Menu

الواقع السياسي العربي والعجز في مواجهة الكيان الصهيوني

محمّد جبر الريفي

مر الآن واحد وسبعون عامًا على قيام الكيان الصهيوني عام 48 على أنقاض شعبنا الفلسطيني، وهو الكيان العنصري الوحيد في الشرق الأوسط، وتحقق ذلك كجزء من مخطط استعماري يستهدف وحدة الأمة العربية وتقدمها، وشهدت هذه المدة عدة حروب عسكرية كان آخرها حرب أكتوبر دون أن يحقق العرب نصرًا استراتيجيًا على هذا الكيان العدواني الغاصب، حيث الذي حدث في حرب أكتوبر هو نصر تكتيكي تحول إلى انتصار سياسي لصالح الكيان بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد؛ فبقى "صامدًا" يؤدي وظيفته العدوانية، لم يضعف، ولم ينهار، ولم تتحرر فلسطين، بل اختفى هذا الهدف القومي من الخطاب السياسي العربي الرسمي وحل بدلًا منه مشروع حل الدولتين الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التي عقدها في القاهرة عام 73، والمعروف ببرنامج النقاط العشر، مسايرة لنهج التسوية العربية الإسرائيلية، وحتى هذا المشروع المرحلي بدأ يتراجع هو الآخر؛ بسبب التعنت الإسرائيلي وغول الاستيطان وتخلي واشنطن عنه لصالح ما يسمى صفقة القرن التصفوية.

سيختفي مشروع حل الدولتين من الخطاب السياسي العربي الرسمي هو الآخر كما اختفى شعار تحرير فلسطين إذا ما ظل الانقسام السياسي الفلسطيني قائمًا؛ ليحل بدلًا منه كيانين للشعب الفلسطيني أحدهما في القطاع والآخر في الضفة، تعميقًا أكثر لواقع التجزئة السياسية العربية الممنهجة الذي يخطط لها التحالف الأمريكي الصهيوني، فيما يحقق الكيان الصهيوني مكاسب سياسية على مستوى الاعتراف والتطبيع العربي والإسلامي ودون أن تجد المبادرة العربية للسلام التي أقرت في قمة بيروت طريقها للتطبيق، بل كان الرد الإسرائيلي عليها إعادة شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك احتلال الضفة الغربية .

وجود الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي وعدم القدرة العربية على هزيمته عسكريًا يرجع ذلك حسب ما درج عليه تفسير الساسة العرب؛ قادة أو مناضلين أو نخب سياسية وثقافية إلى الدعم العسكري الأمريكي المتواصل الذي يتمتع به الكيان الصهيوني منذ إقامته، تطبيقًا لنظرية ملء الفراغ من قبل واشنطن بعد أفول شمس بريطانيا العظمى، وهو تفسير غير موضوعي يراد به تبرئة الواقع السياسي العربي في سبب وجود ظاهرة العجز، حيث لم تستطع الجيوش العربية تحرير ولو شبر واحد من فلسطين. وكذلك على مستوى النضال الوطني الفلسطيني ما يقارب من 13 فصيلًا لم تستطع خمسة منها تمتلك أجنحة عسكرية التقدم ولو خطوة واحدة في اتجاه تحرير "غلاف" غزة من المستوطنات، وذلك على الرغم من صمودها في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة في الحروب الثلاث الماضية التي شنها الكيان الصهيوني على القطاع، إضافة إلى الاعتداءات الكبيرة المتكررة وكان آخرها العدوان الصهيوني على القطاع باغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي إيهاب أبو العطا.. السؤال المهم الذي يجب طرحه الآن في ظل ممارسة الكيان الصهيوني دورًا إقليميًا في المنطقة، مثله في ذلك مثل دور كل من إيران و تركيا ، وهو الشيء المؤسف الذي يحدث في وقت تخلو فيه المنطقة أيضًا من دور قومي عربي فاعل ..السؤال هو: أليست ظاهرة العجز العربي والفلسطيني في مسألة الصراع مع الكيان الصهيوني العنصري تحتاج إلى تفسير آخر تقبله بسهولة العقلية السياسية العربية وترضاه الجماهير العربية غير القول أن الدعم العسكري الأمريكي هو وراء وجود الكيان طيلة واحد وسبعين عاما وعدم انهياره؟

والجواب على ذلك هو بالعودة إلى رفع شعار الوحدة العربية وتوسيع إطار الديموقراطية وصياغة مشروع ثقافي نهضوي حداثي؛ يأخذ بأسباب العلم والتكنولوجيا لإنهاء التخلف، ذلك أن الواقع الذي تثبته التجربة التاريخية في مسألة الصراع بين الأمة العربية والقوى العدوانية الخارجية أن هزيمة العدو تكون ممكنة دائمًا في حال تحقيق وحدة الأمة. فالتجزئة السياسية الممنهجة هي التي رافقت المشروع الصهيوني العنصري التوراتي منذ بدايته، وقد دخل هذا المشروع في صراع مع كيانات إقليمية مصطنعة حوله رسم حدودها السياسية الاستعمار الأنجلو-فرنسي عبر اتفاقية سايكس بيكو، وقد يكون أهم إنجاز نجح به المشروع الصهيوني هو في تأسيس الكيان في وسط خلو الساحة من دولة قومية تجسد التواصل الحضاري والثقافي والسياسي بين جماهير إقليمها كما هو الحال في الدول القومية الأوروبية التي ظهرت بانهيار عصر الاقطاع وصعود البرجوازية أو الدول القومية الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند وإيران وتركيا التي ظهرت بسبب ارتباط أو انصهار كلا العنصرين العرقي والديني، هكذا كان عامل التجزئة السياسية الممنهجة الذي ترافق مع عامل التخلف الحضاري بمختلف أشكاله هو الذي ما زال يلعب دورًا رئيسيًا في ظاهرة العجز العربي في مواجهة الكيان، وليس الدعم العسكري الأمريكي الذي يمكن شل قدرته على حماية هذا الكيان في حال توفر دولة قومية عربية واحدة على الأقل في دول الطوق العربية، وقد كانت دائمًا الخشية الصهيونية من إقامة دولة عربية تضم سوريا و مصر والعراق وهو المشروع السياسي الوحدوي الذي كاد أن يتحقق في المرحلة الناصرية .

لقد فشلت الترسانة العسكرية الأمريكية الجبارة في هزيمة الشعب الفيتنامي، كما لم ترهب القوة النووية الأمريكية النظام الاشتراكي في جزيرة كوبا الصغيرة، وظل نظامها الاشتراكي صامدًا في وجه الإمبريالية الأمريكية، وفي إفريقيا انتصر شعب جنوب افريقيا على نظام الابرتهايد العنصري المدعوم من قبل الغرب الاستعماري، وكل تلك الوقائع السياسية تؤكد على أن ظاهرة العجز العربي هي أولًا بسبب العامل الذاتي أي طبيعة الواقع السياسي العربي الذي يضعف فاعلية الأمة في مواجهة الكيان الصهيوني وأخطاره المحدقة.