Menu

.. والأمن القومى المصرى

اللواء محمّد إبراهيم

يبدو من الأهمية بمكان ونحن نتعرض لتأثيرات مشروع تنمية إقليم قناة السويس على الأمن القومى المصرى فى سيناء, أن نشير فى البداية إلى مجموعة من الحقائق.

سيناء التى تبلغ مساحتها حوالى 6% من مساحة مصر تعد خط الدفاع الأول عن الدولة من الاتجاه الإستراتيجى الشمالى الشرقى والاتجاه الشرقى أو ما نطلق عليه أنها بوابة مصر الشرقية, ولا جدال فى أن أى مخاطر يمكن أن تتعرض لها سيناء لا تقتصر على تلك المنطقة فقط , بل تشكل تهديداً للأمن القومى المصرى ككل .

هناك مساران متوازيان يعتبران بمثابة المفتاح الرئيسى لتغيير الوضع الحالى فى سيناء إلى الأفضل, ولا يمكن لأحدهما النجاح المطلق دون الآخر, أولهما محاربة الإرهاب والفكر المتطرف بلا هوادة وبأساليب وتكتيكات متنوعة ومتغيرة, وثانيهما حتمية إحداث تنمية اقتصادية حقيقية وملموسة على أرض الواقع فى سيناء من كافة جوانبه . ما يقوم به الجيش المصرى فى سيناء خلال الفترة الراهنة يمكن أن نطلق عليه اسم (معركة تحرير سيناء / 2) فقد تم تحريرها من الاحتلال الإسرائيلى بعد حرب أكتوبر المجيدة عام 1973, وما يجرى هناك على الأرض فى الوقت الحالى يعد استكمالاً لعملية تحرير سيناء وتطهيرها من هذا الإرهاب الأسود حتى تكون مؤمنة ومهيأة لدورها الهام فى المرحلة المقبلة.

إن معاهدة السلام المصرية / الإسرائيلية الموقعة فى 26 مارس عام 1979 لم تفرض أى قيود من أى نوع على مصر تحول بينها وبين تنمية سيناء كلها, وأن كل ما يقال عن وجود قيود فى هذا الشأن يعد أمراً منافياً للحقيقة . وقد تعرضت سيناء على مدى عقود طويلة مضت إلى قدرٍ كبير من التجاهل من قبل الدولة لأسباب مختلفة, حيث لم تتعامل الدولة بجدية وفاعلية مع مبدأ وفكرة التنمية الاقتصادية لسيناء رغم محاولات وضع بعض المشروعات التنموية , إلى الدرجة التى يمكن معها القول بأنه لم تكن هناك قناعة كاملة لدى الدولة بمدى أهمية التنمية الاقتصادية فى هذه المنطقة للحفاظ على الأمن القومى المصرى, الأمر الذى أدى فى النهاية إلى الوصول بسيناء إلى الوضع السيئ الذى تعانى منه الآن, سواء تردى الوضع الاقتصادى, أو كونها أصبحت مأوى لجماعات متطرفة وتنظيمات إرهابية وعناصر خارجة عن القانون, وقد انعكس ذلك بوضوح على استقرار الوضع الأمنى ليس على مستوى سيناء فقط وإنما على مستوى الدولة كلها, وليس أدل على ذلك من احتدام المواجهات العسكرية بين قواتنا المسلحة الباسلة وبين هذه الجماعات الإرهابية فى معارك شديدة الضراوة مازالت تجرى رحاها حتى الآن وستنتصر فيها مصر بإذن الله .

بالتالى أصبح من الضرورى التعامل مع قضية سيناء من منظور جديد تماماً يقفز على المحددات والثوابت الجامدة التى تميزت بها المراحل السابقة والتى تأكد قصورها الشديد وعدم صلاحيتها, وينطلق نحو فكر جديد يعتمد فى الأساس على دمج سيناء فى عملية تنمية اقتصادية حقيقية متكاملة تؤدى إلى تغيير ملموس فى وضعها الراهن, بحيث إذا ما تم تنفيذ هذا المنظور بجدية وحرفية فلابد وأن يثمر عن تحول سيناء فى مرحلة قادمة من كونها تمثل إحدى مشكلات ومهددات الأمن القومى المصرى ومصدر إزعاج دائم إلى أن تتبلور سيناء فى وضعيتها الجديدة لتصبح أحد المكونات الرئيسية للحفاظ على الأمن القومى المصرى . من هذا المنطلق تؤكد الدراسات المتعمقة لمشروع تنمية إقليم قناة السويس أننا على أعتاب مرحلة جديدة تماماُ من المفترض أن تؤدى إلى إحداث نقلة نوعية غير مسبوقة لتنمية سيناء اقتصادياً, بالتالى ستصبح هذه المنطقة ذات تميز واضح فى جوانب ثلاثة, الجانب الأول أنها ستكون منطقة جاذبة للاستثمارات فى مختلف المجالات, والجانب الثانى أنها سترتبط فى ظل وضعيتها الجديدة بمصالح اقتصادية لقوى إقليمية ودولية مما سيدفع العالم نفسه للحفاظ على أمن وسلامة هذه المنطقة, أما الجانب الثالث فإن هذه المنطقة ستصبح خلال فترة زمنية غير بعيدة كتلة بشرية مؤثرة, ولا شك أن هذه الجوانب الثلاثة ستضيف عناصر إيجابية ذات تأثير قوى لصالح دعم الأمن القومى المصرى فى سيناء .

ولا شك أن هذه التغييرات المنتظرة للوضع فى سيناء ولاسيما من حيث الاستقرار الاقتصادى المتوقع, ستؤدى إلى نتائج إيجابية فى مجال دعم الأمن القومى المصرى فى هذه المنطقة أهمها الآتى:-

< القضاء على البيئة التى تساهم فى تنامى الفكر المتطرف وما يترتب عليه من تداعيات, خاصة أن انتشار هذا الفكر يعتمد بشكل أساسى على بيئة يسودها الفقر والبطالة والمشاكل الاقتصادية الأخرى, وهذه هى البيئة التى سيطرت على سيناء خلال الفترات السابقة وساهمت فى تعميق الوضع الأمنى السيئ هناك .

< وقف عمليات التهريب بكافة أشكاله من وإلى قطاع غزة عبر المنطقة الحدودية لاسيما السلاح والأفراد , وبالتالى القضاء على ظاهرة الأنفاق التى تمثل - ولاتزال - خطراً حقيقياً على الأمن القومى المصرى فى منطقة سيناء تحديداً.

< دحض أى أفكار أو توجهات أو مشروعات من جانب أى أطراف خارجية وخاصة إسرائيل بشأن إمكانية تنفيذ ما يطلق عليه خطة تبادل الأراضى بين مصر (فى سيناء) وإسرائيل (منطقة النقب) وقطاع غزة (الادعاءات بأن الامتداد الأفقى الطبيعى لغزة هو سيناء باعتبار أن القطاع يمثل أعلى كثافة سكانية فى العالم ويقترب عدد سكانه من 2 مليون نسمة فى مساحة حوالى 360 كيلو متر مربع ) وهى مشروعات تروج لها بعض المراكز البحثية وشخصيات عسكرية سابقة فى إسرائيل منذ فترة طويلة (وإن كانت غير حكومية أو رسمية ) ولكن الأمر المهم الذى يجب التنويه إليه هنا أن هذه المراكز والشخصيات لم تغلق هذا الملف الحرج حتى الآن .

فى ضوء ما سبق, وارتباطاً بالإيجابيات المنتظرة من مشروع تنمية إقليم قناة السويس, فإن المعادلة باتت شديدة الوضوح وهى أن التعامل مع متطلبات الأمن القومى المصرى فى سيناء يقتضى من مصر أن تتبلور سياساتها فى هذا المجال فى الأطر التالية:-

<< دمج سيناء فى المنظومة الاقتصادية لعجلة التنمية فى الدولة بل ومنحها مزايا تفضيلية أكثر انطلاقاً من القناعة بأن تنمية سيناء أمر تفرضه متطلبات الأمن القومى المصرى.

<< أن تتم عملية الدمج فى إطار جدول زمنى ومراحل محددة المعالم بحيث ينجم عن كل مرحلة نتائج إيجابية واضحة يشعر بها مواطنو سيناء فى الأساس حتى يدركوا مدى جدية الدولة فى جهودها التى تبذلها تجاههم. ومن الضرورى وجود عملية متابعة دقيقة لكل مشروعات ومخططات التنمية الاقتصادية فى هذه المنطقة .

<< مواصلة سياسة مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف من خلال استخدام جميع أدوات الدولة المتاحة فى هذا الشأن, حتى نطمئن فى النهاية بأن الدولة قد عادت إلى سيناء, وأن سيناء قد عادت إلى الدولة, وأن الاحتلال الإسرائيلى والإرهاب وأى مشروعات خارجية لاقتطاع أجزاء من سيناء ( وكلها محكوم عليها بالفشل ) قد انتهت وولت من غير رجعة .

المصدر: الأهرام