Menu

حول الموقف من الاستيطان والأمن في المشروع الصهيوني

محمّد جبر الريفي

محمد جبر الريفي     

منذ قيام الكيان الصهيوني عام 48 كانت السمة الأساسية له تتمحور حول مسألة هامة شكلت جوهر المشروع الصهيوني العنصري، هي مسألة الاستيطان؛ لأن الكيان الذي أعلن بن جوريون عن قيامه رسميًا في 15 مايو من ذلك العام، هو مجرد بؤرة استيطانية كبيرة أخذت في التمدد بعد حرب حزيران لتصبح بحجم الوطن كله.

النشاط الاستيطاني لم يتوقف وظلت السياسة الإسرائيلية متمسكة في نهجها الاستراتيجي بالاهتمام بهذه المسألة وتحقيقها على أرض الواقع رغم إبرام اتفاقية أوسلو مع الجانب الفلسطيني، وقبل ذلك اتفاقيتي السلام مع كلتا الدولتين الجارتين مصر والأردن وهي السياسة التي تتناقض تمامًا مع أهداف المشروع الوطني الفلسطيني، وأيضا مع عملية الاستقرار والأمن في المنطقة برمتها؛ لأن الاستيطان عدا عن كونه يعمل على تغيير الواقع الديموغرافي في الأرض الفلسطينية المحتله لعرقلة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي عام 67 عدا عن ذلك، فإنه يحفز النزعة التوسعية عند الجنرالات الصهاينة القائمين على قيادة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ويعزز من اتجاهات النخبة السياسية اليمينية العنصرية في المؤسسة الحزبية الصهيونية على العدوان والتوسع لضم أراض عربية جديدة لدولة الكيان؛ تحقيقًا للرؤية الصهيونية في إقامة الدولة اليهودية بحدودها التي رسمتها الحركة الصهيونية العالمية من النيل إلى الفرات، وهي العبارة التي ما زالت مكتوبة فوق باب الكنيست الإسرائيلي الذي عبر منه السادات لإلقاء خطابة بعد زيارته إلى القدس المحتلة.

هكذا فإن خطورة سياسة الاستيطان لا تهدد عملية السلام فقط، ولكنها تهدد على المدى الاستراتيجي الاستقرار في المنطقة، بما يمكن أن يتولد عنها نزاعات مستقبلية على الأرض خاصة على جانبي الحدود بين الكيان الصهيوني العنصري العدواني وبين جيرانه من الدول العربية.

في السياسة الإسرائيلية الاستراتيجية ترتبط مسألة الاستيطان دائمًا بالنشاط الأمني، والمقصود بالنشاط الأمني هنا هو الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في مواجهة القدرات العسكرية العربية الموجودة حاليًا، أو التي يمكن أن تتحقق في المستقبل؛ لأن الخلل القائم في موازين لصالح الكيان ليس قدرًا لا يمكن تغييره فتحقيق السلام مع بعض الدول العربية لم يقلص من الاهتمام الإسرائيلي بمسألة الأمن؛ لأن الهواجس الصهيونية بالخطر العربي والإسلامي على وجود الدولة العبرية يبقى قائمًا في الحسابات الإسرائيلية. والنخبة السياسية الصهيونية لا تتوقع وجود سلام حقيقي مع الشعوب العربية؛ لذلك ستظل المخاوف من زوال الكيان الصهيوني موجودة في الوعي السياسي الإسرائيلي، لأنه كيان غاصب لا تربطه بالمحيط العربي أي عناصر متجانسة في اللغة والتاريخ وغيرهما من الروابط الحضارية. كذلك فإن الوظيفة العدوانية للكيان الصهيوني في القيام بدور المحافظة على المصالح الحيوية للنظام الرأسمالي الإمبريالي العالمي تتطلب امتلاكه لقدرة عسكرية رادعة تفوق قدرات دول المنطقة كلها، وهذا ما تتكفل بتوفيره الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ سواء سيطر عليها الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، باعتبارها سياسات ثابتة تتلاقي فيها المصالح الإسرائيلية مع الاستراتيجية الأمريكية في موضوع الهيمنة الكونية.

تمسك الكيان الصهيوني بتفعيل سياسة النشاط الاستيطاني والنشاط الأمني واعتبارهما أهم من عملية السلام، وهو الذي كان وراء سياسة التعنت الإسرائيلي وفشل جولات مفاوضات السلام المتعددة مع الجانب الفلسطيني، وفي عهد الرئيس الأمريكي الحالي ترامب ازداد التعنت والصلف الإسرائيلي أكثر؛ بسبب سياساته العدوانية المنحازة ضد الحقوق الوطنية المشروعة خاصة تجاه قضيتي القدس واللاجئين، وكذلك أيضًا تعيينه لشخصيات سياسية تنتمي لتيار الأصولية الدينية المسيحية التي تتوافق في معتقدها الإيماني مع الرؤية اليهودية، ويأتي هذا الانحياز الأمريكي الأكثر لدولة الكيان بسبب أن نتنياهو أو أي رئيس وزراء إسرائيلي آخر يأتي بعده من الائتلاف اليميني الحاكم وترامب يستقيان سياستهما اليمينية الشوفينية من نظرية سياسية واحدة عنوانها الأبرز الوطنية العنصرية، وهذا ما يجعل مشروع حل الدولتين الذي تحتكر مساعيه واشنطن منذ إبرام اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية يواجه صعوبات أكبر، وربما وصل الآن إلى طريق مسدود؛، بسبب إعلان وزير الخارجية الأمريكي بومبيو بشرعية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة واعتبار المستوطنات ليست مخالفة للقانون الدولي وهو موقف أمريكي عدواني غير مسبوق، حيث كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة السابقة تعارض سياسة الاستيطان وتعتبره عائقًا في طريق عملية السلام، ولكن دون أن تتخذ ضغوطات سياسية أو اقتصادية لوقفه؛ مما يجعل الولايات المتحدة بهذا الإعلان الصادر من الخارجية الأمريكية عدوًا رئيسيا للشعب الفلسطيني ومشاركًا في عملية نهب الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. وقد كان لإدارة ترامب قرارًا سابقًا بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية أيضًا على الجولان السوري المحتل وما به من مستوطنات، وهي سياسة عدوانية ذات دوافع أمنية لصالح الكيان الصهيوني تتطلب في مواجهتها كضرورة سياسية وطنية وقومية اتخاذ مواقف هامة أولًا: على الصعيد الفلسطيني بنزع الاعتراف بالكيان الصهيوني الذي جاءت به اتفاقية أوسلو وإلغاء كل الاتفاقيات التي وقعت في إطارها. وثانيًا: على الصعيد العربي وقف إجراءات التطبيع التي كانت قد اتخذتها عديد من الدول العربية خاصة دول الخليج العربي. وثالثًا: على الصعيد الدولي عدم اكتفاء الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بمعارضة هذا الإعلان الأمريكي وكان الاتحاد الأوروبي قد اتخذ سابقًا موقف الممانعة من استيراد بعض المنتوجات الزراعية الإسرائيلية التي مصدرها المستوطنات، وهو الموقف الاقتصادي الذي لم يعد كافيًا الآن في مواجهة الإعلان الأمريكي بشرعنة الاستيطان، بل المطلوب من الدول الأوربية الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 67 ، غير أن المهم أيضًا بالإضافة إلى هذه المواقف السياسية هو سد الطريق على أي دور سياسي أمريكي مستقبلي يقوم على احتكار مساعي التسوية للقضية الفلسطينية وللصراع العربي الصهيوني بشكل عام؛ كون الولايات المتحدة الأمريكية كانت وغدت أكثر وضوحًا في ضلعوها في العدوان على الشعب الفلسطيني والأمة العربي، بعد جملة القرارات التي اتخذتها إدارة ترامب.