Menu

فلسطين ولبنان: النظام السياسي بين ثورة الإصلاح والعشق الممنوع

هشام عبد ربه

تتشابه كل الأنظمة السياسية العربية بوصفها قائمة على المنطق "الهووي"، أي الاستخدام السيئ والمفرط للهوية، الأمر الذي يؤدي إلى الاستبداد والجمود والقمع والعنف والانغلاق ...الخ، من المظاهر التي تعم وتسود الحياة السياسية العربية، وليست المشكلة هنا في طبيعة الحكم سواء كان جمهوريًا أو ملكيًا، أو في نوع وطبيعة الهوية أو الأيديولوجيا التي ينتمي إليها المكون السياسي لهذا النظام أو ذاك، أو نوع باقي المكون السياسي الذي يؤسسه ويبنيه ذلك النظام فحسب، بل المفارقة أن الأنظمة العربية المستبدة كما تنتج نفسها تُنتج معارضيها ومثقفيها أيضًا، وعلى نفس المنطق "الهووي"؛ الأمر الذي يؤدي إلى سيادة هذا المنطق، بحيث تتبادل المكونات السياسية الأدوار لضمان بقاء النظام وتأبيده واستعصائه على أي محاولة إصلاحية.

يكاد لا يوجد فرق يذكر إلا بالمعنى النسبي بين ملك ورئيس جمهورية، أو بين يميني ويساري، أو بين حداثي وإسلامي، أو بين معارض وموالي، أو بين زعيم حزب أو وزعيم طائفة، أو بين مختار عائلة ومسؤول حركة... وقد أدى هذا إلى سيادة منطق الأتباع والولاءات والعطاءات والامتيازات والمحسوبيات وغيرها من أشكال الفساد السياسي، وهذا بدوره أدى ومنذ زمن طويل إلى انسحاب الحقيقة من النقاش العمومي للقضايا الأساسية والمركزية الوطنية، وتهميش وإقصاء قطاعات واسعة النطاق من الشعب عن قضاياها العمومية، وهذا يعود إلى المنطق "الهووي" ذاته، القائم بالأساس على بناء مرآة هووية كبيرة، لا يرى فيها إلا نفسه وتصوره وتمثله عنها. أما الآخرين فهم إما مجرد خارج نطاق رؤيته، وفي أحسن أحوالهم مجرد رعايا في حاجة دائمة لعصا الراعي، باعتبارهم تهديد مصيري لهويته، وبالتالي، فهم مركز استقطاب عدائي يبرر الكراهية والعنف.. وبشكل عام كل سلوك هووي غالبًا ما يميل للعداء أو اختراعه بوصفه المبرر الوجودي للهوية.

ورغم تشابه النظام السياسي في كل من فلسطين ولبنان مع باقي النظام السياسي العربي, إلا إنهما يتميزان بصفات مشتركة؛ أولها تعدد رؤوس النظام. وثانيهما، التدخل الفج والصارخ للخارج في الحياة السياسية الداخلية، أو ما نسميه "العشق الممنوع" بين بعض أطراف المكون السياسي الداخلي والخارجي بحكم الجغرافيا أو الأيديولوجيا أو المصالح أو التبعية والهيمنة وهذا أساس في حالة النظامين. والصفة المشتركة الثالثة، هو وجود العدو الصهيوني على جدول العمل اليومي للسياسة الداخلية لكلا البلدين؛ وإن كان العدو ومخططاته لا تستثني أي بلد ووجود عربي، لكن الحالة الفلسطينية واللبنانية، تعتبرا حالة اشتباك واحتكاك مباشر ويومي.        
إن الصفات/العوامل الثلاثة المُميزة للحالة الفلسطينية واللبنانية تجعل مسألة الثورة الإصلاحية رغم ضرورتها مسألة مُلَّتبسة، وغاية في الحساسية والتعقيد، كما تجعلها عرضة لأي تهمة أو تجديف، وعليه فهي خطيرة وهشة جدًا؛ لذلك، فهي بحاجة لما هو أكبر من التعقل والنبل.. تحتاج إلى التفهم، تحديدًا لهذا "العشق الممنوع" بين بعض الأطراف المكونة للنظام السياسي وامتداداتها الخارجية التي يجب رؤيتها وقراءتها بعمق من ناحية، ومن ناحية أخرى ضبط تداعياتها على الحياة والأوضاع الداخلية، بحيث تكون ضمن نطاق الوظيفة المخصصة والمحددة لها فقط، كمسألة المقاومة في كلا البلدين وضرورة استمرار علاقتها بالداعمين من ذوي القربى عروبةً أو إسلامًا أو أحرارًا على مستوى العالم ككل، أو مسألة التنمية وشروطها ومحدداتها أيضًا سواء من نفس ذوي القربى أو غيرهم، وعليه، أعتقد أن مسألة "العشق الممنوع" هذه ستبقى إشكالية قائمة.

لا شك أن هذه الإشكالية مثار خلاف بين أقطاب المكون السياسي، لكن ما أعتقده أكثر أنها ستبقى متفهمة ومحمودة بمقابل العشق الأسود الذي يطرحه الآن المهووسون بعشق إسرائيل/العدو، وتحديدًا تلك الألقاب اللطيفة والرشيقة التي يطلقونها لتبرير هذا "العشق" مثل: التسوية والتنسيق الأمني والتطبيع...، خاصة من الأنظمة الخليجية الرجعية التي استمرأت سِفاح القربي في ليبيا والبحرين وسوريا واليمن وغيرها منذ انطلاق ما يسمى بالربيع العربي وقبل انطلاقه أيضًا بأعوام كثيرة تعود للربع الأول من القرن العشرين، ويعرضون الآن على الأمة عشق أسود مع إسرائيل/العدو، مقابل ذلك العشق الذي أؤكد إنه ممنوع حتى لو كان مع عرب ومسلمين!!   
إن الحل الوحيد الذي آراه ممكنًا رغم هيمنة غيابه، هو بيسار حقيقي، ذلك اليسار الذي لا يمكن أن يكون من هذا الموجود زورًا.. إنه اليسار الحقيقي الذي يؤمن بالاه واحد هو الفقراء. هذا اليسار المنشود القادر على تخليصنا من كل أشكال العشق الممنوع والمُحرم والأسود، فهو الوحيد القادر على تحريرنا من ربقة الهوية المغلقة، نحو ذات وطنية فاعلة في إطارها القومي، تعيد تأسيس علاقتها بشكل حيوي وفعَّال مع مصادر روحها وتاريخها، وتستطيع استخدام كل ما بحوزتها من المنجز الإنساني لمعانى الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.. يسار يؤسس للعدالة الأخلاقية بين كل مكونات الشعب دون استثناء، ويعيد الثورة لأهلها الحقيقيين؛ لأولئك المهمشين والمبعدين من الوطن قصرًا وقهرًا .. يسار آن له أن يعيد خلق نفسه من جديد.