"إن واجب الدفـاع عن الوطن هو أقـدس واجب، إن شرف القتال ضد المحتل هو الشرف الحقيقي الذي ينبغي لكل وطنيٍّ أن يفاخر به.. فلتنتظم صفوف الوطنيين اللبنانيين.. في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كسرًا للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم أميركا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعًا لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم".
لم تنطلق هذه الكلمات من فراغ، ولم يكن قرار الحزب الشيوعي اللبناني -يحتفل في 24 أكتوبر الحالي بالذكرى ال95 لتأسيسه- ومنظمة العمل الشيوعي وحزب العمل الاشتراكي من منزل الشهيد كمال جنبلاط الذين أطلقوا نداء "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" في 16 أيلول 1982عفويًا، أو ظرفيًا، بل كان قرارًا ثوريًا واعيًا من أجل وطن حر وشعب سعيد (التحرير والتغيير الديمقراطي).
منذ الاستقلال الوطني اتخذ النظام البرجوازي التبعي من الطائفية جسرًا لعبور أزماته البنيوية، وسدًا لمنع إجراء أية اصلاحات سياسية وإجتماعية، وجعل اليمين من شعار" قوة لبنان في ضعفه"، ومن "حياده" عن مجرى الصراع العربي – الصهيوني، مقتلًا، أصاب صميم هويته العربية وموقفه وموقعه الوطني والقومي في الصراع، وترك الساحة مشرعة لكافة اختبارات الإمبريالية ومشاريعها وصراعاتها وأهدافها الاستعمارية.
هذه السياسة المعتمدة حولت لبنان إلى صندوق استثماري في الواجهة، وحديقة خلفية لصراع الأمم.
فكانت أحداث عام 1958 وإنزال "المارينز" في بيروت لدعم حلف بغداد، إلى موقف حياد لبنان، وهزيمة حرب حزيران عام 1967، لتشهد بعدها الساحة الوطنية تحولات فكرية وسياسية بدأت بالتبلور أكثر على المستوىين السياسي والاجتماعي، لتشكل قاعدة إنطلاق معركة التحرر الوطني والطبقي. فمن تشكيل "الحرس الشعبي" عام 1969 بقرار من الحزب الشيوعي اللبناني، وإعلان انطلاقة المقاومة الوطنية الشعبية الأولى في الجنوب اللبناني ضد العدو الصهيوني، ثم تنظيمها في قوات الأنصار عام 1971، في الوقت الذي كانت هوة التناقضات تتسع وتتعمق في بنية النظام السياسي - الطائفي اللبناني، وكانت تشتد معها مخاطر المشروع الإمبريالي الاميركي- الصهيوني –الرجعي العربي، وقد عبرت المرحلة عن نفسها في مستويات عدة:
المستوى الأول: دخول الساحة اللبنانية مرحلة التجييش الطائفي الداخلي وخلق اضطرابات، تمهيدًا لتوظيفها عند الضرورة وحسب الطلب الخارجي؛ لمنع تغيير موقع لبنان في معادلة المنطقة.
المستوى الثاني: تنامي دور حركة سياسية وطنية وشعبية، لعبت قوى اليسار والحزب الشيوعي دورًا متقدمًا في قيادتها، وحملت بذور المقاومة والإصلاح الوطني من خلال برنامج مرحلي للتغيير الديمقراطي، أطلقته قوى الحركة الوطنية اللبنانية، حيث شكلت الحركة العمالية عمودها الفقري والحركة الطالبية قلبها النابض، بينما شكلت الحركة الثقافية الوطنية خبزها الفكري، بهدف التحرر الوطني.
المستوى الثالث: احتضان سياسي وشعبي واسع لدعم نضال مسيرة مقاومة الثورة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية الوطنية المستقلة في فلسطين وعاصمتها القدس .
وسط هذه الأجواء، تكرست خيارات على ضفتين متناقضتين:
ضفة تمثل مصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة وارتباطاتها الخارجية التي تحاول تضييع الهوية العربية والقضية الفلسطينية والاتنماء الوطني، وتعتمد وفق منطق تهربها من أزمتها سياسة الهجوم ضد شعوبها، وتظهير قوتها القمعية والقهرية بحقها، بهدف التخلي عن شعاراتها وتمرير تسويات أو اتفاقات الذل والخيانة مع الإمبريالية والصهيونية مقابل تأبيد حكمها وتوفير مصالحها.
وضفة تمثل طبقة القوى العاملة التي تحمل مشروعًا تحرريًا تعبيرًا عن وعيها لخطورة المشروع الإمبريالي الاستعماري، وفهمًا عميقًا لأزمة قيادة حركة التحرر العربية وتداعياتها، على القضية الفلسطينينة وعلى المستويات الوطنية والقومية. لذلك، ربطت مشروعها موضوعيًا بالتحرير والتغيير الديمقراطي.
في ظل هذه المناخات المتشابكة، لجأ النظام البرجوازي – الطائفي للالتفاف على حركة النهوض السياسي والشعبي وانتهاج خيار التصعيد والتأزيم وافتعال الاضطرابات.. وزج الجيش اللبناني في حرب المخيمات عام 1973، ثم تدريب وتسليح قوى اليمين السياسية (حماة النظام) تحضيرًا لإعلان الحرب الأهلية في نيسان 1975 التي بدأت على وقع مفاعيل نتائج حرب تشرين 1973، وبداية مرحلة شق الصف العربي وانتقال مصر "السادات" إلى موقع المفاوضات والتسويات مع العدو الصهيوني.
بعد حرب السنتين (1975- 1977)، دخلت الحرب الأهلية لعبة التحولات وسط شبكة إقليمية ودولية لتمرير صفقات كامب ديفيد، والقضاء على الثورة الفلسطينية، وتحويل معركة الصراع الطبقي والمصير الوطني في لبنان إلى صراع طائفي.. حيث شكل الاجتياح الصهيوني عام 1978 للجنوب اللبناني العنوان الأول للتغطية على مشروع "كامب ديفيد" الخياني، بعد أن عجزت قوات الردع العربية عن حل النزاع اللبناني، لا بل، ساهمت في تفاقم الأزمة بانحياز بعضها إلى طرف سياسي طائفي لصالح هذا أو ذاك على حساب الحل الوطني. وهكذا، نجحت الساحة اللبنانية في اختبار لعبة النار وتصفية الحسابات، والشروط والضغوط لضرب الثورة الوطنية اللبنانية والفلسطينية.
*****
قاوم لبنان الوطني السياسي والشعبي الاحتلال الصهيوني، وكل سياسات التفتيت والتقسيم والفدرلة الطائفية، ومعها المخططات الإمبريالية والصهيونية الرامية إلى سلخه عن هويتة الوطنية وعروبته وتطوره الديمقراطي، وعندما سقطت بيروت، بعد حصار صهيوني دام على مرأى من العالم لأكثر من مئة يوم بعد انسحاب قوات الثورة الفلسطينية بحرًا من بيروت إلى تونس 1982، وبعد نزع الألغام عن محيط بيروت.. كان سقوطها بيد المحتل الصهيوني والأميركي بمثابة إعلان وفاة النظام اللبناني والعربي، وإعلان ولادة مشروع جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول عام 1982.
لم يستطع المحتل الصهيوني نزع كرامة بيروت، وتشويه تاريخ مقاومتها وصمودها، بل واجهته بإرادة وقوة مقاومتها الوطنية وعمليات أبطالها النوعية في أنحاء بيروت، وأجبرت المحتل على مناداة أهالي بيروت أن "لا يطلقوا النار علينا فنحن منسحبون"، لتتحرر بيروت بعد عشرة أيام فقط من احتلالها، وليشكل خيار المقاومة الوطنية الطريق نحو بناء مرحلة ثورية جديدة في فعل مقاومة وطنية وعربية من أجل التحرير.
كبرت المقاومة الوطنية، وكبر الحلم، فبعد تحرير بيروت والضاحية والإقليم والجبل وصيدا والنبطية والبقاع الغربي وقسم من الجنوب.. وكلما كانت المقاومة الوطنية تتجذر في الأرض وتتوسع، كلما كانت تتوسع معها دائرة استهدافها داخليًا وإقليميًا ودوليًا، بصفتها رافعة ثورية لحركة التحرر الوطني العربية، والتي تشكل خطرًا حقيقيًا ضد أعداء التحرر والتقدم.
وكلما كان نهج المقاومة الوطنية يتقدم، كلما كشر التحالف الطبقي السياسي والمالي عن أنيابه الطائفية، وعن نزعات أطرافه نحو إنشاء عقد سياسي- طائفي جديد، لاستبدال هيمنة طائفية بأخرى، أو لإعادة توزيع نظام المحاصصات الطائفية مجددًا. خصوصًا، بعد طرد المارينز وإسقاط اتفاق 17 أيار عام 1983 الخياني مع العدو الصهيوني، ليتكرس تباعًا الخيار الطائفي والفئوي بفعل سياسة قوى الأمر الواقع. وبفعل زلزال المتغيرات الدولية وسقوط المعسكر الاشتراكي، وحرب الخليج الثانية، وإعلان الإمبريالية الأميركية "نهاية التاريخ" وانتصار الرأسمالية بقيام النظام العالمي الجديد، ليأتي لتفاق الطائف عام 1989 برعاية دولية وإقليمية ليعلن عن مرحلة إعادة إنتاج النظام السياسي بمحاصصات جديدة، وتكريس دولة "الطوائف" في لبنان؛ لتتراجع موضوعيًا وذاتيًا مرحلة المقاومة الوطنية لحساب تقدم المقاومة الإسلامية، ولتبدأ مرحلة جديدة في المنطقة عشية مؤتمر مدريد وشعارات "الأرض مقابل السلام" وما نتج بعده من اتفاقات اوسلو، ووادي عربة، وواي ريفر...
وسط هذا المتغيرات والمناخات والتحالفات الجديدة، أقفل القرن الماضي على انتفاضتين في فلسطين المحتلة، واستكمال تحرير ما تبقى من الجنوب والبقاع الغربي من رجس الاحتلال الصهيوني -باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا واستمرار أسر جثامين بعض المقاومين من شهداء الحزب الشيوعي اللبناني- دون قيد أو شرط في 25 أيار عام 2000، لتسجل المقاومة الوطنية والإسلامية أول انتصار على العدو، وكسر شعار "الجيش الذي لا يقهر".
ثم تكرس هذا الانتصار التاريخي بمقاومة العدو الصهيوني إئر عدوان تموز عام 2006، وبتغيير معادلة الصراع مع العدو؛ إلا أن هذه الانتصارات التي غيرت المعادلة السابقة وأصبحت "قوة لبنان في مقاومته"، لم تستطع أن تحدث فرقًا على مستوى التغيير الديمقراطي، بل ذهبت الأمور للتعقيد أكثر والتأزم بفعل عدة عوامل منها: الهجوم الإمبريالي ومشروعه الشرق أوسطي الجديد، الاحتلال الأميركي للعراق، واستنفار القوى الرجعية والتبعية لصد ثورات وانتفاضات الحرية والخبز والكرامة لشعوبنا العربية، وخلق مافيات الإرهاب وتسليحها وتجنيدها في خدمة المشروع التفتيتي؛ الحرب في ليبيا وسوريا واليمن.. ومحاولة تهويد القدس وتمرير صفقة القرن، وتقديم مرتفعات الجولان هدية للكيان الصهيوني.. كل ذلك، يُبقي المنطقة على فوهة بركان حروب المواقع الاستراتيجية لصراعات المحاور الإقليمية والأقطاب الدولية للتحكم أو للسيطرة على الممرات والمنابع المائية والنفطية والغازية والمعدنية. هذا، عدا عن طبيعة التحالف الطبقي السياسي المالي الطائفي للنظام اللبناني المُولد للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمسؤول عن تقويض انتصارات المقاومة الوطنية المحققة، وإغراق لبنان المنتصر في الانقسام المحوري والتجييش الطائفي والتوترات والفوضى.. والاستمرار في نهج هدر الفرص، وسياسة الديون والإفقار والفساد.. بحجة الحفاظ على العيش الطائفي المشترك.
إن المراوحة في هذه الدائرة ستقودنا حتمًا إلى المزيد من التناقض والتفاوت، وبالتالي، نحن أمام مسألتين: إما التوجه في أفق التطور الرأسمالي الذي لن يكون ممكنًا سوى في إطار العلاقة التبعية بالرأسمالية العالمية والالتحاق بشروط مؤسساتها ومشروعها. وإما التوجه في أفق مشروع التحرر الوطني في مواجهة الإمبريالية وكسر العلاقة التبعية، والنهوض بالاقتصاد الوطني لإكمال سيرورة مشروع المقاومة الوطنية.
ولكل من هذين التوجهين النقيضين منطقه وشروطه؛ فمنطق الأول: أن يكون بقيادة البرجوازيات التابعة القائمة. ومنطق الثاني: أن يكون بقيادة وطنية ثورية. فالأول الذي يعمل على تأمين إعادة إنتاج العلاقات الرأسمالية، سيقف حكمًا في وجه سيرورة التحرر الوطني، وسيحاول تقويض انتصار مقاومتها، وسيتسبب في استدعاء قوى خارجية تصب في خدمة أهداف مشروع الشرق الأوسط الجديد؛ ذلك أن الأولوية في حقل الصراع الوطني والطبقي بالنسبة للإمبريالية والبرجوازية التابعة تتمثل في منع قيام حركة تحرر وطني، وتعطيل التغيير الثوري، والقضاء أو تهميش عناصر وأدوات هذا التغيير، والطبقة العاملة في المقدمة منها، لمنع قيام وحدتها ونقاباتها وأحزابها بكل الوسائل، بما فيها تجييش العوامل الطائفية والمذهبية والعشائرية والقبلية والاثنية والحروب الأهلية..
لهذا، إذا كان من حل لأزمتنا الراهنة، فإن الحل الوحيد يكمن في تعزيز مهام مشروع المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية والعربية، بصفته المشروع التحرري الجذري البديل، وهو يحتاج فعلًا إلى جهد وعمل وتظهير من قبل قوى التحرر الوطني الحقيقية، حيث لا تحرر ولا تغيير من دونه.. وفي انتظار بلورة قيام هذه الحركة الثورية تستمر الإمبريالية وعولمتها المتوحشة وأنظمتها التابعة في دفع مجتمعاتنا إلى المزيد من التخلف والعنف والتطرف والصراعات والحروب للقضاء على حلم شعبنا الفلسطيني في التحرير والعودة والدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، وفي تخلص شعوبنا العربية من الاستعمار والرجعية والتبعية من أجل التحرر الوطني الجذري الشامل.

