(بين تشرين ثاني 2018، تاريخ هذا النصّ.. وتشرين ثاني 2019 تاريخ الاشتباك الجديد)
"... احتدمت المعارك العنيفة وسط الركام والأطلال في كل شارع ومبنى ومصنع، على السلالم والأقبية. فشكلت البالوعات والمجاري متاهات في المعارك، الجنود الألمان أطلقوا على حرب المدن هذه والتي لم يروا مثيلا لها تعبير "حرب الفئران"، وعبروا عن ذلك بسخرية "احتلينا المطبخ لكن ما زال علينا أن نقاتل من أجل الغرف" .. كان ذلك في ستالينغراد... حيث كان شعار المدافعين عن المدينة الأسطورة: "لا خطوة إلى الوراء!" ... "لا توجد أرض وراء نهر الفولغا!".
جولة جديدة اشتباك جديد، وشهداء يصعدون إلى مجدهم.
غزة فلسطين، المحاصرة منذ إثني عشر عاما... غزة التي لا يمكن المقارنة بينها وبين ستالينغراد من حيث المساحة والديمغرافيا والإمكانيات.. حيث البحر غربا والحصار جنوبا وشرقا وشمالا... تسجل أيضا على حجارة التاريخ أسطورتها الخاصة "لا خطوة إلى الوراء!"..."لا توجد أرض وراء بحر غزة!"...
في كل مواجهة، ومهما كانت ضراوة الإشتباك والتضحيات الغالية بكل المقاييس، فإن غزة تفرض دائما منطقا آخر... منطقا يبقى وفيا لحقوق وطموحات وتضحيات ممتدة كي يغادر الفلسطيني دائرة الموت المزمن...
وغزة تعرف بحدسها أن لا الصمت ولا الهدوء ولا التكيف ولا المساومة ستنقذ الفلسطيني من القتل الفردي والجماعي... ذلك لأن الاشتباك مع الاحتلال الصهيوني وطبيعته لهما منطق آخر، فمنطق الاشتباك في الحالة الفلسطينية هو هكذا: كن أو لا تكون... تلك هي المعادلة القاسية في مواجهة مشروع يستهدف الفلسطيني روحا وتاريخا... أرضا وإنسانا وحياة.
في كل مواجهة تتكئ غزة على قلبها ودمها ودموعها وألمها وبسالتها وتقاوم.. تنهض لتعيد صياغة قوانين المواجهة والمقاومة، تنهض متجاوزة المؤتمرات واللقاءات والاستجداءات والنفاق واللغو الفارغ الذي لم يوقف نزف الدم الفلسطيني منذ أكثر من سبعة عقود لحظة واحدة... حيث يوغل الاحتلال أكثر معتقدا أنه سينجح في احتلال الوعي الفلسطيني وأن لديه القدرة على أن يقتل كما يشاء وفي اللحظة التي يشاء، أن يحاصر كما يشاء وبقدر ما يشاء، أن يهين وينكل ويدمر، وأن يدوس على رأس هذا الفلسطيني وعينيه ووعيه وهويته ووجوده وشهدائه... هكذا بكل بساطة... يعتقد هذا الاحتلال أن الفلسطيني سينصاع لمعادلة الموت المجّانيّ هذه وسيتعود عليها.
هكذا اعتقد القاتل وظنّ!
تنهض له غزة، ولأنها تعي طبيعة الاشتباك، ولأنها تدرك أن المواجهة مفروضة عليها سواء سكتت أم قاومت... لهذا فإنها تجد نفسها دائما أمام خيار واحد وحاسم.. المقاومة.
إذن هو زمن المواجهة والاشتباك... زمن له منطق آخر وثقافة أخرى... ثقافة تتلقى الحزن والشهداء وتعيد انتاجهما غضبا عارما... ثقافة تتجاوز الدموع لكي تبقى العيون صافية حادة وصارمة باتجاه الهدف ومعادلات المستقبل، وغير ذلك هو انتحار مجاني ودماء تذهب هكذا بلا معنى أو ثمن.
وغزة في مقاومتها تترجم روح وصية تشي جيفارا... "من الحماقة أن تخوض معركة يمكن تجنبها... ومن العار أن تتجنب معركة يجب خوضها"... معادلة ذهبية صاغها جيفارا بوهج المقاومة ودماء الثوار في كوبا وأدغال بوليفيا... وغزة وفية لميراث الثوار بطبيعتها... لقد فرضت عليها الحرب والمواجهة فأعدت واستعدت ونهضت تقاوم، فارتبك العدو الواهم المختنق بجبروته وغطرسته واعتقاده بأنه قد روّض الفلسطيني على تقبل القتل كشرب الشاي... غير أن غزة تواصل الرد، والوفاء لوصية كنفاني العالية والمنطقية حتى النهاية: لا تمت إلا وأنت ندُّ! إيّاكم والموت المجانيّ!.
هذه المعادلة القاسية تعيد التأسيس للمستقبل كما يريد الفلسطيني ويحلم، وبما يعادل تضحياته الكبرى... هكذا ترد غزة على معادلات الموت غير الطبيعي وغير المنطقي بفرض معادلاتها، لقد أمسكت بنتنياهو وجيش القتل الإسرائيلي وجذبتهما نحو رمال غزة... وكأنها تقول: هل تفهمون الآن... غزة ليست ميدان تدريب للرماية.. ولا نقبل بالموت المجاني لأي طفل فلسطيني... هي كلمة واحدة: [لقد آن الآوان لكي تنصرفوا من أرضنا، سمائنا، مائنا، هوائنا، وعينا، دمنا، بحرنا، برّنا ودموعنا،فخذوا هزيمتكم وانصرفوا].
إفهموا جيدا غزة ليست مكانا للقتل المجانيّ... فكل شهيد له وصية وأمنية... وكل دمعة تضئ حلما... وكل حرب لها هدف... فلا مساومة على هدف أو شهيد أو جريح أو أسير أو دمعة أو بقايا بيت أو شجرة... فخذوا هزيمتكم وانصرفوا، أما غزة فلسطين فلها المستقبل والحياة.

