من المعروف أن نشأة المسيحية كديانة سماوية تؤرخ بميلاد السيد المسيح عليه السلام في الأرض المقدسة فلسطين، أما اعتناق الغرب للمسيحية فقد كان في فترة الإمبراطورية الرومانية، حيث جاءت المسيحية من الشرق وانتشرت في القارة الأوروبية كديانة سائدة غير وضعية في مواجهة استبداد السلطة السياسية في أوروبا، وبذلك قامت الحضارة الغربية أساسًا على مكونات ثلاثة: الإغريقية والمسيحية الغربية والنظرة المادية؛ الأمر الذي جعل المسيحية الغربية تختلف عن المسيحية التي عرفها الشرق بحكم هذه العلاقة التي نشأت عن الامتزاج، حيث الاستقرار العاطفي والديني بين جماهير الشرق المسيحيين في الاحتفال بأعياد الميلاد المجيد التي تأتي في كل عام في مثل هذه الأيام.
تجب الإشارة إلى الوجه الأصيل للمسيحية كديانة ظهرت في الشرق وحافظت على نقائها ولم تختلط بغيرها من المكونات الحضارية الأخرى كما حصل في الغرب؛ فبقيت تستمد أصولها من قيم التسامح والتعايش والسلام بعيدًا عن التمييز والاضطهاد التي مارستهما المسيحية الغربية، فتعانق الصليب والهلال في الحركات الوطنية العربية ضد الاستعمار الغربي وكان ذلك بارزًا في ثورة 1919 ب مصر التي قادها الزعيم سعد زغلول... كما أسهمت ابداعات الأدباء والكتاب العرب المسيحيين في بلاد الشام بدور ريادي في تجديد الحركة الأدبية والفنية والنهوض بها والتي كان قد أصابها الجمود والانحطاط الفكري في فترة الهيمنة العثمانية على الوطن العربي، حيث أوجد الحكام الأتراك من السلاطين العثمانيين ممن يحملون في معتقداتهم السياسية نزعة طورانية عنصرية، علاقة متأزمة بين الدين والفكر، بما فرضوه على الشعوب العربية من سياسات مثل حركة التتريك التي هاجمت العروبة مهاجمة عنيفة من خلال محاربة أهم مقوماتها المتمثلة باللغة العربية، وكانت حركة التتريك هذه بمثابة محاولة سياسية عنصرية لتقويض القومية العربية بذريعة شرعية السلطة الدينية والسياسية المتخلفة.
في الاحتفال بأعياد الميلاد يتضح بجلاء تاريخ المسيحية في بلادنا العربية، وهو تاريخ حافل بالمودة والتسامح والتعايش، وكان ذلك في عهود مختلفة من الحضارة العربية الإسلامية على اختلاف أنظمة الحكم السياسية فيها؛ بينما تاريخ المسيحية الغربية وتاريخ الحضارة الغربية كذلك أيضًا تجاه شعوبنا العربية والإسلامية وتجاه شعوب العالم الثالث هو تاريخ صراع مضطرب بالحروب والنزاعات وملء بمظاهر التعصب والتمييز والاضطهاد والتجهيل الثقافي وتعميق التخلف الحضاري، وعلى الغرب المسيحي الذي يحتفل بأعياد الميلاد والتي كثيرًا من مؤسساته تقوم بممارسة هذه السياسات أن يراجع مواقفه السياسية والأخلاقية تجاه هذه الشعوب. أما في بلادنا فلسطين التي على أرضها ولد السيد المسيح رسول المحبة والمسرة والسلام يحتفل شعبنا بهذا العيد المجيد في ظل قمع الاحتلال الصهيوني الذي تجاوز كل الحدود، حيث نهب الأرض بالاستيطان المكثف في محاولة عنصرية لتغيير الواقع الديموغرافي، وحيث استباحة الأقصى يوميًا باقتحامات المستوطنين الصهاينة العنصريين، وحيث الإعدامات اليومية على الحواجز العسكرية الاحتلالية للشباب والنساء... وفي منطقتنا العربية عامة تدق أجراس الكنائس دقات حزينة وغاضبة من جراء ما حدث من ضرب أسس التعايش الذي أصاب البنية الاجتماعية ومكوناتها؛ بسبب هجمة التنظيمات التكفيرية الارهابية الظلامية... في دقات أجراس الكنائس في المنطقة العربية عمومًا وفي بلاد الشام والعراق ومصر خصوصًا، ما يوحي بضرورة التأكيد على مواجهة ومقاومة هذه التنظيمات والتيارات المدمرة للنسيج الاجتماعي لشعوب هذه المنطقة والإصرار على بقاء الوحدة والتعايش بين أبنائها من الأديان كافة.

