Menu

غباء الاحتلال!

عوني صادق

سياسة القمع «الإسرائيلية» ضد كل الفلسطينيين عموماً، وملاحقة المنظمات الفلسطينية الفاعلة خصوصاً، أمر طبيعي بعد أن أفرغ «اتفاق أوسلو» حركة (فتح) من دورها الوطني. و«إسرائيل» إذ تعتبر كل من يفكر منها في العمل المسلح ضد احتلالها «تنظيماً إرهابياً»، تتعامل معه بهذه الصفة، مرة بصورة جماعية، ومرة بصورة إفرادية. وتظل «سياسة الاستفراد» بهذه التنظيمات هي الأبرز بين كل السياسات المتبعة، بهدف إلغاء فكرة «الكفاح المسلح». وبينما يبدو التركيز، في إطار هذه السياسة، موجهاً أساساً إلى حركة «حماس» لأسباب معروفة، أهمها سيطرة الأخيرة على قطاع غزة، لا تترك الحكومات «الإسرائيلية» فرصة إلا وتستغلها لضرب التنظيمات الأخرى، ولنفس الهدف. وفي الأشهر الأخيرة، كان التركيز على حركة «الجهاد الإسلامي» على أساس أنها مسؤولة عن «الخروقات» الأخيرة التي استهدفت تخريب مباحثات «التسوية» مع حركة «حماس»، بزعم الصحافة «الإسرائيلية».

وحيث لم تتوقف ملاحقة أعضاء ونشطاء التنظيمات الرئيسية (حماس والجهاد والجبهة الشعبية) وقع التركيز مؤخراً على «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، فشنت الأجهزة الأمنية «الإسرائيلية» عليها حملة شرسة بدأت باعتقال سامر العربيد، ثم النائب خالدة جرار، ثم اعتقلت خمسين مواطناً كناشطين، بزعم أن الأول مسؤول عن تنفيذ «عملية النبع» التي قتلت فيها مستوطنة، وأن الثانية هي التي اتخذت قرار تنفيذ العملية، والمسؤولة عن «الإرهاب» الذي تمارسه «الشعبية» في الضفة الغربية! ولم يقدم «الشاباك» أي أدلة على هذه المزاعم، لكنه أعلن أنه سيقدم للمحكمة العسكرية «لائحة اتهام» تثبتها!
بعد هذا المدخل الذي يلقي بعض الضوء على الحملة الشرسة على «الشعبية»، نرى أن «إسرائيل» التي تتعامل بوحشية مع الفلسطينيين عموماً، تتصرف بغباء لا تخطئه العين. يتضح هذا الغباء من مقارنة أهداف السياسة القمعية «الإسرائيلية» بنتائج هذه السياسة. فحتى حركة «حماس» التي تعترف واقعياً ب «اتفاق أوسلو»، وتجري مفاوضات - عبر المخابرات المصرية - للتوصل إلى «هدنة طويلة الأمد»، كما يقال، تعلن يومياً تمسكها بسلاحها وبمقاومتها المسلحة. أما حركة «الجهاد الإسلامي»، والتي تتهم بأنها «أداة إيرانية»، فلا تتعامل لا مع «اتفاق أوسلو» ولا مع مخرجاته الفلسطينية، وتصر على الكفاح المسلح سياسة وحيدة لمواجهة الاحتلال وقواته. وكل محاولات الإيقاع بين الحركتين انتهت إلى الفشل. وأما «الجبهة الشعبية»، بدورها، فلا تعترف ب «اتفاق أوسلو»، وإن تعاملت مع بعض مخرجاته (السلطة الفلسطينية وبعض تحركاتها السياسية)، وهي تسلك طريق أمينها العام الشهيد أبو علي مصطفى ، الذي قال للصحفيين فور عودته إلى فلسطين المحتلة: «عدنا لنقاوم»، ولذلك لم يتأخروا في اغتياله في أغسطس / آب 2001، فرد الأمين العام الجديد، الأسير أحمد سعدات، على عملية الاغتيال تلك بتصفية الوزير المجرم رحبعام زئيفي، بعد شهر ونصف!

الغباء «الإسرائيلي» يعود إلى اعتقاد حكام الاحتلال الغاصب بأنهم من خلال جرائمهم التي يقترفونها ضد الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية، إنما يدفعونهم إلى الاستسلام و«نبذ العنف»، كما جاء في «اتفاق أوسلو» وملاحقه، ولا يعلمون أنهم إنما يكرسون القيم والقناعات التي تتلخص بضرورة مواجهة هذا الكيان بكل الطرق والوسائل الممكنة، وأولها وآخرها الكفاح المسلح، على قاعدة «ما بالقوة يسترد بالقوة». هذه حقيقة ثابتة في عقل الشعب الفلسطيني، وإذا كان طبيعياً أن يسقط البعض في مستنقعات اليأس والاستسلام، ويسقط البعض في مستنقع الخيانة، فالمؤكد أنه لم يستجب له إلا فئة قليلة وقليلة جداً، ولن يغير ذلك شيئاً من الحقائق الثابتة.

فضلاً عن ذلك، فإن «الاتهامات» الموجهة لبعض كوادر وقيادات ونشطاء «الجبهة الشعبية»، لن تسهم إلا في تأكيد «الجبهة» لموقعها في مقاومة الاحتلال، ودفعها لترسيخ مبادئها التي ورثتها من قادتها المؤسسين.

والمريح في المشهد، أن الغباء «الإسرائيلي» سيظل «فاعلاً» في الساحة الفلسطينية بهذا المعنى، وسيظل أكثر الأسباب إقناعاً للفلسطينيين عموماً، بأنه لا يمكن العيش مع هذا الكيان الغاصب، وأن شعار «إما نحن أو هم» سيظل الشعار المرفوع حتى تتحرر فلسطين، وسنكون «نحن» حتماً، طال الزمان أو قصر.