Menu

لبنان: خليط طبقي كبير في مواجهة النظام الطائفي

محمّد جبر الريفي

لبنان ليس كغيره من البلدان العربية التي شهدت ثورات ما سميت بالربيع العربي ثم انحرفت بوصلتها إلى غير الهدف الذي انطلقت من أجله، وهو تعميم الديمقراطية بالتخلص من ظاهرة الاستبداد السياسي التي عمت الحياة السياسة العربية، ذلك لأن النظام السياسي فيه هو نظام طائفي مضى على تأسيسه عقود طويلة. أي منذ الاستقلال السياسي عن فرنسا وبذلك لم يعرف الشعب اللبناني نظامًا سياسيًا غيره كالبلدان العربية مثلًا التي حصلت على الاستقلال الوطني ثم تنوعت فيها طبيعة أنظمتها السياسية؛ بسبب ما جرى فيها من تغيرات بفعل الانقلابات العسكرية، مثل ما جرى في سوريا العراق اليمن ليبيا السودان وغيرهم.

لقد كان من نتائج الحرب الأهلية التي شهدها لبنان بين فصائل الحركة الوطنية التي احتضنت الثورة الفلسطينية، وبين القوى الانعزالية بقيادة حزب الكتائب المسيحي الماروني، هو إعادة إنتاج النظام السياسي الطائفي نفسه، حيث ظل الجوهر الحقيقي لطبيعة النظام دون تغيير يذكر، وقد جاء اتفاق الطائف ليدخل البلاد بمرحلة جديدة من الاستقرار الداخلي سمح فيها بثنائية الحكم من خلال منظومة طبقية تتقاسم فيها البرجوازية اللبنانية بعنصريها المسيحي والإسلامي السلطة السياسية في البلاد من جديد، وبحكم تركيبتها الطبقية بقيت سياسات الحكومات اللبنانية مرهونة بالحسابات الخارجية، وهي مواقف اعتادت عليها الدولة اللبنانية منذ تأسيسها متمثلة بتبدل الولاءات وتنوع التدخلات.

إن استمرار الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالتدهور والضغط على كاهل غالبية الطبقات والفئات الاجتماعية، والذي كان عنوانه الأبرز الأزمة المالية التي دفعت الحكومة إلى رفع الضرائب وتقليص الخدمات، هو الذي كان وراء اندلاع موجة الاحتجاجات الحالية من قبل خليط طبقي كبير، وأن قدرة هذه الاحتجاجات على التواصل لفترة طويلة رغم ما يمكن أن تقدمه حكومة الحريري من إجراءات إصلاحية، قد يجعل الإطاحة بالنظام الطائفي برمته هدفًا مشروعًا لانتصار قضية الديموقراطية. فالشعب اللبناني هو واحد من أرقى الشعوب العربية في نمط حياته الاجتماعية، فهو لا يعاني كثيرًا من أشكال التخلف الحضاري التي تعاني منه غالبية الشعوب العربية، خاصة التي تقع في نطاق حياة البداوة القبلية، فقد كان تأثره بالحضارة الغربية تأثرًا كبيرًا وذلك بسبب عاملين اثنين أساسين أولهما: الاستعمار الفرنسي الذي يتميز عن غيره من الحركات الاستعمارية بتأثيره الثقافي. وثانيهما: المعتقد الديني، حيث الكثافة المسيحية التي يعتنقها ما يقارب من نصف السكان، وهو بذلك يختلف من الناحية الديموغرافية عن كثير من الدول العربية في المشرق العربي التي تتواجد فيها أقليات مسيحية.

إن الشعب اللبناني يتوفر لديه مخزون ثقافي قومي هائل، ما زال كامنًا في وعيه السياسي، وقد تجلى ذلك في الاحتجاجات الشعبية بالهتاف لفلسطين، فهو البوابة التي عبر بها الفكر القومي الأوروبي البرجوازي إلى بلدان المشرق العربي، خاصة بلاد الشام، وكان تأثيره واضحًا في نشوء الأحزاب القومية من حزب البعث العربي الاشتراكي، إلى حركة القوميين العرب، إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي، مما يجعل أي ثورة شعبية في لبنان تطيح بالنظام الطائفي هو إنجاز سياسي وفكري هام على طريق إعادة الاعتبار للفكر القومي العربي وبمستوى نظري تقدمي، وللتيار العلماني واليساري بصورة عامة، وذلك لمواجهة الفكر الظلامي والرجعي الذي تستخدم القوى الإقليمية والدولية المعادية تنظيماته السياسية في إشاعة أساليب الفوضى السياسية والأمنية في المنطقة كلها .