لم يكد بنيامين نتنياهو رئيس حكومة تسيير الأعمال فى كيان الاحتلال الإسرائيلى أن يفق من نشوة ما اعتبره "نصراً تاريخياً" على منافسه الوزير السابق جدعون ساعر على رئاسة حزب الليكود، وهو الفوز الذى يضمن له أن يخوض معركة الانتخابات العامة المقبلة (2 مارس 2020) على رأس قائمة الليكود، حتى صدم بأنباء إجراء أول مناورة من نوعها بين إيران وكل من الصين وروسيا بدأت يوم الجمعة الماضى واستمرت حتى أمس الاثنين فى منطقة شمال المحيط الهندى وبحر عمان أى على تماس مع المياه الإقليمية الإيرانية وبالقرب من مضيق هرمز الذى يعد البوابة الوحيدة للخليج العربى.
وقع إجراء هذه المناورات على نتنياهو تجاوز الحدود التقليدية لمفهوم "الصدمة" نظراً لخطورة ما تمثله إيران حالياً بالنسبة لنظرية الأمن الإسرائيلية من ناحية كونها، وفقاً لتعبير مصطلحات هذه النظرية تعتبر "تهديداً وجودياً" أى أنها تهديد لوجود الكيان الإسرائيلى وليس لأمنه فقط، فى وقت وصل فيه الفكر الإستراتيجى الإسرائيلى إلى قناعة مفادها أن الحرب الشاملة مع إيران باتت مستحيلة لأسباب تتعلق بإسرائيل نفسها ولأسباب أخرى تتعلق بإيران. كما أن وقع هذه المناورات تجاوز الحدود التقليدية لمفهوم "الصدمة" من منظور توقيت إجراء هذه المناورات التى تزامنت مع أجواء نشوة النصر التاريخى، وتجاوز نتنياهو كل حدود الواقع وتحدياته وإعلانه برنامجاً سياسياً سيخوض به معركة الانتخابات العامة المقبلة، حيث بدى هذا البرنامج "محض نزوة" لرجل لم يعد يهمه إلا إنقاذ نفسه من السجن وتأمين وجوده السياسى.
فنجاح إيران فى إبرام اتفاق إجراء هذه المناورات فى شمال المحيط الهندى وبحر عمان مع كل من الصين وروسيا يحمل إشارة إضافية للإدراك الإستراتيجى الإسرائيلى بأن الحرب ضد إيران باتت خياراً مستحيلاً. فإضافة إلى ما يعلمه الإسرائيليون ويخشونه من امتلاك إيران لأسلحة قوية ومتفوقة وقادرة على الوصول إلى أى مكان فى إسرائيل وتدميره، جاءت هذه المناورة لتضع أسساً لما يمكن تصوره من "تحالف إستراتيجى" إيرانى مع اثنين من أكبر القوى الدولية عسكرياً واقتصادياً، أو هما القوتان الصاعدتين فى إدارة الصراع الدولى فى ظل ما بات شائعاً من إدراك لأفول أخذ يتهدد المكانة العالمية للقوة الأمريكية السند والحليف بل والرهان الإستراتيجى الذى ترتكز عليه نظرية الأمن الإسرائيلية.
وإذا كانت إيران قد أرادت أن تكون متواضعة فى تشخيص حدود القوة التى تمثلها تلك المناورات ونفت أى نية لتأسيس تحالف ثلاثى، فإن هذا التواضع يعكس مفهوماً صينياً، وربما روسياً فى إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، فى ظل حرص كل من بكين وموسكو على تثبيت أرضية نفوذ حقيقى مع حليف قوى فى هذه المنطقة فى مقدوره أن يوفر متطلبات لوجستية ضرورية للأساطيل الصينية والروسية عند مدخل الخليج العربى على التماس مع الوجود العسكرى البحرى الأمريكى والأوروبى. فعلى ما يبدو هناك حرص على عدم استفزاز الولايات المتحدة الآن، وإعطاء الأولوية لتثبيت الوجود والنفوذ وهما بدورهما كفيلان بتعزيز الفرص المواتية لمنافسة صينية - روسية حقيقية للأمريكيين فى المحيط الهندى وبحر عمان والخليج العربى فى خطوة استباقية من الصين بالمجئ إلى منطقة النفوذ التاريخى للولايات المتحدة رداً على جدية الإستراتيجية الأمنية الأمريكية بإعطاء كل الأولوية للصراع مع الصين فى جنوب شرق آسيا.
الوجود الصينى- الروسى فى هذه المنطقة ومن خلال الحليف الإيرانى من شأنه أن يجعل إيران بمنأى عن أى حرب أمريكية ضدها بكل ما يعنيه ذلك من انتكاسة للرهانات الإسرائيلية على حرب أمريكية ضد إيران لخدمة المصالح الإسرائيلية، فى ظل الإدراك الإسرائيلى الكامل للعجز عن خوض حرب شاملة ضد إيران بشكل منفرد وبعيداً عن الدعم الأمريكى.
هذا يعنى أن هذه المناورات تحمل دلالات كثيرة أبرزها تحييد التهديد الأمريكى لإيران، وأن الولايات المتحدة سوف تفكر عشر مرات قبل أن تتخذ قراراً بالحرب ضد إيران. فهم إسرائيل لهذه الدلالة سيفاقم من مأزق إسرائيل فى التعامل مع ما تمثله إيران من "تهديد وجودى"، للكيان الإسرائيلى فى ظل التفوق العسكرى الإيرانى الذى أضحى يمتلك "توازن الردع" مع القدرات العسكرية الإسرائيلية ومن هنا تجئ النكسة المعنوية لبنيامين نتنياهو الذى كان حريصاً أن يعيد تذكية نفسه مجدداً بأنه الرجل الوحيد القادر على قيادة إسرائيل ، والقائد الوحيد القادر ليس فقط على حماية أمن إسرائيل ووجودها من كل خطر وتهديد بل وتحقيق التفوق السياسى والإستراتيجى على كل الأعداء بمن فيهم إيران.
قبل إجراء هذه المناورات كانت حسابات إسرائيل مع ما استطاعت إيران تحقيقه من تفوق فى الأسلحة والعمليات العسكرية والتواجد القوى والمكثف فى الجوار الإقليمى لإسرائيل (فى العراق و سوريا ولبنان وقطاع غزة). وكانت هذه الحسابات شديدة التعقيد لأنها قلبت موازين التوازن الإقليمى رأساً على عقب. ففى الوقت الذى ضمنت فيه الولايات المتحدة لإسرائيل التفوق النوعى العسكرى على كل الجيوش العربية فى ظل كون واشنطن هى المصدر الأساسى، وربما الوحيد، لتسليح أغلب الجيوش العربية، ظهرت إيران كقوة إقليمية خارجة عن سيطرة التحكم الأمريكى- الإسرائيلى فى قدراتها العسكرية والتسليحية، ومن هنا كانت الصدمة الإسرائيلية الأولى، أى صدمة فلتان القدرات العسكرية الإيرانية من ضوابط التحكم الأمريكية التى تؤمن لإسرائيل التفوق النوعى المطلق على كل جوارها الإقليمى. الآن تجئ الصدمة الثانية مدوية من خلال التأسيس الإيرانى لنواة تحالف عسكرى مع الصين وروسيا، فى الوقت الذى كان ينوى فيه نتنياهو ممارسة الخداع للناخب الإسرائيلى بأنه بفوزه الجديد لزعامة الليكود لن يؤمن فقط أمن ووجود إسرائيل بل سيطلق قوتها دون حدود على نحو ما كشفت النقاط الست لبرنامجه السياسى الذى أعلنه يوم السبت (28/12/2019) بمناسبة فوزه بزعامة الليكود لتحقيق المزيد من الإنجازات التاريخية فى السنوات المقبلة.
فقد تضمن هذا البرنامج أو الخطة السياسية التى سيخوض بها نتنياهو الانتخابات المقبلة الأهداف الست التالية: وضع حدود نهائية لدولة إسرائيل قائمة على التوسع السيادى فى الضفة الغربية وغور الأردن وشمال البحر الميت، ودفع الولايات المتحدة للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على تلك المناطق ، والحصول على اعتراف أمريكى بتوسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل كل المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية، وإقامة تحالف دفاعى مع الولايات المتحدة، ثم بعد ذلك العمل على وقف إيران وحلفاءها بشكل حاسم، وممارسة الضغوط اللازمة من أجل التطبيع والاتفاقات التى ستؤدى إلى اتفاقات سلام مع الدول العربية.
بهذا البرنامج يكون نتنياهو قد وضع نفسه فى اختبار صعب ربما يكون طريقه إلى خسارة الانتخابات القادمة إذا ما استطاعت المعارضة إثبات عجزه الحقيقى عن حماية أمن إسرائيل والتصدى لإيران التى باتت تهديداً وجودياً للكيان الإسرائيلى فى تطور لم يحسب الإسرائيليون حساباته وهم يخططون لمستقبل إسرائيل قوة إقليمية مسيطرة.

