Menu

فشل نتنياهو وخياراته الانتحارية

د. محمد السعيد إدريس

كما هي عادته، بدد بنيامين نتنياهو فرصة تمكين حزب الليكود من تشكيل الحكومة «الإسرائيلية» الجديدة، أو الدخول كطرف قوي في حكومة وحدة وطنية، عندما أصر على أن يبقى رئيساً للحزب ومرشحه الأوحد لتشكيل الحكومة الجديدة، وكانت النتيجة المحتمة هي الفشل في إقناع الكتل السياسية بتشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها حزب «أزرق - أبيض» بزعامة رئيسه بيني غانتس، ومن ثم لم يكن أمامه من بديل غير تقديم اعتذاره لرئيس دولة الاحتلال رؤوبين ريفلين عن عدم تشكيل الحكومة، وإعادة التكليف إليه كي يتسنى له تكليف شخص آخر ليقوم بتشكيل الحكومة، أي بيني غانتس.

كرر نتنياهو، بأنانية مفرطة، ما سبق أن فعله بعد عجزه عن تشكيل الحكومة عقب حصول حزبه على أكثرية المقاعد في الانتخابات التي أجريت في التاسع من إبريل/نيسان العام الجاري. فعندما فشل في إقناع غريمه أفيجدور ليبرمان رئيس حزب (إسرائيل بيتنا) ليشارك في الحكومة، بإصرار الأخير، على شرطه الأساسي بشأن ضرورة تجنيد طلاب المدارس والمعاهد التوراتية في الجيش، لم يقبل بإعطاء الفرصة لقيادي آخر من قادة الليكود ليقوم بتشكيل الحكومة، وعندها كان سيحظى بدعم غانتس، وبدلاً من ذلك دفع نواب حزبه ليقودوا تصويتاً داخل الكنيست (البرلمان) يقضي بأن يحل الكنيست نفسه، وفرض خيار انتخابات ثانية كخيار وحيد أمام رئيس الدولة، وهذا ما حدث. وتكررت الأزمة بعد الانتخابات الثانية التي أجريت في السابع عشر من سبتمبر/أيلول الفائت. فقد أصر غانتس على رفض مقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب الليكود بزعامة نتنياهو ومطالبته الليكود باستبدال شخصية أخرى غير نتنياهو الذي لجأ إلى فرض خياره الشخصي المفضل وهو «أنا ولا أحد غيري» دون أن يعي أن هذا الخيار يمكن أن يكون «خياره الانتحاري» وليس «خياره الإنقاذي».

كان من الممكن أن يسمح لنتنياهو بتصعيد قيادي آخر لزعامة الليكود، وعندها كان يمكن تمرير مقترح بيني غانتس بتشكيل حكومة وحدة وطنية مع الليكود، شرط ألا يكون نتنياهو على رأس زعامة الليكود، أي لا يكون الشريك في تشكيل الحكومة وتناوب رئاستها، وكان شخص مثل جدعون ساعر مستعداً للقيام بهذه المهمة، وبسبب هذا الاستعداد تخلى نتنياهو عن فكرة عقد انتخابات تمهيدية في حزب الليكود لتجديد الثقة به كرئيس للحزب، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة بعد إعلان جدعون ساعر استعداده لمنافسته على رئاسة الحزب.

كان دافع نتنياهو لإصراره على البقاء رئيساً لحزب الليكود هو تعويله على وجود فرصة، ولو ضئيلة، لتمرير مقترح أو مبادرة غريمه أفيجدور ليبرمان لإنقاذ فكرته بتشكيل حكومة وحدة وطنية بقيادة الأحزاب الثلاثة الكبيرة: «الليكود» و«أزرق- أبيض» و«إسرائيل بيتنا».

مقترح ليبرمان الجديد تضمن تشكيل الحكومة عبر أربع مراحل، في المرحلة الأولى منها يتم تشكيل فريق عمل يتكون من ائتلاف «أزرق- أبيض» والليكود و«إسرائيل بيتنا» لصياغة المبادئ الأساسية التي ستقوم عليها الحكومة الجديدة، وفي المرحلة الثانية يتم إسناد رئاسة الحكومة إلى نتنياهو على أن يكون غانتس هو المرشح البديل في حال تقديم لائحة اتهام ضده من القضاء تحول دون رئاسته الحكومة، أما المرحلة الثالثة فستكون مخصصة لمباشرة الحكومة مهامها والقيام بأهم تلك المهام المحورية التي تتضمن إقرار الميزانية المالية الجديدة لعام 2020 وإقرار ميزانية الجيش، وفي المرحلة الرابعة تتم دعوة الأحزاب الأخرى التي توافق على مبادئ الحكومة للمشاركة فيها.

خيار نتنياهو الوحيد الآن هو إفشال أية فرصة أمام بيني غانتس للنجاح في تشكيل الحكومة، ومن ثم فرض الخيار البديل المفضل وهو إجراء انتخابات ثالثة لسببين، أولهما أنه يطمح أن تأتي هذه الانتخابات الثالثة بما لم تأت به انتخابات إبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول الأخيرتين، أي تحقيق أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة دون الحاجة إلى تحالف مع حزب «أزرق- أبيض»، لذلك هو يسعى من الآن إلى تشويه غانتس وتحميله مسؤولية إفشال حكومة وحدة وطنية قوية تنقذ «إسرائيل»، وإلى ترويع الرأي العام من مخاطر دخول مرشحين عرب في الحكومة الجديدة، باعتبار أن ذلك سيكون بمثابة تهديد وجودي لدولة كيان الاحتلال.

أما السبب الثاني فهو أن يظل شخص نتنياهو رئيساً للحكومة لحين إجراء الانتخابات الثالثة وظهور نتائجها لتفادى خطر تقديمه للمحاكمة، إذا ما نجح غانتس في تشكيل الحكومة، لذلك بادر اليمين «الإسرائيلي» بقيادة نفتالي بينيت زعيم حزب «اليمين الجديد»، فور اعتذار نتنياهو عن عدم تكليف تشكيل الحكومة، إلى شن حملة ضغوط موجهة إلى المستشار القضائي للحكومة إبيجاي مندلبليت والنيابة والقضاء كي لا يوجهوا لائحة اتهام ضد نتنياهو في قضايا الفساد الثلاث تكون نتيجتها هي سجن نتنياهو.

وهكذا يجد نتنياهو نفسه يجني ثمار خياراته الانتحارية الفاشلة التي تفرض عليه أن يكون «الأوحد» في قيادة «إسرائيل»، وإذا به يجد نفسه مدفوعاً إلى خسارة كل خياراته إذا ما كان السجن هو مآله الأخير.