(تنشر بوابة الهدف قراءة خاصة في الكتاب المرفق مع مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميا (1482) بالتسلسل التاريخي، وعنوانه: عبد الناصر والثورة الإفريقية لمؤلفه محمد فايق مدير مكتب الرئاسة ومبعوث الرئيس عبد الناصر للشئون الأفريقية والأسيوية. القراءة من إعداد الكاتب والباحث السياسي د. طلال أبو ركبة).
يرى الكاتب والصحفي المشهور محمد حسنين هيكل، أن "تاريخ كل أمة خط متصل، وقد يصعد الخط أو يهبط، و قد يدور حول نفسه أو ينحني و لكنه لا ينقطع". من هنا كان من الأهمية تناول كتاب "عبد الناصر والثورة الأفريقية"، فالأمة التي تحفظ تاريخها، تحفظ ذاتها.
لا تأتي هذه القراءة للكتاب، من باب التمجيد الشخصي، أو البكاء على أطلال الذكريات، بقدر ما هي محاولة لمراجعة تاريخ ممتد للسياسة الخارجية المصرية ودورها في تبني قضايا دولية "عربية وأفريقية"، خصوصًا وأن مؤلفه السيد/ محمد فايق ليس مؤرخًا مهتم بكتابة التاريخ، وإنما أحد أبرز الفاعلين في هذه السياسة بحكم ما كان يشغله من منصب كمدير لمكتب الرئاسة ومبعوث الرئيس للشئون الأفريقية والأسيوية، أي أنه بمثابة الشاهد واللاعب في حقبة تاريخية هامة من تاريخ مصر المعاصر.
تناول الكتاب الذي جاء في 256 صفحة، ومن خلال سبعة فصول؛ تطور الحركة السياسية في إفريقيا منذ مرحلة الرقيق الأبيض، وصولًا إلي عصر العولمة، إلا أن قيمته لا تقف عند السرد التاريخي للأحداث، والمراحل، والمتغيرات التي مرت بها القارة الإفريقية، ومرتكزات السياسة الخارجية فيها، بقدر ما حملت قيمة الالتفات المبكر إلى هذه القارة ليس من باب الانتماء لها فحسب، وإنما من باب الإدراك أن المعركة ضد الاستعمار ليست بأي حال من الأحوال معركة محلية، وإنما هي ممتدة إلى أعماق القارة الإفريقية، كما هي ممتدة على طول الوطن العربي وإلي كل مكان يقاوم الاستعمار والسيطرة الأجنبية، وهو ما شكل خطًا ثابتًا في سياسة عبد الناصر باعتبار أن هذه القوى تشكل خطرًا كبيرًا على كافة الدول المستقلة حديثًا.
يؤكد الكتاب عبر صفحاته الممتدة على أن التدخل المصري في الأزمات والمشاكل الإفريقية، جاء استكمالًا لتحقيق أهداف ثورة 23 يوليو، فالاشتباك مع الاستعمار الأوروبي لم يتوقف عند حدود مصر الجغرافية، بل تعداها ليشمل كل بقعة في إفريقيا، لتصبح القاهرة بذلك أحد القواعد الأساسية لحركات التحرير في العالم، وخصوصًا حركات التحرر الأفريقية.
فالدور الذي حاولت السياسة الخارجية المصرية القيام به في القارة الإفريقية، تمثل في استرداد الشعوب الإفريقية التي قهرها الاستعمار وأطبق على أنفاسها لقرونًا طويلة، وزرع الإحساس بالعزة والكرامة والكبرياء والفخر والانتماء إلي تاريخ وحضارات ذات ماضٍ وذات مستقبل.
ويرى الكتاب أن تأثير ثورة يوليو في إفريقيا يعادل تأثير الثورة الفرنسية في أوروبا، باعتبارها بداية التحول العظيم، والقوة الدافعة لكافة الشعوب الإفريقية في محاولتها التخلص من الاستعمار، إذ قدمت ثورة يوليو نموذجًا جديدًا للتحرير في إفريقيا، لم تكن الحركات الوطنية الإفريقية تعرفه. فلم يكن هناك طريقًا للاستقلال في فكرها سوى طريق التطور الدستوري، وهو الطريق الذي نالت به الهند استقلالها، فكان أسلوب استخدام القوة والضغط الذي قدمته ثورة يوليو في الضغط على الإنجليز لجلاء قواتهم عن مصر من خلال تنظيم المقاومة المسلحة ضد الوجود البريطاني في منطقة القتال. ومعركة السويس لاحقًا نموذجًا فارقًا بالنسبة لحركات التحرر الوطني الأفريقي. مما جعل مصر نقطة انطلاق وقاعدة للثورات الإفريقية، كما كانت قاعدة للثورة العربية، وهو ما شكل التزامًا مصريًا بقضايا التحرر العربي والأفريقي، قوة إضافية في مقاومة الاستعمار في جميع أجزاء القارة الإفريقية.
استندت استراتيجية عبد الناصر لسياسة مصر الخارجية كما حددها في كتابه فلسفة الثورة من خلال ثلاث دوائر، وهي العربية والإفريقية والإسلامية، وبذلك فإن إفريقيا تتقاطع فيها الدائرتان العربية والإسلامية. ومن هنا فلقد رأى عبد الناصر أن الحركة الإفريقية لا يجب أن تبقى في مجملها مقصورة على إفريقيا السوداء، وأن الوحدة الأفريقية يجب أن تشمل شمال القارة وجنوبها كما جاء في كتابه فلسفة الثورة "..أننا لا نستطيع بأية حال أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور في أفريقيا بين خمسة ملايين من البيض، ومائتي مليون من الأفريقيين، وسوف تظل شعوب القارة تتطلع إلينا نحن الذين نحرس الباب الشمالي للقارة والذين نعتبر صلتها بالعالم الخارجي كله. لن نستطيع بحال من الأحوال أن نتخلى عن مسؤولياتنا في المعاونة بكل ما نستطيع على نشر النور والحضارة حتى أعماق الغابة العذراء، إن القارة المظلمة الآن مسرح لفوران عجيب مثير، ولن نستطيع بحال من الأحوال أن نقف أمام الذي يجري في إفريقيا ونتصور أنه لا يمسنا ولا يعنينا". هذه هي نقطة التحول في تاريخ السياسة المصرية واستراتيجيتها وبداية الاهتمام على أساس وحدة النضال من أجل تحرير إفريقيا كلها؛ فالتدخل المصري جاء في إطار اكتشاف مصر لشخصيتها الحقيقية ولوجهها الإفريقي الحقيقي.
من هنا كان تبني عبد الناصر في كل مواقفه لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأراد من خلال مواقفه أن تكون الروابط الإفريقية منبثقة عن رغبة الشعوب وليس استنادًا إلى حقوق مكتسبة من التاريخ أو القوة والإملاء. واعتبر أن الصراع مع القوى الاستعمارية في قلب القارة الإفريقية، هو امتداد للصراع العربي الإسرائيلي، ولذلك كان يرى في إفريقيا ساحة مواجهة مع إسرائيل التي تمثل أداة استعمارية يجب مقاومتها.
يكشف الكتاب عن الدور الإسرائيلي الملتبس في الدول الإفريقية، والذي كان يتم من خلال النشاط الإقتصادي، مثل تقديم القروض والخبرة الفنية وتدريب بعض جيوش هذه الدول وإمدادها بالسلاح، وهو ما رآه عبد الناصر خطرًا ويجب مقاومته باعتبار النشاط الإسرائيلي في هذه الدول هو امتداد للسيطرة الاستعمارية ويتناسب الوجود الإسرائيلي طرديًا مع مدى نجاح القوى الاستعمارية والإمبريالية في التواجد في الدول الإفريقية من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن النشاط الاقتصادي الإسرائيلي في ذلك الوقت كان يهدف إلي حصول إسرائيل على اعتراف من قبل هذه الدول بها، خصوصًا وأنها في تلك الفترة كانت مشكلة الاعتراف من المشاكل التي تؤرق إسرائيل. لذلك اعتبر مقاومة النشاط الإسرائيلي في إفريقيا هو في الأساس مقاومة للسيطرة الاستعمارية على هذه الدول وهو ما أسماه بالاستعمار الجديد.
على الجانب الأخر رفض سياسة البلقنة التي كانت تقوم بها الدول الاستعمارية في إفريقيا بقصد إنشاء دويلات صغيرة وتوريثها كل أسباب الخلاف مع جيرانها، بحيث تبقى دائمًا في حالة خطر ومعتمدة على وجود الاستعمار لحمايتها. واعتبر أن الوحدة الإفريقية وقيام منظمة الوحدة الإفريقية ضربة قاضية لفكرة الفصل بين إفريقيا العربية وإفريقيا السوداء، وسقوط الصحراء كعازل أريد له أن يفصل شمال القارة وجنوبها، لتأخذ الوحدة الإفريقية المفهوم القاري، وأن الارتباط بإفريقيا في منظمة تجمع كافة دولها ميزة هامة في التغلب على القوى الاستعمارية وفي مقدمتها إسرائيل، وأن إقامة هذه الوحدة بمثابة مقاومة فاعلة للتوسع الإسرائيلي في القارة الإفريقية.
لم تقتصر المسئولية المصرية على مساعدة الدول في الحصول على استقلالها فقط، ولكنها امتدت لمرحلة ما بعد الاستقلال، حيث كانت السياسة الخارجية المصرية تستشعر بمسئولية خاصة حيال الدول الإفريقية حديثة الاستقلال، لتخوفها من تكبلها باتفاقيات وارتباطات غير متكافئة مع دول الاستعمار القديمة، حيث كانت ترى أن استكمال استقلالها وارادتها تأمينًا وتعزيزًا لمصر واستقلالها؛ لذلك فلقد تبنت المواقف المصرية وجهة النظر الوطنية الإفريقية والدفاع عنها، وقدمت المشورة السياسية والخبرة القانونية للأحزاب والحركات الوطنية وساعدتها في مقاومة المناورات التي تهدف إلي تأخير تَسَلّم الوطنيين للسلطة من قبل المُستعمِر.
يُبرز الكتاب الأدوات التي وظفتها السياسة الخارجية المصرية في دعم النضال الإفريقي ضد الاستعمار وأشكال الدعم الذي قدمته من خبرات فنية، أو قروض، أو تدريب للجيوش، ومساعدات عسكرية، وإنهاء احتكار السلاح من الدول الغربية، وفتح قنوات لتسليح الدول الإفريقية من الكتلة الشرقية في ذلك الوقت.
إضافة لذلك يظهر التوظيف الحقيقي للقوى الناعمة المصرية متمثلة في تمكين الأفارقة من الالتحاق بالتعليم في الجامعات المصرية، وخصوصًا الأزهر الشريف، وإعطائهم المنح في المدارس والمعاهد والجامعات المصرية، أو من خلال مساعدتهم في إقامة المدارس وإمدادهم بالكتب والمدرسين، من أجل مساعدتهم على إدارة شئونهم بأنفسهم.
يضاف لذلك فتح موجات إذاعية موجهة للقارة الإفريقية وبكافة اللغات الأفريقية، لتوعية المواطن الإفريقي بخطورة السياسات الاستعمارية، ودعم الحركات الوطنية الإفريقية، وإيصال صوتها لكافة المواطنين في بلدانها.
يختتم الكتاب فصوله بالحديث عن إفريقيا والتنمية، ليوضح للقارئ كيف أن السياسات الاستعمارية منذ دخولها إفريقيا قبل ما يقارب 400 سنة، تسببت في تحطيم التوازن الداخلي الذي تقوم عليه أسس التنمية والتطور الذاتي، من خلال إقحام عوامل غريبة عن القارة للتحكم في مقدراتها واتباع سياسات من شأنها فرض الحضارة الغربية وطمس ما عداها، وتعرضت إفريقيا لعملية نهب لثرواتها بعد أن تعرضت لتفريغها من قواها البشرية بأبشع الطرق في عملية نقل الرق عبر الأطلنطي، ولا تزال عملية النهب للثروات مستمرة حتى الآن حتى وإن تغيرت صوره وأساليبه.

