Menu

نحو بناء جبهة مقاومة عربية شاملة...

د. حسن خليل

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة  الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ).

هو سرّ من أسرار التكوين، سفره مسيرة نضالية صافية ونقية، خالية من أوبئة الطائفية والمناطقية. ميادينه رحاب القضايا الكبرى، قضايا التحرير والتحرر والإنسان، قضايا الفكر والايديولوجيا، قضايا الفقر والأوطان الحرة والشعوب السعيدة. مساحاته العالم بفضائه الواسع وأفقه اللامحدود. كُتب بمداد هو دماء الشهداء وعذابات الأسرى وتضحيات المناضلين. أمّا ساحاته فلا تتسع لها حدود ولا تمنعها موانع؛ هي فلسطين ولبنان، هي المقاومة الوطنية الفلسطينية واللبنانية، هي قصة الحكيم وأبي أنيس، وقصة أبي فياض وأبي على مصطفي، هي مسير ذاك الرعيل المؤسس، والذي خطّ دروباً ومسالك مشتها أجيال كثيرة، منهم من مضى وهو على إيمانه بعدالة قضيته، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.

اثنان وخمسون عاماً مرّت على الانطلاقة، تعادل العدد نفسه من السنوات على الهزيمة. فعلى أساس هذه المعادلة جاء الرد: هزيمة النظام الرسمي العربي في عملية المواجهة الشاملة في المنطقة، لا يقابله إلّا فعل ثوري ببعد تحرري، فكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. على ذاك الخيار رست بوصلة الجبهة، وعلى تلك البوصلة تحددت الاتجاهات. فلسطين كانت نقطة الارتكاز التي عليها جرى تثبيت الموقف، وأي خلل في التصويب كان يذهب في اتجاه خاطئ. لقد لاقت الانطلاقة مشروع "الأنصار" الذي حضّرت له الأحزاب الشيوعية العربية، وفي طليعتها الحزب الشيوعي اللبناني، كمشروع للحرب الثورية باتجاه فلسطين. فكانت تلك التجربة البكر لأول عمل مشترك وبقرار حزبي واع، وإن سبقته مشاركة أحزاب شيوعية عربية عبر مناضليها في حروب فلسطين وفي دعم ثورتها.

لم تكتمل التجربة بل تحولت، ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية واتساعها، إلى جبهات مفتوحة وعلى امتداد دول الطوق؛ جبهات كانت، ويا للأسف، مجمدة بقرار رسمي عربي متواطئ، هادن العدو وقمع المقاوم ومنعه، ما جعل أمر المواجهة يتموضع حصراً ومجدداً في كنف الأنظمة وتحت سيطرتها، فكانت تجربة الأردن وأيلولها الأسود، وكان لبنان ومخيماته. واقع جعل من التفتيش على هامش من مساحة مطلوبة، تُعبّر من خلالها القوى الثورية عن قناعاتها الفكرية والسياسية المقترنة بالممارسة المبدئية، المؤدية إلى تفعيل خيار المقاومة وتجذيره، من كل الجبهات وبالكفاح المسلح؛ إذ لا يجوز الرد على العدوان المستمر للعدو الصهيوني إلّا بذلك. لقد كانت تجربة الحرس الشعبي في لبنان باكورة ذلك القرار وتلك الوجهة، وبها ومن خلالها، كانت مشاركة ثوار فلسطين فيها؛ معاً باتجاه فلسطين المحتلة أو في التصدي للعدوان الصهيوني على القرى المواجهة للعدو ضمن إطار القوات المشتركة.

هكذا جاء المشروع البديل، مشروع مقاومة من نوع جديد؛ فعلٌ ثوري لنظرية ثورية. تحرير الأرض هو ميدانه، سواء أكان من احتلال أو انتداب، وتحرير الإنسان من التبعية وفك ارتهاناته هو هدفه، فكانت تلك المعادلة الواضحة بين التحرير والتغيير، وبناء عليها، وعلى أساسها، جاءت ثنائية الجبهة والحزب لتُقرن قولَ النظرية بتطبيقها الذي تجسد فعلاً مقاوماً بدأ ولمّا ينته بعد. ثم كانت جمول، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، أحد ميادين التطبيق العملي لمنطق النظرية الثورية وتوحيد القوى وتركيز الجبهات. من هنا انتقل الفعل لتمتين القواعد الوطنية لمشروع التحرير والمقاومة. فكما كانت بوابة المقاومة الفلسطينية هي المعبر العربي الصحيح لمواجهة الاحتلال إلى الداخل الفلسطيني، كانت أيضاً جمول هي بوابة المعبر العربي للمقاومة في لبنان، وهنا لا نذيع سراً بالكلام عن الدور الحقيقي لليسار الفلسطيني، وفي المقدمة منه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في تفعيل هذا الخيار والمشاركة فيه.

لقد كانت المقاومة الوطنية اللبنانية هي التجربة المباشرة لكيفية خوض معارك تحرير وطني بقوى متنوعة ولكن باسم واحد؛ فكانت العمليات المشتركة للحزب والجبهة وتحت اسم جمول، التي انضوت تحت رايتها قوى لبنانية مختلفة، في سبيل خوض معركة كسر الاحتلال وطرده من كل الأراضي اللبنانية المحتلة. هي تجربة لم تكن مجرد تعاون بين الطرفين، بقدر ما كانت محاولة لوضع رؤية استراتيجية بهدف توحيد قوى المقاومة في منطقتنا العربية، في ظل غياب النظام الرسمي العربي وعجزه، لا بل تواطئه مع الاحتلال، عندما ترك بيروت محاصرة ولمدة ثمانين يوماً من دون أن يحرك ساكناً. لقد جاء البيان المشترك الشامل الذي صدر عن الحزب الشيوعي اللبناني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1984 ليشكل الأساس النظري لفعل المقاومة النابع من تشخيص مشترك لطبيعة الصراع في المنطقة، مثلما كانت تجربة جمول التجسيد العملي لكيفية التصدي له. وعلى تلك الأرضية المشتركة كان ترابط القضيتين الأساسيتين اللتين شكلتا ثنائية العمل المشترك، والمقصود بهما عمليتي التحرير والتغيير وربطهما بمشروع مواجهة شاملة ومشتركة، في وجه المشاريع الإمبريالية الغربية والصهيونية من جهة، وفي وجه أنظمة التبعية والارتهان من جهة أخرى.

إن ما يواجه منطقتنا، ليس اليوم فقط، بل منذ أكثر من ثلاثة عقود متتابعة، هي مفاعيل تلك المشاريع المتتالية التي ما دأبت تطل برؤوسها المتنوعة من كل الجهات، وبمختلف السبل والوسائل بهدف السيطرة والهيمنة وقهر الشعوب. لقد شكّلت تلك الحالة مشاريع ثانوية و قطر ية وداخلية بسبب ارتدادات المشروع الأم ونتائجه، ما جعل إمكانية المواجهة أدنى مستوى من خطورة الذي يجري ويُحضّر له. لقد تنوعت قوى المواجهة وتناقضت، وضاعت من على جانبيها الكثير من القضايا المحقة، كما خسرت شعوبنا العربية الكثير من الموارد والإمكانيات، والتي كانت ضرورية لتطوير عمل المقاومة وتوحيدها، إلّا أن ذلك لم يكن على مستوى الآمال المطلوبة. لقد ساهمت الحالة الدولية، المختلّة، أساساً في تثقيل كفة العدوان فيما تُركت كفة المواجهة تخضع لتضارب المصالح والأولويات ومحاولات المصادرة والاحتواء.

وعلى ذلك حاولت القوى اليسارية العربية جمع صفوفها في اللقاء اليساري العربي بهدف توحيد أكبر قدر من الإمكانيات، ومن موقع يساري واضح الأهداف والمنطلقات. لقد لعب الحزب والجبهة دوراً جديّاً في تمتين تلك المبادرة ودفعا باتجاه تجذيرها كمشروع ثوري من خارج المتعارف عليه من مشاريع، وعلى قاعدة توحيد المواجهة وفي كل الساحات والميادين. لم يخرج ذلك اللقاء، بدوره، عن رتابة بعض اجتماعاته الدورية وببيانات لا تنفك تردد المواقف نفسها مع عدم فعالية واضحة ومؤثرة بسبب ضعف تلك القوى وقلة إمكانياتها من جهة، وللحسابات الضيقة لبعض مكوناتها نتيجة حالات خاصة لكل حزب في دولته. هذا الواقع المؤسف، والذي تُرجم بغياب كليّ للخطاب اليساري عن خريطة القوى السياسية التي تتنازع المشهد السياسي اليوم في وطننا العربي. وعلى تلك القاعدة، برز، وخلال فترة الانتفاضات الشعبية العربية التي بدأت منذ 2010، بعض الوجود اليساري في أكثر من ساحة، إلّا أنه غاب مبكراً، ثم ضاع بين هوية مفقودة أو ملتبسة، وبين خطاب حاول كسر نمطية متوارثة، إلّا أنه، وفي الوقت نفسه، لم يستطع لا المحافظة على القديم ولا اجتراح خط جديد؛ هي إشكالية لم يجرِ التصدي لها وبجدية من نخب اليسار العربي ومفكريه، واقتصرت عمليات النقاش تلك على بعض المحاولات من هذا الحزب أو ذاك أو من هذه المنظمة أو تلك.

إن استمرار مفاعيل المشروع الإمبريالي الأميركي والملتحقين به من كيان صهيوني وأنظمة رجعية عربية - والذي يستهدف المنطقة ككل بمزيد من الاحتلال لدولها وتقسيمها إلى كيانات طائفية ومذهبية وأثنية، ونهب ثرواتها، وإفقار شعوبها، وإقامة القواعد العسكرية فوق أراضيها، والتصفية الكاملة للقضية الفلسطينية وإنهائها- أدى إلى تقسيم السودان والصومال، وسيؤدي إلى تفاقم الأوضاع، وازدياد المخاطر التي تهدد سوريا ولبنان والعراق وفلسطين واليمن والأردن ومصر... ما يستوجب التصدي له من خلال العمل على إطلاق وبناء "جبهة مقاومة عربية شاملة" على كل الصعد، وبمختلف أشكال النضال المشروعة، في مواجهة أهدافه الاستيطانية والجيو-سياسية والاقتصادية والاجتماعية، ودعماً لقضايا التحرر الوطني في بلداننا العربية، ونصرة لقضية فلسطين وشعبها كي لا يُترك وحيداً في هذه المعركة. وأيضاً مع لبنان في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة والخروق المتواصلة لسيادته، والمعرّض دوماً لاعتداءات صهيونية، ما يستوجب منّا التأكيد، وكما كان إطلاق جمول رداً طبيعياً على الاحتلال، فإن أي اعتداء سيواجه بالطريقة نفسها.

من هنا ندرك ضرورة تلازم هذا العمل مع تطوير أساليب النضال وتنويعها، وتحديداً في بلدان المواجهة المعرّضة للعدوان المباشر، بغية التصدي الناجح لمفاعيل تلك الصفقة، التي من المحتمل أن يطغى عليها، في الأمد القصير والمتوسط، الطابع العسكري. وهنا بالتحديد يأتي دورنا، وليس في أي مكان آخر، كقوى مقاومة بإمكانياتها المتاحة، وبالتنسيق في ما بينها، لتأمين أفضل شروط المواجهة، والعمل على تصعيد التحركات الأهلية والشعبية بهدف حشد وتعبئة طاقات شعوبنا – وبخاصة شبابنا – واقتصاداتنا ومؤسساتنا ومنابرنا الثقافية والإعلامية في مواجهة التطبيع بكل أشكاله، بالتزامن والتضامن مع العمل المقاوم في الداخل الفلسطيني ضد الاحتلال وضد نظام الفصل العنصري الذي يستهدف فلسطينيي الـ48.

وهذا الأساس يجب أن يشكل منطلقاً لبناء "المشروع السياسي" القائم على المواجهة الشاملة، في الخارج كما في الداخل: أي مواجهة المشروع الإمبريالي الأم عبر تعرية أدواته المحلية وتفكيكها. ولتأمين أفضل شروط النجاح في هذه المواجهة، لا بدّ من بناء وتطوير تقاطعات جدّية مع القوى المقاوِمة التي نتشارك معها مهمة التصدي لذلك المشروع الأساس، نظراً لأن أولوية هذا التصدّي تتجاوز، ولأسباب موضوعية وتكتيكية، غيرها من الأولويات.

من هنا، وارتكازاً على ما سبق، يجب المبادرة بالتوجّه نحو كل تلك القوى والأحزاب اليسارية والقومية في منطقتنا، المؤمنة بهذه الخيارات، والتي يمكن أن نشكل معها مجموعة ضغط نتفق وإياها على المبادئ والعناوين،  لحثّها على توحيد جهودها وطاقاتها لمواجهة المشروع الأساس وإسقاط صفقة القرن التي يجري العمل لتمكينها من إحداث اختراقات معّينة على غير صعيد. هذا ما جاءت به الورقة السياسية المشتركة التي وُقّعت بين الجبهة والحزب منذ سنة، والتي يجب أن تُستكمل الخطوات التنفيذية لبنودها، والتي بدأ بعضها وإن بخطوات بطيئة بعض الشيء.

هو مثالٌ فقط لتظهير هذا النمط من العلاقات بين فصيلين مقاومين جمعتهما المبادئ والقيم وفلسطين والمقاومة، وهو مثال على نوع من العلاقة النضالية بين حزبين تقاسما الخنادق والشهداء، ولتكن إذن دعوة مشتركة منهما لتمتين جبهة مواجهة شاملة بوصلتها فلسطين، وعندها، لن يضيع الجهد هباءً ولن تغشى الرؤية؛ فها هي القدس سترشدك إلى الهدف مهما علا الغبار من حولها.