Menu

إفريقيا الواعدة التي نعرفها بالكاد

عبد الله السّناوي

نقلا عن الخليج الإماراتية

ثمة حالة تنبه قصوى في المراكز الدولية لما يمكن أن تصبح عليه إفريقيا في المدى المنظور كواحدة من أفضل مناطق النمو والاستثمار في العالم، وأن القارة الواعدة على وشك أن تفارق الصورة التي استقرت عنها كموطن للفقر، والجفاف، والحروب الأهلية. تلك الحالة من التنبه تستند إلى متابعات لمؤشرات النمو ودرجات العناية بالتعليم والبحث العلمي والانفتاح على التقنيات الحديثة والثروات الطبيعية التي لم تستثمر على نحو صحيح من قبل، أو جرى نهبها من القوى الاستعمارية القديمة في مراحل سابقة.
هكذا بدأ السباق الدولي إلى الأسواق الإفريقية وفرص الاستثمار فيها، وتعالت دعوات بناء علاقات من نوع جديد معها تختلف عما عهدته القارة في تاريخها الحديث كله، قبل الاستقلال، وبعده.
ولم يكن الكرملين أول من تنبه إلى إفريقيا الواعدة، ولا أول من استضاف منتدى اقتصادياً يضم قادة القارة وأعداداً كبيرة من الشركات الاستثمارية، ورجال الأعمال، تحت عنوان «منتدى إفريقيا - روسيا»، الذي استضافه منتجع «سوتشي»، فقد سبقته الولايات المتحدة، وفرنسا، والصين إلى الفكرة نفسها.
ولكل لاعب دولي حسابات تختلف عن الآخر، فالولايات المتحدة تطلب الحفاظ على درجة نفوذها الدولي في معادلات القوة الاستراتيجية والاقتصادية، وأن تسبق إلى حيث الفرص الواعدة وأن تفتح المجال لشركاتها للتمركز قبل الآخرين.
ولم تتأخر الصين في الدعوة إلى قمة مماثلة سعياً لتثبيت أقدامها الاقتصادية في القارة خشية إزاحتها بالنفوذ السياسي والاقتصادي الغربي، بما قد يؤثر بالسلب في فرصها في اطراد نموها الاقتصادي. أخيراً، دخل الكرملين على خط القمم الاقتصادية، بالآليات نفسها، والطقوس والأجواء نفسها. مقاربة «سوتشي» تختلف عما خبره الروس من قبل في سنوات الاتحاد السوفييتي السابق بخياراته الاستراتيجية والأيديولوجية.
العالم اختلف وقضايا القارة اختلفت. وفي سنوات الاتحاد السوفييتي دعمت موسكو بعض حركات التحرر الوطني الإفريقية بالسلاح، أو بما تقدر عليه في ظروف الحرب الباردة، والاستقطاب الدولي، ووفرت بعثات تعليمية لأعداد كبيرة من الطلاب الأفارقة في جامعاتها.
في ذلك الوقت، امتلكت مصر ناصية القيادة في حركات التحرير، واحتضنت عاصمتها القاهرة قادتها المطاردين، ووفرت الدعم السياسي والإعلامي عبر إذاعاتها الموجهة، وأتاحت بدرجة لا تقارن بعثات تعليمية للطلاب الأفارقة.
وبعد الاستقلال انتبهت مصر مبكراً إلى ضرورات الاقتصاد في بناء الدول الوطنية الجديدة في القارة المحررة، فأنشئت شركة «النصر للتصدير والاستيراد» التي بنت في كل مكان، ووفرت سلعاً رئيسية من الثلاجات إلى المشروبات المحفوظة.
القارة الآن اختلفت، ونحن في حاجة حقيقية إلى دراسة فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي في إفريقيا الواعدة بالجدية اللازمة، لا بالدعايات المرسلة.
وبالدرجة نفسها نحن في حاجة إلى قراءة متأنية للمقاربة الروسية، التي تمازج بين ما هو استراتيجي، وما هو اقتصادي، فلا مصالح اقتصادية تتأسس على فراغ استراتيجي. بمعنى آخر فإن منتدى «سوتشي» ترجمة بلغة الاقتصاد والاستثمار والعقود التجارية، لمدى ما حازته السياسة الروسية من اختراقات جوهرية في معادلات الشرق الأوسط، خاصة في الأزمة السورية، حيث تمسك بأغلب أوراقها.
هيبة القوة من مقومات الاختراق الاقتصادي. هذه حقيقة يراهن عليها الكرملين الآن، وهو يعرض على مصر التي تترأس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، وإثيوبيا التي تحتضن مقره، أن يتدخل بالتوسط لإنهاء أزمة بناء سد النهضة.
ثم إنه يعرض نفسه باعتباره شريكا اقتصادياً مأموناً بلا شروط، ومطالب تتعدى المصالح المتبادلة أسقط (20) مليار دولار ديوناً على القارة. أين نحن من إفريقيا الواعدة؟ نحن جزء من القارة، من تاريخها ومستقبلها.
التاريخ حاضر في الذاكرة العامة، فالإفريقي يعتد بمعاركه للانعتاق من التمييز العنصري، ويعتز بأبطاله التاريخيين من أمثال «عبدالناصر»، و«نكروما»، و«لومومبا»، و«نيريري»، و«مانديلا»، لكنه لا يعيش في الماضي.
في سنوات السبعينات، وما بعدها، أخلينا مواقعنا عن استهتار بالغ بالمصالح المصرية العليا، وزحف آخرون على المواقع التي أخليت.
وفي وقت واحد تزامن تفكيك مقومات الاقتصاد الوطني والقرار الوطني، ورهن البلد كله لخيار وحيد وضع (٩٩%) من أوراق اللعبة في يد الولايات المتحدة. كانت تلك دعوة ل«إسرائيل»، وغيرها، أن تملأ الفراغ. وكانت تلك مأساة كاملة لبلد قاد حركات تحريرها، ولعب الدور الأكثر جوهرية في تأسيس «منظمة الوحدة الإفريقية» «الاتحاد الإفريقي الآن».
وتحت وطأة أزمة سد النهضة ارتفع منسوب الاهتمام بالقارة من جديد، لكن قضاياها أكبر من أن تلخص على هذا النحو الضيق، جرت محاولات للتصحيح على مدى السنوات الأخيرة، لكنها تحتاج إلى نفس آخر يعترف بأننا نكاد نعرف بالكاد القارة.
نحتاج الآن إلى نظرة جديدة في أزمان مختلفة تتأسس على المعرفة والسياسات المطردة حتى نلتحق بإفريقيا الواعدة.