منذ سنوات، وحتى لا نبتعد كثيراً، لنقل منذ الحرب الأخيرة على قطاع غزة في العام 2014، لا يمضي يوم واحد دون أن يعتدي ويقتل جنود الجيش «الإسرائيلي» والمستوطنون الصهاينة فلسطينيين، وتمتد الاعتداءات المتنوعة من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، وتشمل عمليات اعتقال للعشرات يومياً، ومصادرة مئات الدونمات من الأرض، وهدم عشرات المنازل، وقلع الأشجار، واقتحام المسجد الأقصى، وبما يعنيه وينطوي عليه ذلك من ترويع النساء والأطفال. وإذا اعتمدنا على تصريحات المسؤولين ورجال الأمن «الإسرائيليين» دون غيرهم، يمكننا أن نقول إن أبناء وبنات الشعب الفلسطيني لا يقفون مكتوفي الأيدي إزاء هذه الاعتداءات والجرائم، بل يحاولون مواجهتها والرد عليها بكل الوسائل وأحياناً باللحم الحي وبكل ما أوتوا من قوة وعزم وإصرار على مواجهة الاحتلال وقواته، ويبذلون ويتحملون في سبيل ذلك الكثير جداً من التضحيات شهداء وجرحى ومعتقلين، وخسائر في الأرواح والأموال. لكن السؤال الكبير الذي يقوم في وجه كل من يحاول تتبع هذا العدوان المستمر والمتواصل هو: لماذا كل ذلك يبدو بلا مردود أو فائدة، ولماذا يبدو أن كل التضحيات لا تؤثر في «الوضع الإسرائيلي القائم»؟ بعبارة أخرى، فإن السؤال في النهاية هو: أين الخلل؟
وحتى لا يكون الكلام في الهواء، نتوقف عند الوقائع التالية:
* في المؤتمر الدولي الثامن للطائرات المسيرة، الذي عقد في تل أبيب، نقلت الصحف «الإسرائيلية» (8/11/2019) عن رئيس جهاز (الشاباك) نداف أرغمان، قوله للصحفيين، متباهياً بقدرة جهازه، كاشفاً أن هذا الجهاز تمكن في السنة الأخيرة من إحباط 450 عملية كبيرة، وفي العام 2018، تمكن من إحباط 480 عملية واعتقال مئات العناصر التابعة لمختلف التنظيمات الفلسطينية التي وقفت وراء هذه العمليات!
* وفي كانون الأول 2018، وفي حديث لأرغمان أمام لجنة الخارجية والأمن، التابعة للكنيست، قال إن الجهاز أحبط 400 عملية حاول الفلسطينيون القيام بها ضد أهداف «إسرائيلية»!
* وفي أيلول 2017، قال أرغمان نفسه، خلال استعراضه الأوضاع الأمنية، إن جهازه أحبط 200 عملية منذ بداية العام 2017، من بينها «عمليات تفجيرية وخطف وإطلاق نار، وأخرى انتحارية»!
خلال ثلاث سنوات، ومن فم رئيس جهاز (الشاباك) تتجمع أمام أعيننا أكثر من 300 عملية من مختلف المستويات، من إطلاق النار إلى العمليات الاستشهادية، وبالطبع ما بينهما من عمليات طعن ودهس إلخ. ولكن أين المردود؟! لنفرض أن الأجهزة الأمنية «الإسرائيلية» تبالغ في عدد العمليات لأسباب سياسية، خصوصاً أن «التخويف» سياسة متبعة وثابتة عند نتنياهو، إلا أن المبالغة لا يمكن أن تصل إلى أكثر من زيادة ربع هذا العدد، أو حتى نصفه، وهذا يعنى أن 650 عملية في الحد الأدنى دفع ثمنها شهداء وجرحى ومعتقلون وأشياء أخرى كانت قبض الريح وبلا طائل! فهل هذا أمر يقبله العقل؟! ويبقى السؤال: كيف ذلك، وأين الخلل؟! هل هو في التخطيط أم في الجهد الاستخباري؟ أم في انعدام مسؤولية القائمين على الأمور؟
وأخيراً يمكن إضافة شهداء وجرحى «مسيرات العودة»، وقد وصلت أعدادهم إلى مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ولا أحد يفهم ماذا قدموا في الإطار العام لمواجهة الاحتلال. ليس المطلوب من الشعب الفلسطيني أن يقدم الضحايا والتضحيات مقابل لا شيء، أو من أجل إبقاء «الهياكل» القائمة موجودة والتي أصبح وجود أكثرها يضر ولا ينفع.
ويبقى السؤال برسم الإجابة: أين الخلل؟

