد من المؤسسات المرتبطة بحركات الإسلام السياسي كانت تركز على الطابع الخيري والاغاثي والإنساني والتعبوي " الخاص " ، أما المؤسسات التي كانت ترعاها حركة فتح فقد اندمجت معظمها في مكونات السلطة[2].
- الحوكمة : -
غابت عن بيئة النظام السياسي الفلسطيني اسس الحوكمة الرشيدة التي تستند إلى سيادة القانون والفصل بين السلطات مما أبرز بصورة واضحة مظاهر الفساد وهدر المال العام والتداخل بالصلاحيات وسيطرة السلطة على بعض المرافق الحكومية لصالح اصحاب النفوذ في ظل سيطرة السلطة التنفيذية على كل من السلطتين التشريعية والقضائية الأمر الذي عطل من آليات الرقابة والمسائلة وبهت من اسس العدالة القانونية .
- المجتمع المدني والاصلاح :-
حاولت منظمات المجتمع المدني منذ تأسيس السلطة اثارة موضوعة الاصلاح في بنية النظام السياسي ، وعلى قاعدة تضمن تطبيق مبدأ سياسة القانون ووضع الانسان المناسب بالمكان المناسب وضمان الفرص العادلة والمتكافئة للجميع بما في ذلك تبوء الوظائف العمومية، بعيداً عن الزبائنية والمحاصصة وعلى قاعدة الكفاءة وفي اطار نظام سياسي ديمقراطي مبنى على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء تحترم به الحريات العامة بما يشمل الحق بالرأي والتعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات والمشاركة السياسية والنقابية ، وفق اسس المواطنة المتساوية والمتكافئة ، التي تعتبر ان الجميع امام القانون سواءً بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو اللغة أو الاصل الاجتماعي، علماً بأن هذه الأسس واردة ايضاً في إعلان الاستقلال 88 .
تصاعد خطاب منظمات المجتمع المدني تجاه الإصلاح على ضوء تقرير الفساد الصادر عن المجلس التشريعي والذي اشار للعديد من الملاحظات والتي أبرزت طبيعة النظام الغنائمي والزبائني اسوة بالعديد من الأنظمة العربية هذا النظام المبنى على تحقيق الثروة عبر النفوذ السياسي والمستند إلى العلاقات الذاتية والفردية مع رأس النظام كوسيلة لتحقيق المصالح والأهداف الذاتية إلى جانب التداخل بين السلطات واستمرارية سيطرة السلطة التنفيذية على السلطات الاخرى وفي المقدمة منها سلطة القضاء وكذلك التداخل بين الحزب السياسي الحاكم وبين السلطة بما يمكن افراد الحزب من تحقيق الامتيازات على حساب باقي المواطنين وبما يلغي مبدأ التكافؤ بالفرص[3] .
استغلت دولة الاحتلال والمجتمع الدولي حالة " الفساد " وغياب آليات الاصلاح التي تضعف من فرص تحقيق " الإدارة الرشيدة " وبدأت تضغط على راس النظام السياسي باتجاه تحقيق آليات عملية للاصلاح ، خاصة بعد فشل قمة كامب ديفيد2000 واتهام قيادة السلطة من قبل الولايات المتحدة بأنها من يتحمل مسؤولية فشل القمة ، حيث أرادت دولة الاحتلال ابراز أن سبب عدم الاستقرار والتوتر يكمن بغياب الاصلاح الإداري والمالي لدى السلطة بدلاً من أن يكون استمرار الاحتلال لفترة زمنية طويلة بما يحرم الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير والسيادة الوطنية والعودة والسيطرة على الموارد والمصادر الطبيعية وبما يشمل حرية الحركة للبضائع والافراد .
وعليه فقد كان هدف المجتمع المدني من وراء الاصلاح يكمن في بناء نظام سياسي فلسطيني ديمقراطي تعددي وشفاف كوسيلة تمكين وتقوية تقرب الشعب الفلسطيني من هدف التحرر ويعطي نموذجاً بالعدالة والحرية بينما كان هدف اسرائيل وبعض الأوساط من المجتمع الدولي استغلال مسألة غياب الاصلاح لتحقيق تحولات في بنية النظام تساهم في اضعاف الرئيس الراحل ياسر عرفات عبر استحداث منصب رئيس وزراء يأخذ من الرئيس بعض الصلاحيات [4].
لقد تم تعديل القانون الاساسي الفلسطيني في عام 2003 ، بما يشمل استهداف منصب رئيس وزراء، كما جرى الضغط على الرئيس الراحل ياسر عرفات بتعيين وزيراً للمالية بصلاحيات كاملة اضافة إلى وزيراً للداخلية والأمن بذات الصلاحيات الكاملة ايضاً، كما تم اعتماد قانون استقلال القضاء الذي يضمن جهازاً قضائياً عادلاً ونزيهاً ومستقلاً ، غير مهيمن عليه من قبل السلطة التنفيذية .
د. انكشاف السلطة واعتماديتها :-
تكمن الغرابة في تجاهل مطالب منظمات المجتمع المدني تجاه اعتماد كل من القانون الاساسي وقانون استقلال القضاء حيث كانت تطالب هذه المنظمات بذلك منذ الانتخابات النيابية العامة الأولى التي جرت في يناير /1996 بينما تم الاستجابة من قبل السلطة التنفيذية لهذين المطلبين كنتيجة لضغوطات المجتمع الدولي الذي حذر توقف الدعم المالي للسلطة إذا لم تقم باعتماد هذين القانونين ، الأمر الذي يكشف مدى هشاشة وانكشاف السلطة الفلسطينية أمام المجتمع الدولي وتأثرها بقرارات المانحين ، كما يكشف عدم نضج المجتمع الفلسطيني بصورة كافية نتيجة عوامل موضوعية وذاتية بما يضمن تنفيذ آليات داخلية تساهم في علاج الاختلالات وتصويب المسار وذلك على طريق السير باتجاه تحقيق مجتمع مدني وديمقراطي ، حيث لم تكن آليات المجتمع المدني كافية بحيث تستطيع التأثير القوى على صناع القرار ، بالوقت الذي برزت بها طبيعة سلطة اعتمادية على أموال المانحين بما لا يمكنها من صد الضغوطات الخارجية إذا تم التلويح بتجميد أو وقف التمويل منها خاصة إذا ادركنا حجم التضخم الوظيفي الناتج عن بناء نظام بيروقراطي ضخم تابع للسلطة يعتمد بنسبة كبيرة جداً لتغطية نفقاته على اموال المانحين، حيث تعدى عدد موظفي السلطة اكثر من 120 الف في ذلك الوقت " 2003 " بالوقت الذي كان قبل تأسيس السلطة لا يتجاوز 18 ألف في كل من الضفة والقطاع [5].
ه. مشاركة مجتمعية لمشروع الاصلاح : -
لقد شارك ممثلين عن منظمات المجتمع المدني في لجنة الإصلاح الحكومية عام 2003 والتي صاغت خطة " المئة يوم " والتي تضمنت تعديل قانون الانتخابات ليصبح قائما على المناصفة بين الدوائر والتمثيل النسبي ، وذلك بدلاً من القانون السابق الذي كان قائماً على الدوائر فقط لتنفيذ آليات محددة باتجاه الاصلاح ، إلا أن هذه الخطة لم تترجم بسبب صعوبة تطبيقها الناتج عن انشاء نظام بيروقراطي " زبائني" مبنى على المصالح الفئوية والذاتية ، كما أن تداعيات نشوء الانتفاضة الثانية في عام 2000 ، قد قلص الاهتمام بالجبهة الداخلية بما في ذلك عمليات الاصلاح إلى جانب التطورات الحادة التي مر بها النظام السياسي الفلسطيني ومنها وفاة الزعيم الراحل ياسر عرفات واجراء الانتخابات النيابية التي تمت في يناير / 2006 والتي افضت إلى فوز حركة حماس بصورة كاسحة إلى جانب الانقسام الذي حدث في منتصف حزيران /2007 نتيجة عدة عوامل ابرزها غياب ثقافة التداول السلمي للسلطة وعدم الاتفاق على عقد اجتماعي يمنع الحزب الحاكم من الاستئثار بالحكم وتغير هويته أي يستند إلى دستور مبنى على مبادئ المواطنة والديمقراطية والمساواة .
ساد بالفترة ما بين 2000 -2006 نشاطاً ملحوظاً لمنظمات العمل الاهلي بما يتعلق بآليات الضغط والتأثير على التشريعات والسياسات وتم تنظيم العديد من الفاعليات التي لها علاقة بحقوق ومصالح العمال والمزارعين ، المرأة ، الشباب ، اصحاب الاحتياجات الخاصة .. .. إلخ سواءً عبر ورش العمل أو اللقاءات مع اللجان المختصة بالمجلس التشريعي أو الوزارات أو عبر تنظيم العرائض والوقفات الاحتجاجية والتضامنية أو عبر المسيرات وذلك بهدف انتزاع العديد من القرارات والسياسات الرامية لحماية الفئات الاجتماعية المهمشة وكذلك ترسيخ مساحة الحرية والديمقراطية بالمجتمع .
واضح ان تراكم خبرة منظمات العمل الاهلي لعب دوراً أساسياً في هذا المجال إلى جانب تزايد المطالب باتجاه الاصلاح بما يضمن تصويب الاختلالات الإدارية والمالية في بنية النظام السياسي الفلسطيني بالاضافة إلى فشل سياسات الاحتواء والهيمنة والترهيب والتي سبق ومورست بحق بعض المنظمات الأهلية والتي لم تحقق أهدافها بقدر ما ساهمت في اصرار منظمات العمل الاهلي للسير قدماً باتجاه تحقيق برامجها التي يكفلها القانون الاساسي الفلسطيني ، خاصة إذا أدركنا خصوصية العمل الاهلي في فلسطين والذي سبق تكوين السلطة عام 94 والذي لعب دوراً هاماً في تحقيق التنمية من أجل الصمود .
إضافة إلى الاحتلال وممارساته الاستيطانية والعسكرية وإجراءاته القمعية بحق المنظمات الأهلية خاصة العاملة ب القدس وعملية الفصل التعسفي بين قطاع غزة والضفة الغربية الأمر الذي قوض من بلورة عوامل عاملة على تحديد اسس مشتركة لقيام المجتمع المدني الفلسطيني الموحد ، رغم حرص هذه القوى على تكوين هوية ورؤية موحدة ومشتركة في مواجهة الاحتلال باتجاه تأسيس مجتمع مدني وديمقراطي ، فإن الانقسام السياسي والجغرافي كان له بالغ الاثر السلبي على المجتمع المدني الفلسطيني .
و. المجتمع المدني والانقسام :-
أسوأ ما افرزه الانقسام وجود آليات لنظام استبدادي في كل من قطاع غزة والضفة الغربية ، حيث وعلى اثر احداث حزيران / 2007 تم إدارة قطاع غزة من قبل حكومة حركة حماس دون مشاركة اياً من القوى السياسية الاخرى بها ، كما تم إدارة حكومة الضفة الغربية من حركة فتح رغم أن رئيس الحكومة كان د. سلام فياض المصنف على المستقلين والمهنيين .
إتخذت الحكومتين في كل من القطاع والضفة سلسلة من القرارات التي تسوغ السيطرة على منظمات المجتمع المدني سواءً النقابات أو المؤسسات الاهلية ، وكذلك تجاه الاحزاب السياسية الغير متحالفة مع الطرف المسيطر على الحكومة .
سادت أجواء من غياب الحرية بالعمل السياسي والنقابي إلى جانب القيود الشديدة على مؤسسات العمل الأهلي فلم يتم السماح لحركة فتح بتنظيم احتفالات انطلاقتها أو احياء ذكرى وفاة الشهيد ياسر عرفات باستثناء مرة أو مرتين وفي اطار من الرقابة الشديدة ، وبالمقابل لم يتم السماح لحركة حماس بالعمل السياسي بما يشمل عدم السماح باحياء ذكرى انطلاقتها ، وقد تم اغلاق العديد من الجمعيات الاهلية والنقابات والأطر التابعة لحركة حماس وأحياناً الجهاد الاسلامي بالضفة الغربية ، بالوقت الذى جرى السيطرة على مؤسسات ونقابات حركة فتح بالقطاع ، تحت ذرائع وحجج ومبررات مختلفة ، كما تم استحداث إجراءات تجاه الحق بالتجمع السلمي المكفول بالقانون الأساسي حيث تم قمع العديد من التجمعات في كل من القطاع والضفة ، حتى لو كانت ذات طبيعة مطلبية ، فقد جرى قمع اعتصام منظم من قبل الجبهة الشعبية يطالب حكومة حماس بالتدخل الفوري لمعالجة مشكلة الكهرباء التي تنقطع لساعات طويلة بوصفها الجهة الرسمية المسؤولة عن القطاع ، كما جرى قمع اعتصامات في رام الله تطالب بوقف التنسيق الأمني أو احتجاجاً على رفع الاسعار والغلاء رغم انها كانت منظمة من فصائل م. ت.ف [6].
وعندما ضاق الشباب ذرعاً بالانقسام وبدأت رياح " الربيع العربي " تهب على فلسطين قررت مجموعات مختلفة من الشباب تنظيم اعتصام مفتوح في كل من غزة ورام الله تحت شعار " الشعب يريد انهاء الانقسام " أسوة بشعارات الشارع العربي التي نظمت تحت شعار " الشعب يريد اسقاط النظام " حيث تتميز الحالة الفلسطينية بالاستثنائية من حيث غياب وجود نظام سياسي فلسطيني موحد اضافة إلى غياب مقومات الاستقلال الوطني بسبب استمرار الاحتلال ، حيث أن الوحدة تتقدم على الاصلاح ، إلا أن حكومتي كل من فتح وحماس بالضفة والقطاع استطاعت افشال هذا الجهد عبر السيطرة عليه وعبر سياسة العصا والجزرة ، من حيث ترهيب العناصر الطليعية من الشباب أو اغرائها بالمواقع والامتيازات والتسهيلات [7].
البيئة القانونية والتنظيمية :-
قامت المنظمات ذات التوجه الديمقراطي عام 94 بتشكيل شبكة المنظمات الاهلية الفلسطينية حيث تكونت الشبكة من العديد من المنظمات ذات التوجه الديمقراطي منادية بضرورة تحقيق مجتمع مدني وديمقراطي تسوده أسس سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وتصان به الحريات ومبادئ حقوق الانسان كل ذلك في اطار مجتمع متحرر من الاحتلال يضمن به حق شعبنا في تقرير المصير والعودة تنفيذاً للقانون الدولي بما يمكن شعبنا من تحقيق السيادة على الارض والموارد والحدود .
كانت المفاهيم المذكورة في رؤية الشبكة انعكاساً لادراكها لطبيعة المرحلة الجديدة التي يمر بها الشعب الفلسطيني عبر تشكيل السلطة الوطنية والتي كان يعتقد انها ستتحول إلى دولة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في 4/5/99 ، الامر الذي دفع الشبكة إلى تشخيصها للمرحلة السياسية التي نشأت بعد عام 94" البيئة القانونية " بما انها مرحلة تتداخل بها المهمات الوطنية " التحرر " مع المهمات الاجتماعية " الديمقراطية " .
تصدت منظمات المجتمع المدني ومنها الشبكة ومنظمات حقوق الانسان للعديد من الاجراءات المقيدة للحريات ووقفت في مواجهة محكمة امن الدولة على طريق إلغائها وكذلك في مواجهة الاعتقال السياسي والحد من حرية تكوين الجمعيات والحق بالتجمع السلمي والراي والتعبير وشكلت مجموعات ضغط وتأثير من اجل اعتماد سياسات وقوانين منصفة لصالح الفقراء والمهمشين في سياق فكرة الحماية الاجتماعية بدلاً من الاعتماد على آليات السوق فقط [8].
كما عملت على اعداد قانون ينظم العلاقة ما بين السلطة وبين المنظمات الأهلية خاصة بعد تزايد حدة الرقابة على عمل المنظمات من أكثر من جهة مدنية وأمنية إلى جانب الاتهامات الاعلامية بحقها التي وصفتها بأنها تتلقى تمويل أجنبي و تحمل أجندة خارجية ، علماً بأن تمويل السلطة بالكامل هو من المانحين " الاجانب " حيث تم بلورة آلية اتصال دائم بين المانحين والسلطة [9].
لقد استطاعت الشبكة العمل على وضع حد للاحتقان والتوتر بالعلاقة بين السلطة والمنظمات الأهلية عبر الضغط لإقرار قانون ينظم العلاقة بينهما حيث تم اعتماد هذا القانون بالمجلس التشريعي في عام 2000 ، وقد سمى قانون الجمعيات والهيئات الأهلية رقم 1/2000 .
استندت فلسفة القانون إلى محورين :-
- استقلالية العمل الأهلي ، بمعنى خضوع المؤسسة غير الحكومية إلى مرجعيتها من مجلس إدارة وجمعية عامة وأنظمة داخلية وعدم إلحاقها بأي من الوزارات المحددة .
- حق السلطة بالرقابة من جهة واحدة حيث صادق المجلس التشريعي على ان تكون وزارة الداخلية هي جهة التسجيل وأن تكون الوزارة المختصة هي جهة الرقابة والتنسيق والتكامل .
اعتبرت الشبكة أن ما حدث كان انجازاً وضع حد لعمليات التدخل والرقابة غير البناءة " الثقيلة" و المعرقلة لعمل المنظمات الأهلية ، رغم ما اعترى هذا القانون العديد من الثغرات والنواقص أبرزها ان عملية التسجيل تتم بوزارة الداخلية ، حيث كان مطلب الشبكة بأن تكون وزارة العدل هي جهة التسجيل بوصفها أقرب للمفاهيم المدنية ولمبدأ سيادة القانون ، كما تحفظت على العديد من المواد والبنود أبرزها أن عملية التسجيل تأخذ 60 يوماً يتم الرد من خلالها من الوزارة وإذا لم يتم تعتبر المنظمة مسجلة ، علماً بأن الشبكة كانت تطالب باعتماد نظام الإيداع ثم العمل مباشرة بعدها دون انتظار مدة الشهريين ،أي بعد وضع أوراق الإيداع مباشرة كما اعترضت الشبكة على قرار حل الجمعية الذي منح الصلاحيات لوزير الداخلية بدلاً من أن يكون عبر قرار قضائي [10].
اعتمد مجلس الوزراء عام 2003 لائحة تنفيذية منبثقة عن قانون الجمعيات رقم 1/2000 ، وقد تضمنت اللائحة صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية بما قلص نسبياً من هامش الاستقلالية للمنظمات الأهلية ، حيث تم التأكيد على زيادة صلاحية وزارة الداخلية وكذلك الوزارات المختصة في مجال الرقابة والمسائلة، كما برزت بعد النماذج التي تفترض قيام الراغبين بالتسجيل بالحصول على شهادة " حسن سير وسلوك " أو ما تم تسميته " بالسلامة الأمنية " كشرط للتسجيل الأمر الذي رفضته منظمات المجتمع المدني .
رغم الملاحظات العديدة على القانون واللائحة التنفيذية إلا أن الشبكة اعتبرت وجودهما افضل من العمل في بيئة غير محددة بمرجعية قانونية ، بما يخضع العمل للمزاجية ويصبح عرضة للتقلبات السياسية أو الشخصية.
- القانون الدولي بين التبني والممارسة :-
ويذكر ان القانون الاساسي الفلسطيني والذي يعتبر " الدستور المؤقت " والذي تم اعتماده عام 2003 كان قد استند في دبياجيته ومقدمته إلى الشرعة الدولية لحقوق الانسان كما تضمن العديد من الحقوق المكفولة أبرزها الحق في تشكيل الجمعيات ، كما تضمن القانون مبدأ استقلالية العمل الأهلي ، إلا أن الممارسة ابرزت ان السلطة التنفيذية تستطيع تفسير القانون بالكيفية التي تريدها الأمر الذي يمكنها من استهداف بعض المؤسسات الاهلية على خلفية المضمون السياسية أو الشخصي أو لاي سبب من الأسباب ، كل ذلك في ظل غياب مبدأ استقلال القضاء الذي يتبع السلطة التنفيذية ، وذلك رغم اقرار المجلس التشريعي لقانون استقلال القضاء في عام 2003 ايضاً .
ب . الانقسام والمؤسسات الأهلية :-
أقدمت حكومة د. سلام فياض بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة على اتخاذ سلسلة من الاجراءات والسياسات التي ساهمت بتحجيم عمل المؤسسات الخيرية والاهلية الفاعلة لحركة حماس وأحياناً المؤسسات التابعة لحركة الجهاد الاسلامي ايضاً، حيث تم استصدار قرار بفعل القانون من الرئيس محمود عباس يطلب من الجمعيات جميعها المسجلة وفق قانون الجمعيات الأهلية رقم 1/2000 ، باعادة التسجيل مرة اخرى ، وذلك بهدف عدم السماح للجمعيات المنافسة " حماس والجهاد " من التسجيل مرة جديدة ، كما تم اغلاق حوالي 102 جمعية تابعة للحركتين تحت مبررات مختلفة ، إلا أنها لم تكن سوى ذرائع للسيطرة على تلك الجمعيات، وبالمقابل قامت حركة حماس مستغلة حادث تفجير بعض اعضاء من كتائب القسام على شاطئ بحر غزة في صيف عام 2008 وأغلقت حوالي 120 جمعية تابعة لحركة فتح وبعض الجمعيات التابعة للمستقلين ايضاً ، وذلك عبر مداهمة مقرات تلك الجمعيات ومصادرة ممتلكاتها .
قامت منظمات حقوق الانسان وشبكة المنظمات الأهلية بتعزيز التنسيق بينهما وشكلت غرفة عمليات ولجان موحدة لمواجهة هذه الانتهاكات ، حيث تم رفع قضية بالمحكمة العليا بالضفة الغربية ، تطالب بإلغاء قرار إعادة التسجيل المسيس وكذلك إعادة افتتاح الجمعيات الأهلية المغلقة، كما قام وفد بالاتصال مع الشخصيات النافذة والمؤثرة في حكومة حماس وأبرزهم وزير الداخلية للمطالبة بإعادة افتتاح الجمعيات الأهلية التي تم إغلاقها على خلفية حادث الشاطئ وتسليم محتوياتها إلى اصحابها [11].
استطاعت منظمات المجتمع المدني نسبياً من إثارة القضية بالرأي العام وذلك عبر الاتصال والمتابعة وصياغة أوراق ومواقف وبيانات استنكارية واضحة ، كما استطاعت تكتيل القوى السياسية التي تقع ما بين حركتي فتح وحماس للانتصار لصالح الحق في تكوين الجمعيات وعدم استغلال الثغرات بالقانون وباللائحة التنفيذية للسيطرة على الجمعية الاهلية المحددة [12].
الملاحظ بأن عملية السيطرة والتحجيم للمؤسسات الاهلية وللحالة الديمقراطية والمدنية بصورة عامة كانت تتم بصورة ممأسسة ومنهجية ، حيث أقدمت حركة حماس على استثمار سيطرتها على المجلس التشريعي عبر كتلة الاصلاح والتغيير التابعة لها ، وقامت بسن سلسلة من التشريعات والقوانين التي تجيز لها اتخاذ الاجراءات الكفيلة بالسيطرة على الجمعيات واضعاف مبدأ استقلاليتها ، كما أقدم الرئيس محمود عباس على اتخاذ سلسلة من القرارات بفعل القانون تحت ذريعة تعطيل عمل المجلس التشريعي الذي لم يكن يعمل إلا عبر كتلة الاصلاح والتغيير دون مشاركة الكتل البرلمانية الاخرى [13].
ويذكر أن هذه المسألة أصبحت تمس حالة الحريات والديمقراطية بصورة عامة ولا تمس فقط حرية العمل الأهلي بل أصبحت تمس حرية العمل النقابي والسياسي وكذلك أصبحت تؤثر على تفاصيل الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تسير وفق رؤيتين مختلفتين لكل من غزة والضفة بصورة منفصلة.
حيث اقدم الرئيس منذ الانقسام إلى الآن على اصدار حوالي 70 قرار بقانون وأقدمت حركة حماس على اصدار حوالي 45 قانون .
علماً بأن قرارات الرئيس كانت تتم دون مصادقة المجلس التشريعي ، كما أن قوانين حركة حماس كانت تتم دون مشاركة الكتل البرلمانية الاخرى ودون مصادقة الرئيس ، في مخالفة واضحة من الطرفين للقانون الأساسي الفلسطيني بوصفه " الدستور المؤقت " [14].
قامت وزارة الداخلية في غزة بسلسلة من الاجراءات التي هدفت إلى اضعاف مبدأ استقلالية العمل الاهلي أبرزها أجراء تعديلات على اللائحة التنفيذية وفق المادة 47 مكرر، حيث تم تعديله بحيث تصبح المرجعية التنسيقية والرقابية للمؤسسة الاهلية المحددة وزارة الداخلية ، بالوقت الذي كان ينص القانون واللائحة التنفيذية على أن التسجيل يتم " بالداخلية " ولكن مرجعية التنسيق من أجل الرقابة والتكامل بالعمل المهني بالقطاع المحدد " الصحة ، الزراعة ، الشباب ... إلخ" تتم وفق وزارة الاختصاص ، بمعنى أنه تم مصادرة صلاحيات وزارة الاختصاص لصالح وزارة الداخلية ، إلى جانب قيام وزير الداخلية باصدار قرار 2010/48 والذي يمنع من خلاله الموظفين المندرجين في اطار الوظيفة العمومية " الحكومة " أي المسجلين على كادر حكومة رام الله ومعظمهم من حركة فتح من التطوع في الجمعيات العامة ومجالس إدارة الجمعيات الاهلية ، دون أن يشمل ذلك موظفي حكومة حماس الأمر الذي ينطوي على تمييز ، كما يحد من مفهوم العمل الطوعي الذي نشأت على خلفيته المنظمات الأهلية ويعتبر مكوناً رئيسياً من مكوناتها ، علماً بأن هذا القرار يخالف القانون الفلسطيني الذي يكفل ويشجع العمل الطوعي ، مع العلم أن قانون العمل يحظر العمل بأجر لموظفي " الوظيفة العمومية " وليس حظر العمل الطوعي ، خاصة إذا أدركنا ان هذا القرار أدى إلى حرمان حوالي 70 ألف موظف مدرجين على كادر حكومة رام الله من تزويد خبراتهم لصالح المؤسسات الأهلية وبصورة طوعية ويذكر أن هؤلاء الموظفين كانوا قد أجبروا على الجلوس بالمنازل وعدم ممارسات أعمالهم بالوظيفة العمومية بناءً على قرار الرئيس محمود عباس وذلك بعد قيام حماس في منتصف عام 2007 بالسيطرة على قطاع غزة ، وعليه فقد أسمتهم حماس " بالمستنكفين " [15].
كما قامت وزارة الداخلية في غزة بإجراءات من الرقابة الشديدة وليس الحميدة على المؤسسات الأهلية المنافسة أي التي لا تندرج في اطار الرؤية السياسية لحركة حماس ، وذلك بهدف البحث عن الفجوات والثغرات الإدارية أو الفنية للنفاذ منها من أجل السيطرة على الجمعية المحددة ، علماً بأن القانون واللائحة التنفيذية يوجد بها العديد من الفجوات التي يمكن استغلالها لاعادة السيطرة على الجمعية المعنية ، فمثلاً تم استغلال شروط العضوية الفضفاضة بالنظام الداخلي للجمعيات المستمد من اللائحة التنفيذية والذي ينص على حق أي فلسطيني يبلغ من العمر 18 عام ولم يرتكب مخالفة قضائية من العضوية بالجمعية العامة .
لقد استفادت حركة حماس من هذه المادة الفضفاضة وقامت باجبار جمعية أصدقاء المريض والتي كانت تعود إدارتها لحركة فتح وطلبت أن يتم اصدار اعلان بالصحف للعضوية استعداداً للانتخابات ، وعندما تم ذلك قامت الحركة بحث اعضائها على العضوية بحيث اصبحوا بسهولة يستطيعوا عبر " الانتخابات " من حسم نتائجها لصالحهم الأمر الذي أدى إلى تحويل مجلس الإدارة وبالتالي المؤسسة لصالح حركة حماس بدلاً من فتح .
كما قامت حكومة حماس في غزة باستهداف بعض المنظمات ذات الاهتمام بالشباب والمبنية على الرؤية المدنية والتنويرية ، والمثال الابرز على ذلك يكمن في مؤسسة شارك الشبابية ، التي كان لها دوراً كبيراً بالعمل مع الشباب عبر برامج التدريب وبناء القدرات والمخيمات الصيفية اضافة إلى احتضان المبادرات والطاقات الشبابية الفنية والمعرفية والثقافية ، الأمر الذي ازعج حكومة حماس وخاصة فيما يتعلق بنشاط المؤسسة في مجال المخيمات الصيفية التي أصبحت تنافس مؤسسات حركة حماس عبر هذا النشاط علماً بأن الحركة تهتم جداً بهذا الموضوع والذي يندرج في اطار فلسفتها الفكرية المبنية على تنشأة الجيل وتزويده بالمعارف والرؤى والأفكار المنسجمة مع رؤية حماس الفكرية والعقائدية .
لقد أقدمت وزارة الداخلية على حل جمعية شارك متذرعة بحجج مختلفة وعندما قام نشطاء المجتمع المدني بمحاولة التأثير على أعضاء المجلس التشريعي من كتلة الإصلاح والتغيير لم يتم الاستجابة لهم بما يكشف عن الطابع الايديولوجي وراء القرار، وخاصة مع اصرار المحكمة على تأييد قرار وزير الداخلية عندما قامت منظمات حقوق الانسان مطالبة اياها برفض قرار وزير الداخلية دون جدوى ، الأمر الذي يكشف عن غياب استقلالية جهاز القضاء[16].
لقد جرت ذات التجاوزات والانتهاكات بحق الجمعيات الأهلية التابعة لتيار الاسلام السياسي بالضفة الغربية وخاصة حركة حماس وبدرجة اقل حركة الجهاد الاسلامي ، فبالإضافة إلى آلية التنسيق الأمني بين حكومة الضفة الغربية وبين اسرائيل كأحد اشتراطات اتفاق اوسلو والذي تعمق بعدما قامت اسرائيل باستغلال ورقة الانقسام في غزة عبر التلويح بها بوجه حكومة الضفة الغربية ، وعبر اقناعها بأنه إذا ما لم يتم التنسيق الامني فإن حماس ستكرر سيناريو غزة وتقوم بالسيطرة على مقاليد الحكم بالضفة فقد استمرت هذه المسألة أي الاعتقالات السياسية لتطال استهداف الجمعيات الخيرية والأطر والهيئات والنقابات والكتل الطلابية التابعة لحركة حماس بالضفة الغربية ، مرة عبر الاستهداف المباشر ودون مبررات ، ومرة عبر استحداث إجراءات وقرارات تسمح لوزارة الداخلية بالسيطرة على الجمعية المعنية .
لقد استمر اغلاق أكثر من 102 جمعية تابعة لحركة حماس ، رغم قيام منظمات حقوق الإنسان بإثارة الموضوع الى المحكمة العليا التي قضت باعادة فتحها ، كما تم اتخاذ إجراءات مقيدة لتسجيل أية جمعية جديدة ، إضافة إلى استخدام آلية " حسن السير والسلوك " أو " السلامة الأمنية " كشرط للموافقة على عضوية الشخص في اية جمعية أو مؤسسة مسجلة وفق قانون الجمعيات الأهلية رقم 1/2000، إلى جانب إجراء تعديلات على اللائحة التنفيذية التي تم إفرازها من مجلس الوزراء عام 2003 والتي أصبحت بعد التعديلات تعطي الصلاحيات الأوسع لوزير الداخلية لحل الجمعية دون الرجوع للقضاء ، كما تفرض تحويل موارد ومحتويات أية جمعية قرر أعضاؤها حلها إلى الحكومة بالوقت الذي كانت تؤكد مواد القانون بضرورة تحويلها إلى مؤسسة " أهلية " مماثلة بالأهداف [17].
إن قيام الحكومة بالضفة الغربية بتشكيل هيئة باسم هيئة " المنظمات الأهلية " يشير وبوضوح إلى قرار الحكومة بالعمل على استمرارية السيطرة الفوقية على المنظمات الأهلية ، حيث حاولت هذه الهيئة التدخل في بنية عمل المنظمات الأهلية وأن تقوم بإجراءات من الرقابة المشددة عليها ، إلا ان شبكة المنظمات استطاعت أن تصوب العلاقة معها وأن تؤكد أن مرجعية العلاقة تكمن في قانون الجمعيات الذي حدد العلاقة مع الوزارة المختصة بصورة مهنية وحدد التسجيل بأن يتم في وزارة الداخلية ،الأمر الذي يعنى فقدان أية مبررات بتشكيل هيئة للمنظمات الأهلية في اطار السياسة المبنية على السيطرة والاستحواذ[18]
السياق الاجتماعي والثقافي :-
- قامت السلطة مستخدمة أدوات القوة النافذة " الاعلام " وأدوات الامن والمثقفين التابعين لها شبه حملة اعلامية وثقافية شرسة بحق المجتمع المدني متهمين اياه باتباع أجندة خارجية عبر تلقي التمويل الأجنبي، وقد استطاعت منظمات المجتمع المدني التصدي لهذه الصورة عبر النشاط الثقافي مؤكداً على الدور الكفاحي والتاريخي له في الصمود والمقاومة واجتذاب منظمات التضامن الشعبي الدولي وأن هذا الدور بدأ قبل انشاء السلطة واستمر بعد تأسيسها في سياق الجهد الرامي لتحقيق الحكم الرشيد المعبر عن مصالح الفئات الاجتماعية المهمشة وانه سيستمر بغض النظر عن السيناريوهات المرتقبة تجاه مستقبل السلطة لأن المجتمع المدني الفلسطيني لديه رؤية مبنية على اقامة مجتمع متحرر من الاحتلال ويسير باتجاه الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، إن ذلك لايعني عدم نجاح السلطة في تشويه صورة العمل الاهلي واتهام بعض عناصره بالفساد كما لا يعنى عدم وجود اخطاء في اداء ومسار عمل بعض العاملين في اطار المجتمع المدني ، علماً بأن العمل الاهلي كان حريصا باستمرار على اعطاء النموذج بالحكم الرشيد وذلك عبر تبني ميثاق اخلاقي واخر للممارسات ينظم ويحكم عملها في اطار الحرص على سد الثغرات وضحد الاتهامات وصيانة العمل الاهلي وحمايته بصورة اساسية .
ما زال الصراع بالحيز العام ما بين السلطة التنفيذية والمجتمع المدني ، علماً بأن الرئيس محمود عباس كان قد شكل هيئة مكافحة الفساد واستدعى لها بعض الشخصيات العاملة بالعمل الاهلي ولكن واضح ان هذه الهيئة كانت تستخدم سياسياً لترهيب المعارضة " وقوى المجتمع المدني " حتى لا يرتفع صوتها النقدي تجاه السلطة وأدائها سواء الخاصة بالحريات او الحقوق الاقتصادية او المنهج السياسي بصورة عامة .
- المجتمع المدني وآليات الدفاع :-
في اطار دور منظمات المجتمع المدني بحماية ذاتها أمام أدوات وإجراءات السيطرة من قبل السلطة التنفيذية في كل من غزة والضفة الغربية والناتجة عن أجواء الانقسام والتي افرزت وسائل من التحجيم والرقابة والسيطرة والاستحواذ ، استعرضنا بعض ملامحها الرئيسية في سياق العرض استطاعت هذه المنظمات العمل على بلورة تشكيلات واطر ووسائل تشبيك وتنسيق بهدف العمل على صد ومقاومة الاجراءات المتخذة والتي كانت تأخذ اشكال وطرق مختلة منها إجراء تعديلات " غير مشروعة " على القانون أو على اللائحة التنفيذية ، أو القيام بخطوات عملية كالمداهمة والاغلاق أو غيرها من الوسائل ، حيث استطاعت منظمات المجتمع المدني وعبر هذه التشكيلات من العمل على الحفاظ على بنية العمل الاهلي بطابعها الديمقراطي والمستقل نسبياً رغم الاجواء الصعبة الناتجة عن آليات الفعل ورد الفعل بين غزة والضفة والتي كانت المنظمات الأهلية واحدة من هذه القطاعات التي دفعت ثمنها .
ففي غزة قامت شبكة المنظمات الأهلية بالشراكة مع منظمات حقوق الانسان الفاعلة بالعمل على متابعة أية انتهاكات واستخدمت وسائل العريضة ،وورش العمل ، والبيان ، واللقاء مع أعضاء المجلس التشريعي ، وزارة الداخلية ، وحكومة حماس بما في ذلك رئيس الحكومة ، بهدف توضيح مخاطر الاجراءات والقرارات الجديدة المتبعة والتي كانت تهدف إلى الحد من دور العمل الأهلي بالمجال الديمقراطي والحقوقي على وجه التحديد ، إلى جانب قيام هذه التشكيلة ( الشبكة ومنظمات حقوق الانسان ) بالتوجه إلى القضاء بهدف العمل على وقف بعض الاجراءات ايضاً.
وبالضفة الغربية تم استخدام ذات التشكيلة ، وكذلك قامت منظمات حقوق الانسان بتأسيس مجلس لحقوق الانسان يضم كافة المنظمات الحقوقية في كل من الضفة والقطاع، إلى جانب قيام شبكة المنظمات الأهلية بالتنسيق مع بعض الاتحادات والشبكات الأخرى بتأسيس " المجلس التنسيقي للمنظمات الاهلية ".
كان للتحالفات المذكورة دوراً هاماً في التعاضد والتكاتف والعمل بصورة جماعية وديمقراطية وموحدة على كشف التجاوزات والانتهاكات من جهة إلى جانب محاولة رفع الصوت لمواجهتها والتاثير بصناع القرار من اجل الغائها من جهة أخرى وذلك لكي ، لكي يتم المحافظة على استقلالية العمل الأهلي ودوره الديمقراطي والحقوقي والتنموي [19].
السياق الاقتصادي والاجتماعي : -
- خلفية موجزة عن التمويل :-
بدأت الدول المانحة بعقد الاجتماعات الدورية بهدف تمويل السلطة من أجل دعم " عملية السلام " وذلك بعد توقيع اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية عام 94 ، وقد عقد الاجتماع الأول في واشنطن وأقر مبلغ 2.4 مليار $ لدعم السلطة بما يشمل موازنتها ونفقاتها الجارية ومشاريعها التنفيذية والتطويرية ، وبعد ذلك توالت اجتماعات المانحين الدورية لدعم السلطة بما يتضمن هيئاتها ووزاراتها ومؤسساتها المختلفة .
كان الهدف المعلن من ذلك دعم " عملية السلام " وإعطاء فرصة لتحقيقه على الأرض إلا أنه أصبح وسيلة لتغطية نفقات الاحتلال ، الذي تخلى عن مسؤولياته الملزمة له بفعل وثيقة جنيف الرابعة التي تفرض عليه الالتزامات المالية والاقتصادية والقانونية تجاه الشعب الذي يحتله .
لقد بات ذلك واضحاً بعد مضي اكثر من عشرين سنة على توقيع اتفاق اوسلو ، فبدلاً من أن تعمل أموال المانحين على تقوية وتمكين الشعب الفلسطيني ببناء ذاته ومؤسساته على طريق تحقيق أهدافه بالحرية والاستقلال تباعد هذا الهدف أمام الممارسات الاحتلالية الاسرائيلية التي استمرت في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وتهويد القدس وبناء جدار الفصل العنصري وتحويل الضفة الغربية وقطاع غزة إلى نظام من البانتوستانات والمعازل .
قطاع غزة يفرض عليه حصاراً وبصورة مشددة منذ منتصف حزيران /2007 ، والضفة الغربية تتم بها عمليات متسارعة من الاستيطان يومياً وقد تم السيطرة على منطقة الاغوار التي تبلغ مساحتها حوالي 23% من مساحة الضفة إلى جانب اقتطاع المنطقة خلف الجدار والتي تبلغ مساحتها ما يقارب ال14 % من مساحة الضفة اضافة إلى سيطرة الاحتلال على حوالي 85% من أحواض المياه التي تقع في مواقع استراتيجية عديدة بالضفة وقد قامت اسرائيل ببناء المستوطنات عليها [20].
عندما تقوم دولة الاحتلال بمنع الفلسطينيين من السيطرة على مواردهم وحدودهم فإنها تمنع عملياً تنفيذ الاعلان عن الحق بالتنمية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4/12/1986 ، والذي يشترط السيطرة على تلك الموارد والحدود لتحقيق التنمية، والتي يربطها بالحق في تقرير ا

