Menu

النموذج الجنوب إفريقي والتجربة الفلسطينية

حيدر عيد

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص  الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).

يقول كارل ماركس "إنّ التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة" وما نراه الآن في فلسطين هو المأساة والمهزلة معًا. ويبقى السؤال عن المقارنة بين التجربة الجنوب إفريقية ونظيرتها الفلسطينية محل اهتمام الغالبية الساحقة من المنخرطين/ات في النشاط السياسي بالذات، بعد فشل المفاوضات العبثية على مدار ربع قرن من الزمان بين طرف استعماري ينطبق عليه تعريف الاستعمار الاستيطاني من ناحية, وطرف مستعمَر يعاني أشكالًا مركبة من الاضطهاد صغر نضالاته للوصول إلى تحسين شروط القهر الاستعماري, ومن ثم ثبات استحالة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، حتى كبانتوستان عرقي، على جزء صغير من أرض فلسطين التاريخية. وبالتالي ترسيخ حقيقة أن الكيان الموجود بين نهر الأردن والبحر المتوسط هو دولة واحدة خاضعة بالكامل لسيطرة استعمارية قهرية في معظمها, وإن كانت أحيانًا تُجملّ نفسها من خلال استخدام خطاب يبدو في مظهره ليبراليًا يدعو للحوار بين طرفين متساويين في القوة, وأن القضية يمكن حلها من خلال كسر ما يسمى بالحاجز النفسي بغض النظر عن سياسة الاحتلال و الأبارثهيد والاستعمار الاستيطاني.

من هنا تأتي أهمية ملف مجلة "الهدف" عن إفريقيا وبالذات المحور المتعلق بجنوب إفريقيا, أرض نيلسون مانديلا وستيف بيكو وديزموند توتو. قد تكون مقولة مانديلا: "نحن نعلم جيدا أن حريتنا ناقصة من دون حرية الفلسطينيين"؛ مدخلًا جيدًا لفهم تلك العلاقة التي تربط بين الشعبين وتوقهما للحرية, وإن اختلفت قدرة القيادتين في خلق برامج كفاحية مناسبة للتعبير عن نضالهما.  إن أي تحليل تاريخي نقدي للمستنقع الفلسطيني الحالي لا يمكن إلا أن يقود  إلى العلاقة بين الصهيونية و الأبارثهيد من ناحية، وسياسة الاستيطان الاستعماري من ناحية أخرى.

قامت الرأسمالية المركزية والمستعمرين البيض في جنوب إفريقيا في القرن ال19 بتهجير العديد من المجتمعات الأفريقية الزراعية وسلب أراضيهم، ومن ثم تحويلهم إلى أيادي عاملة رخيصة تم استغلالها لنهب المناجم المحلية. لقد تم تهجير السكان الأصليين إلى مناطق جرداء مما أجبرهم للرضوخ لمطالب المستعمرين العنصريين وتحويلهم لقوة عمل رخيصة لعدم وجود أي بديل آخر لديهم. ولكن قوة العمل هذه تحولت إلى القاعدة الإنتاجية التي أرست أسس الصناعة الجنوب إفريقية الحديثة.

إن عملية سلب واستعباد السكان الأصليين قد حولتهم من مجتمعات ديناميكية إلى سكان معازل عرقية بلا أي استقلال، وفي المحصلة النهائية قيام نظام الأبارثهيد. ولكن لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن عملية التحول هذه لم تكن أحادية الجانب؛ فخلال عملية السلب هذه وتحويل جنوب إفريقيا إلى نموذج للتفوق والسيادة العنصرية تم تعبئة المجتمع الدولي من خلال النضال الجنوب الإفريقي والحملة المناهضة لنظام الأبارثهيد التي قام بها الجنوب أفارقة واستهداف فائض القيمة الاستغلالي.

إن أوجه الشبه بين نظامي الأبارثهيد في جنوب إفريقيا وفلسطين المحتلة متعددة -قوانين المواطنة, الاعتقال الإداري, تقييد حرية الحركة, البناء والتملك, استهداف الناشطين..الخ- وبالضبط كما كان نظام الأبارتهيد يمنح حق المواطنة للسكان البيض ويعزل السكان الأصليين في معازل عرقية, فإن الصهيونية اليوم تعطي كل اليهود حق المواطنة. بمعنى أن حق المواطنة بناء على الهوية العرقية تم استبدالها بالهوية الدينية! وكما تم سن قوانين تمنع حرية حركة المواطنين السود, فإن إسرائيل لا تتوانى عن بناء نظام عسكري عنصري بغيض يحد من حرية حركة السكان وذلك من خلال شبكة معقدة من (المحاسيم), طرق مخصصة للمستوطنين اليهود فقط, جدار فصل عنصري. ويتم كل ذلك بغطاء (قانوني) عجيب يتحكم بحياة الفلسطينيين اليومية وبطريقة معيشتهم. كلا النظامين تشكلا عبر عملية استعمار استيطاني لعبت الأيديولوجيا العرقية والإثنية والدينية دورًا هائلًا في تبربر ما قام المجتمع الدولي لاحقًا باعتباره ثاني أكبر جريمة ضد الإنسانية, ألا وهي الأبارثهيد.

و في هذا السياق أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) في آذار/مارس 2017 تقريرًا رصينًا يوثق الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، ويخلص إلى أن إسرائيل أنشأت "نظام أبارثهيد" يضطهد الشعب الفلسطيني بكل مكوناته ويهيمن عليه. ما يهمنا نحن الفلسطينيون هو الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من حالة جنوب إفريقيا، وتحديدًا الاعتراف بالفصل العنصري كنظام مقنن للتمييز العنصري تمارسه إسرائيل واعتباره في نفس الوقت   نظامًا رأسماليًا عنصريًا. بمعنى آخر ربط القانون الدولي بالبعد الاقتصادي في إطار ما يسمى بالاقتصاد السياسي.

من ناحية القانون الدولي؛ فإن اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها تعرّف الفصلَ العنصري على أنه جريمة تنطوي على "الأفعال اللاإنسانية المرتكبة لغرض إقامة وإدامة هيمنة فئة عنصرية ما من البشر على أية فئة عنصرية أخرى من البشر واضطهادها إياها بصورة منهجية". كما أن  نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعرّف الفصلَ العنصري كجريمة تنطوي على "نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى".

وبناء عليه, و بعد دراسة القوانين العنصرية التي أقرتها إسرائيل في تعاملها مع مكونات الشعب الفلسطيني الأريع، سكان الضفة و غزة وعرب ال48 والمقادسة بالإضافة للاجئين، خلص تقرير الإسكوا إلى أن نظام الفصل العنصري في إسرائيل يجزئ الشعب الفلسطيني ويخضعه لأشكال مختلفة من الحكم العنصري.

والحقيقة هي إن صفحات التقرير ال 74, والمُلحقين، كلها تشير إلى أن إسرائيل هي دولة استعمار استيطاني تمارس سياسة الأبارثهيد بشكل فج. وفي اعتقادي أن عدم قدرة "النخب" الفلسطينية على استيعاب ذلك نابع ليس فقط من التراكمات التنازلية التي صاحبت تطبيق اتفاقيات أوسلو، بل ترجع إلى التحول البرامجي لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها وتبنيها بشكل لا لبس فيه حل يقوم على أساس أن إسرائيل هي دولة كولونيالية تمارس الاحتلال العسكري المباشر في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبالتالي تم نزع صفة الاستعمار الاستيطاني عنها، والتغاضي عن أنها، وككل دول الاستعمار الاستيطاني، مارست التطهير العرقي والأبارثهيد، مع جنوحها لاستخدام أكبر جريمة حرب ضد الإنسانية بشكل متدرج، كما يجادل المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إيلان بابيه، ضد فلسطينيي غزة، أي الإبادة الجماعية.

والحقيقة هي أن التقرير يتعامل بشكل واضح مع القضية الفلسطينية من منطلق حقوقي بحت ويتجنب الدخول في الحلول السياسية وفي مناظرة حل الدولتين أو الدولة الواحدة، وإن كان يلمح للنموذج الجنوب إفريقي. بما يعني رغم عدم تبني التقرير لأي حل سياسي للقضية الفلسطينية، وهذا يحسب له، حيث أن ذلك متروك للمضطهَد الفلسطيني، فإن دراسة النموذج الجنوب إفريقي تطرح أنه قد آن الأوان لتحدي حل الدولتين العنصري كونه لا يلبي الحد الأدنى من الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، من حرية وعودة ومساواة. وهي حقوق كفلتها الشرعية الدولية، مما يعني أن "الإجماع" الفلسطيني،" المبني على ما يُدّعى أنه إجماع دولي، يقوم على أسس قانونية مهلهلة! وكما يحاجج المؤرخ الإسرائيلي الشجاع إيلان بابيه في كتابه الأخير (أكبر سجن على سطح الكرة الأرضية)، عند قيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، كان هناك شبه إجماع داخل الكابينت الإسرائيلي أن كلا القطعتين يشكلان جزءًا من أرض إسرائيل، ولكن الخلاف كان على كيفية إدارتهما، إما (كسجن مفتوح) يتحرك النزلاء "المطيعون" داخله بحرية، مع إعطائهم تصاريح للخروج منه, والثاني (معسكر اعتقال كبير) يتم حصارهم به! وأن احتلال مناطق ال67 عسكريًا ما هو إلا امتداد للحكم العسكري الذي كان مفروضًا على مناطق ال48 حتى عام 1966، وأن الرأي العام الإسرائيلي كان يؤمن أن عدم احتلال الضفة عام 48 كان خطأً كبيرًا، وبالتالي كان الخلاف ليس على مبدأ الاحتلال نفسه، بل على كيفية إدارة "المناطق"، وبالتالي فإن "عملية السلام" تستخدم للمحافظة على أراضي الضفة الغربية.

 وهكذا يصبح حل الدولتين/السجنين عمليًا ترسيخ للهيمنة الإسرائيلية بالكامل. السجن الأول يتم الوصول إليه من خلال "عملية سلام" يتم تسويقها للعالم ونتيجة "لتنازلات صعبة" تقدم عليها إسرائيل، ويصبح قطاع غزة، السجن الثاني، نموذجًا لما سيحصل لأي فلسطيني يحاول التمرد على هذا الواقع العنصري؛ سجن يتكدس به سكان الأرض الأصليين الذين تم طردهم من قراهم ويتوجب عقابهم بسبب أنهم لم يولدوا لأمهات يهوديات! وهنا تأتي أهمية فهم طبيعة البانتوستانات الجنوب إفريقية التي قام نظام الأبارثهيد بمنحها لبعض الأفارقة بعد أن أطلق عليها لقب "أوطان مستقلة" على أقل من 12% من أرض جنوب إفريقيا.

ولكن القانون الدولي له حدود معينة وقيود لا يمكن تجاوزها، وهذا يتطلب منا دراسة موضوعية متأنية للحل الجنوب إفريقي الذي أدى إلى زوال نظام الأبارثهيد سياسيًا، مع البقاء على التمييز الاقتصادي في مرحلة ما بعد الأبارثهيد، وضرورة مواجهة الدولة العبرية ككيان أبارثهيد والنظام الرأسمالي العنصري في الوقت نفسه، حيث أن جنوب إفريقيا الآن وبعد القضاء على الفصل العنصري منقسمةً ولا مساواة اجتماعية فيها بسبب مواجهة العنصرية وإغفال مجابهة هياكل الرأسمالية. وهكذا تحولت العنصرية الرأسمالية إلى نيوليبرالية تشرعن اللامساواة والاضطهاد الطبقي العرقي. وعلى حركة التحرير الفلسطينية الاستفادة من دراسة نجاح النضال في جنوب إفريقيا, ولكن بوسعها أن تستفيد أكثر إذا فهمت حدوده وقيوده. فعلى الرغم من أن السود في جنوب إفريقيا حصلوا على المساواة القانونية رسميًا، فإن عدم التصدي لاقتصاديات الفصل العنصري فرض قيودًا حقيقية على عملية إنهاء الاستعمار.

من نفس المنطلق التحليلي نستطيع أن نجادل أن الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي يعمل الآن من خلال الرأسمالية العنصرية النيوليبرالية التي حولت الفلسطينيين إلى مجموعات سكانية يمكن التخلص منها. علينا إذًا فهم الديناميات النيوليبرالية في النظام الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي من أجل تطوير استراتيجيات تتصدى للأبارثهيد الإسرائيلي، ليس فقط كنظام هيمنة عنصرية، بل أيضًا كنظام رأسمالي عنصري.

فهل سيعيد التاريخ نفسه مرة أخرى في فلسطين ما-بعد-الأبارثهيد الصهيوني؟ أم سنخلق فضاءً جديدًا خاليًا من كل أشكال الاضطهاد؟!