(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).
كان المشهد رغم غرائبيته يبدو منطقيًّا، عندما لوح لاعب منتخب غانا لكرة القدم "جون بانتسيل" بالعلم الإسرائيلي، عقب فوز منتخب بلاده على منتخب التشيك، في مونديال ألمانيا في العام 2006، في إشارة بهذه الدلالة الرمزية الناعمة، إلى المدى الذي ذهب إليه التمدد الإسرائيلي في العمق الإفريقي، وهو محيط جغرافي كان في حكم المحظور فيه، ولسنوات طويلة، التصريح علانيّة بوجود علاقات مباشرة مع "تل أبيب"، وهي العلانيّة التي أفصحت أخيرًا عن تجليّها الأبرز، عندما وُجهت الدعوة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نيتانياهو"، لحضور قمة دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، والمعروفة اختصارًا بـ الإكواس، المنعقدة في العاصمة الليبيرية "مونروفيا" في العام 2017، في سابقة تعكس اتساع محيط المجال الذي ذهبت إليه الأنشطة الاقتصادية، التي دشنتها الدولة العبرية في غرب القارة السمراء.
تاريخ من المزايحات:
كانت حكومة "بريتوريا" العنصرية أبرز داعم لإسرائيل منذ لحظة التأسيس، حيث كانت جنوب إفريقيا الدولة السابعة، التي تقرر الاعتراف بالدولة الصهيونية في أيّار/مايو من العام 1948، واتخذت حكومة" جان سموتس" كافة الاجراءات الممكنة لتأييد إسرائيل، وكان شعار الجماعات العنصرية في "بريتوريا" يعكس هذا التلاقي في التوجهات: "لدى إسرائيل وجنوب إفريقيا شيء واحد قبل أيّ شيء مشترك: كلاهما موجودان في عالم يسكنه أناس من السود".
وعلى الرغم من البنية العنصرية، المغرقة في التصورات العرقية المتعالية تجاه السود، التي تميز بها حلفاء إسرائيل، تطلعت الأخيرة إلى اختراق القارة السمراء، وتطويق المشروع القومي العربي جنوبًا، عبر جملة من الأنشطة الاقتصادية؛ بشقيّها التجاري والتنموي، في وقت كانت فيه تلك الدول التى خرجت لتوها من الاستعمار، في أمس الحاجة إلى المساعدة، حيث دشنت "تل أبيب" ما عرف ببرنامج إسرائيل للتعاون الإنمائي في إفريقيا، وكان تحت الإشراف المباشر لرئيس الوزراء "ديفيد بن جوريون"، وهو ما يعكس الأهمية التي أولتها "تل أبيب" للتوجه نحو إفريقيا، وفي عام 1958، أقدمت وزيرة الخارجية "جولدامائير"على زيارة القارة السمراء. ومنذ اللحظة الأولى، انتبهت مصر إلى حجم الخطر الذي يمثله توغل إسرائيل في منطقة اعتبرتها القاهرة عمقًا استراتيجيًّا لها، وقد قامت سياساتها تجاه القارة السمراء على مبادئ عامة هي:
- رفض أي شكل من أشكال التعامل مع حكومة "بريتوريا" العنصرية.
- دعم كافة حركات التحرر الوطني في إفريقيا بكل الوسائل الممكنة.
- رفع سقف التعاون مع دول القارة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.
اعتبرت مصر المجال الإفريقي واحدًا من دوائرها الاستراتيجية الثلاث، وتحركت بدافع أيديولوجي نحو قطع ذراع إسرائيل الممتدة إلى دول القارة، وأسفرت الجهود عن عقد أول مؤتمر إفريقي في العاصمة الغانية "أكرا" في نيسان/أبريل من العام 1958، حضرته وفود من الأحزاب والحركات والنقابات والاتحادات الطلابية بمختلف دول القارة، في محاولة لخلق تكتل إقليمي، يجمع بين تلك الدول التي تشترك في محيط جغرافي واحد، وتجمعها معطيات تاريخية وثقافية واجتماعية متسقة، وتشغلها هموم واحدة، وفي أيّار/مايو 1963، وقع زعماء وقادة الدول الإفريقية المستقلة بأديس أبابا، على وثيقة منظمة الوحدة الأفريقية، التي خرجت أخيرًا إلى النور، وقامت على مبادئ عامة، ارتكزت على رفض كافة أشكال الهيمنة والاستعمار، مع دعم تنمية دول القارة وتنسيق مواقفها الدولية، تجاه الأزمات والصراعات حول العالم، في ذروة الحرب الباردة.
ومع الجهود التي بذلتها المجموعة العربية، داخل منظمة الوحدة الإفريقية، ونجاحها في وضع حقوق الشعب الفلسطيني في صدارة المشهد، عبر إدراجها ضمن قضايا التحرر الوطني العاجلة، مع محاولة خلق كتلة تصويتية إفريقية داعمة لها في المحافل الدولية، وعليه، أصبح التحرك الإسرائيلي شديد الصعوبة، في ظل وصمة الاستيطان الاستعماري، وتنامي العلاقات مع حكومة "بريتوريا"، وإبان حرب حزيران/يونيو من العام 1967، أفصحت إسرائيل عن وجهها العدواني، الذي دفع عدد من دول القارة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها، قبل أن يوجه اجتماع المجلس الوزاري الإفريقي صفعة قوية لها، في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1973، حيث قرر المجلس قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، إلى أن تتراجع عن احتلال الأراضي العربية، وهو قرار التزمت به كل دول القارة، عدا جنوب إفريقيا وليسوتو وملاوي وسوازيلاند وموريشيوس.
عصر من الغزل السياسي:
طيلة عقد السبعينيات، حاولت إسرائيل بشتى الطرق، كسر طوق الممانعة الإفريقية التي أعقبت قطع (30) دولة من دول القارة السمراء علاقاتها الدبلوماسية بالدولة الصهيونية، ومن خلال وساطة الشركات التجارية، حافظت إسرائيل على معدل عالٍ من التبادل التجاري، وأبرمت تعاقدات قدرت بملايين الدولارات، حتى أنّ حجم عائدات التصدير إلى إفريقيا بلغ بنهاية السبعينيات نحو 60% من جملة عائداته لدول العالم، في دلالة على ميل الميزان التجاري لصالح إسرائيل بشكل ملحوظ.
عقب معاهدة السلام المصرية / الإسرائيلية، والتي تزامنت مع انحسار الدور السياسي لمصر في إفريقيا، والمتغيرات التي صاحبت تنامي الدور الأمريكي في القارة السمراء، والذي تجاوز الأنشطة الاستخباراتية، إلى بسط الهيمنة والنفوذ، تمدد الدور الإسرائيلي، وتحول من الغزل السياسي، إلى الإقدام على لعب أدوار متعددة، عن طريق استغلال طبيعة الصراعات السياسية، وحمى الانقلابات العسكرية التي اجتاحت القارة، لتتدخل بشكل صريح في تلك الصراعات، من خلال صفقات السلاح وإرسال الخبراء العسكريين، وهو ما تجلى بوضوح في صفقات السلاح التي أبرمتها مع الكاميرون وليبيريا، والتفاهمات السرية مع أثيوبيا، ومدها بخبراء عسكريين، كما لعبت أدوارًا مشبوهة في الصراعات الإقليمية المختلفة، ما منحها قدرة على التأثير السياسي، لتفتيت الكتلة التصويتية الإفريقية، أو تحييدها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
العودة بقوة إلى أفريقيا:
انفتح المجال السياسي لإسرائيل على مصراعية، وشهدت سنوات الثمانينيات عودة قوية في العلاقات، بدأتها زائير، وتبعتها مجموعة أخرى من الدول، كما تعددت مكاتب رعاية المصالح والقنصليات الإسرائيلية هنا وهناك، وواصلت الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي "ماشاف" نشاطها في مجال المساعدات الموجهة للدول الإفريقية، خاصة في مجالات الأمن الغذائي، ومشروعات المياه والصرف الصحي وبناء الطرق، لتتطور شبكة العلاقات التجارية، إلى ما يشبه المؤسسات الاقتصادية، ذات برامج التنمية المستدامة. على سبيل المثال يعد مشروع التمكين الاقتصادي للمرأة في كينيا الذي تساهم فيه إسرائيل، لدعم القدرات والتدريب في مجال التكنولوجيا الزراعية والأعمال التجارية الزراعية، من أبرز مؤشرات النفوذ الاقتصادي في شرق إفريقيا، إضافة لأنشطة أخرى متنوعة في محيط بحيرة فيكتوريا، كما تقوم "ماشاف" بتطوير الخدمات الطبية في أوغندا، وقد هيمنت على هذا القطاع، ونفس الأمر في الكاميرون، والتي تم فيها تأسيس وحدة للدراسات عالية التقنية، من قبل رجل الأعمال الإسرائيلي "أوري سيلا"، بدعم مباشر من السفارة الإسرائيلية، وتنشط السفارات الإسرائيلية في أنحاء إفريقيا بشكل عام في تسيير القوافل الطبية وحملات التطعيم من الأوبئة والأمراض، كما تنشط إسرائيل ضمن برنامج التنمية الأمريكي Power Africa المتعلق بتزويد دول إفريقيا بالكهرباء.
ويمكن القول، أنّ تصاعد النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا يأتي من خلال البرامج الاقتصادية، وهو الأمر الواضح منذ اللحظة الأولى، حيث يتم التأثير عن طريق تلبية جزئية للاحتياجات، تتصاعد بالتوازي مع تزايد النفوذ السياسي، في استراتيجية تقوم على أهداف محددة، تستهدف منح الدولة العبرية مزيدًا من الاعتراف الدولي، للتغطية على أنشطتها الإجرامية في فلسطين، وتفتيت كتلة تصويتية كبيرة ممثلة في الدول الإفريقية، بالإضافة إلى عدة مكتسبات اقتصادية تمنحها الهيمنة السياسية مزيدًا من الأرباح.

