Menu

لبنان المنتفض: والتوازن المطلوب ببعديه الاجتماعي والوطني

نضال عبد العال

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة  الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ).

كل حديث يدور عن لبنان، أي كان المتحدث، من طرف المحتجين المنتفضين الحقيقيين، أو ممن يحاول أن يمتطي مطالبهم، أو من أطراف السلطة وأكثريتها، يبدا بلازمة التشديد على أن هناك مطالب محقة، وتبدأ المطالب المحقة من أبسط حاجات المواطن البسيط، وهي المأكل والمشرب، والمسكن والرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم، بل وربما ما دون ذلك، إذا كان هناك من دون!

إذا كانت هذه المطالب المحقة وباعتراف الجميع، تطال الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، فلهذا الحال معنى استثنائي، لا يشبه كل المعضلات والأزمات العادية التي تعيشها الأنظمة السياسية خلال مسيرتها.

حين تتسع طبقة المعدومين، فلا بد أنها استوعبت أفواجًا من طبقات أخرى، هي على الأرجح الطبقة الوسطى، ويبنى على هذا الاستنتاج نتيجة أخرى، أن المواجهة باتت مباشرة، بين طبقتين لا ثالث لهما، قلة من الأثرياء المتخمين ثراءً وفسادًا، وأكثرية من المسحوقين، هذه بالضبط هي صفات المأزق. ولكن، هل في لبنان طبقتين مكتملتي الملامح والتكوين؟ هنا يصير للمأزق المشار إليه آنفًا، خصوصية من استثنائية النظام الطائفي اللبناني، بل واستثنائية مضاعفة من خصوصية المنطقة وتداخلاتها، وتحدياتها المستجدة، المستمدة من حساسية كل ملف من ملفاتها.

في كتابه الهام "نقض الفكر الطائفي"، الصادر عن دار الفارابي ١٩٨٠، يشدد مهدي عامل في أكثر من موضع في الكتاب، ومن خلال تحليل مقالات ميشال شيحا، على هدف "التوازن الطائفي"، باعتباره الوصفة السحرية لديمومة الهيمنة الطبقية للبرجوازية اللبنانية، والذي كان (التوازن الطائفي) في زمانه يأخذ شكل استئثار المارونية السياسية بالسلطة التنفيذية من خلال صلاحيات رئيس الجمهورية. أي أن الهيمنة الطائفية للمارونية السياسية لم تستطع تأمين ديمومة النظام؛ ليقوم لاحقًا رعاة النظام الطائفي اللبناني، بابتداع صيغة جديدة منقحة هي اتفاق الطائف ١٩٨٩، في محاولة لتوسيع قاعدة "العدالة الطائفية"، عبر منح صلاحيات السلطة التنفيذية لمجلس الوزراء مجتمعًا، برئاسة سنية (السنية سياسية)، وذلك لضمان استقرار الوصفة السحرية "التوازن الطائفي"، وإعطاء روح جديدة لهذا النظام، وصفة جديدة لتجاوز أسباب اختلال التوازن الذي أدى إلى حرب أهلية طائفية مدمرة لأكثر من ستة عشر عامًا، واختلال النظام في تلك المرحلة أدى ألى اختراق التوازن الوهمي بين الطوائف، جراء الممارسة الطائفية للهيمنة الطبقية، فتشكلت قوى شعبية خارج بنيتها وثقافتها.

وحتى لا يبدو أننا نتحدث عن أشباح أو عن مخلوقات عجائبية خيالية، فإن الممارسة الطائفية للهيمنة الطبقية، هي استفحال ذهنية المحاصصة الطائفية بين أقطاب الطغمة المالية وممثليها في السلطة، دون أخذ مصالح الشرائح الأخرى في طوائفهم بالاعتبار. هذا هو الوضع اللبناني الراهن، قلة في كل طائفة، تحتكر الثراء والمناصب والمكاسب في السلطة، فيما يرزح باقي "رعايا" الطائفة تحت خط الفقر.

في لفتة عميقة ونظرة ثاقبة، يحذر مهدي عامل من الانزلاق في تحليل تركيب الطوائف، والنظر لها كتشكيل اقتصادي اجتماعي، ينبه مهدي عامل، من أنه لا يوجد "طبقة عاملة" في كل طائفة، إذا انوجد الوعي الطبقي، فهو حكمًا يتجاوز الوعي والتركيب الطائفي.

انطلقت الصرخات الأولى لاحتجاجات اللبنانيين، تحت ضغط الجوع والوجع، فتجاوزت المطالب جدران الطوائف، أو كما يسميها الكاتب حسن حمادة، معتقلات الطوائف، وسمعنا في الأيام القليلة الماضية، العديد من أصوات المحتجين في مختلف المناطق، تقول: (ان كنت سنيًا أو شيعيًا أو مارونيًا أو درزيًا..الخ لا فرق، فإن المطالب واحدة، والجوع لا يميز بين مسلم أو مسيحي). يمكن توصيف ذلك بأنه حس عام "للفرد الطائفي"، مستندًا إلى فقدان الحاجات الأساسية للإنسان، وهي الشرارة الأولى لتشكيل وعي يتجاوز غيتو العصبيات الطائفية، بيئة مناسبة لتشكيل وعي طبقي، لكن.. هل تجاوز اللبنانيون الوعي الطائفي؟

يفسر عدد من المراقبين والمهتمين، صرخات الاحتجاج، ومظاهر الانتفاض في كل منطقة وطائفة، بأنه تمرد "رعايا" الطوائف على أرباب الطوائف، وهي مبالغة كبيرة، لكن نظرة موضوعية لحجم الاعتراض وتجاذباته، أي القوى المؤثرة فيه، لا يسمح بالوصول إلى استنتاج، يبين بداية تفكك واضح للتركيب الطائفي، ما زالت الطوائف تقبض على كتلة وازنة من قاعدتها "رعاياها". مع ذلك، لا يمكن إنكار أو اخفاء تشكل بيئة حاضنة لخطاب مطلبي يكسر احتكار أرباب الطوائف للنطق باسمها أو تحديد مصالحها التي هي بلسان أربابها مصالح طغمة لا ترى حاجات "الرعية".

هي بداية لاختلال التوزن الطائفي، ناتج عن ارتفاع وتيرة التنافس بين أقطاب أرباب الطوائف وممثليها من طغمة مالية وسياسية، يؤدي إلى بدايات تمرد داخل المكونات الطائفية، دفع أرباب الطوائف لاستنفار جهودهم ومساعيهم، في محاولة إيجاد تسويات تحفظ استقرار النظام من جهة أولى، أي ما يسمى "بالتوازن الطائفي"، فكل ما يقدم الآن من تسويات ومخارج، لا يتجاوز محاصصة الطوائف وشرعياتها، كما يراها أربابها، لا كما يراها المنتفضون. والمثال الصارخ على ذلك، بعد استقالة الرئيس سعد الحريري وحكومته، والذي يتحمل أكثر من غيره مسؤولية ما وصل اليه البلد من أزمة، مباشرة أو باعتباره وريث المنظومة المالية الاقتصادية وممثلها الأبرز، إلا أن المكونات الطائفية الأخرى، لا زالت تتعامل معه وتتمسك به ارتباطا بشرعية تمثيله الطائفي، أي ما يسمى دستوريًا، الميثاقية، لأن تيار المستقبل يشكل الكتلة النيابية الأكبر سنيًا.

ومن جهة ثانية، تتوحد القوى الطائفية في مساعي استعادة السيطرة لكل منها على قواعدها الطائفية، من خلال استنفار العصبيات الطائفية وتحميل الانتفاضة مطالب ذات طابع طائفي، تخدم أجندات أرباب الطوائف وتبرز مشروعية مواقعهم الطائفية. كلما كادت الجهود التى تبذل لتأمين استعادة توازن النظام أن تنجح، ويتوافق ممثلي الطوائف على حد أدنى من التنازلات المتبادلة، كأن يرضى الرئيس الحريري تغطية شخصية سنية لرئاسة الحكومة، ويرضى الرئيس عون عدم توزير جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر، ويقبل حزب الله بحكومة تكنوسياسية، بتمثيل سياسي "لايت" أي بأسماء غير منفرة، يتم إفشالها وإسقاطها.

صحيح أن هذه الوصفات والمقترحات للتكليف والتشكيل الحكومي، لا ترضي الأنقياء من المنتفضين في الشارع، ولكن إسقاطها لم يكن بفعل عدم رضاهم عنها، بل أن هذه الصيغ "التسويات"، مقدمة أصلًا كمحاولات لإنقاذ النظام "اتفاق الطائف" وليست لتحقيق المطالب. بمعنى آخر، إن حضور الشارع ما زال خارج ذهنية السلطة ومقارباتها. هل يمكن أن تنجح صيغة تحمل مهمتين متناقضتين، لا تتحقق الواحدة منها إلا على حساب الثانية؟

الأولى، وهي حاجة لممثلي الطوائف وأربابها، مهمة استعادة توازن النظام الطائفي. والثانية، وهي حاجة للمنتفضين والبقية من اللبنانيين الصامتين، وهي استعادة حقوق اللبنانيين المسحوقين، الجياع، واستعادة المال المنهوب ومحاربة الفساد…الخ. إن استعادة التوازن الطائفي، تعني التلاقي والتراضي بما يؤمن مصالح أرباب الطوائف وممثليها، وإن تحقق ذلك، فإن استعادة حقوق اللبنانيين المسحوقين، واستعادة المال المنهوب، ومحاربة الفساد، سوف تصبح في خبر كان؛ لأنهم ببساطة هم أنفسهم سارقيها.

هل استنفذت صيغة الطائف بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا، قدرتها على الاستمرار؟ بصيغة أخرى، هل فشل النظام الطائفي، وكل محاولات ترقيعة، وترميمه أو تعديله عن إنجاز مهمتين مستحيلتين معًا؛ استمرار التوازن الطائفي، الذي يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؟ أي الهيمنة الطائفية في صيغة "الطائف" التي أمنت ديمومة النظام الطائفي ما يقرب من ثلاثين عامًا، فهل تستطيع هذه الصيغة الاستمرار في تحقيق المهمة الثانية، وهي ضمان استمرار الهيمنة الطبقية للطغمة الحاكمة؟

سقوط اتفاق الطائف لا يعني حكمًا تجاوز النظام الطائفي، فقد يعني إعادة تركيب نظام طوائفي بصيغة جديدة.

إن أسباب فشل النظام الطائفي "الطائف حاليًا"، واستنفاذ قدرته على الاستمرار والبقاء، هي ميكانزم داخلي، تحدثنا عنه فيما تقدم، أي عجز هذا النظام عن تلبية الحد الادنى من متطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، يعكس نفسه صدامًا على المستوى السياسي، إلا أن إعادة بناء النظام السياسي، ليس مجرد ميكانزم داخلي. لذلك، أسباب اندلاع الاحتجاجات وصولًا إلى الانتفاضة الشعبية بعفويتها وبراءة أهدافها، هي أسباب ومعطيات داخلية، ولا نعتقد ثمة جدال في ذلك، ولكن من الجنون الاعتقاد، أنه يمكن ترك الانتفاضة ببراءتها ونبل غاياتها أن تصل إلى تحقيق أهدافها.

لبنان لم ولن يكن يوم جزيرة معزولة عن العالم، ومنذ ما قبل الاستقلال وحتى اليوم، السلطة فيه هي مقاربة إقليمية - دولية، وفي هذه المرحلة التاريخية بالذات، لا يمكن إخراج لبنان من تداخل العديد من الملفات الإقليمية والدولية، وحتى التناقضات الطبقية، بشكلها الجنيني أو المشوه، هي بالعمق تناقضات تتجاوز حدود لبنان، والطغمة المالية والسياسية الحاكمة؛ هي تقاطع مصالح محلية إقليمية ودولية، وهي أيضًا تعبير عن رؤى سياسية، تبدأ من محاولات لقوى دولية واقليمية، الإفلات من قبضة إدارة أحادية القطب للعالم، وصولًا إلى إعادة صياغة الإقليم والعالم العربي منه بالتحديد، لما يستجب ومتطلبات صفقة القرن. هنا تأتي أهمية اتساع أفق الرؤية لقوى الانتفاضة ذات الأهداف النبيلة؛ اتساع أفق الرؤية والنضوج في صياغة الأهداف المرحلية، تعني تجاوز الشعاراتية، التي تسعى لاخضاع الواقع لرغبات نيئة غير مكتملة النضوج موضوعيًا، فتصبح من حيث لا تدري جزءًا من أجندات أخرى.

بالعودة إلى مهدي عامل في كتابه نقض الفكر الطائفي، وفي سياق سجاله مع شيحا، في الصفحة ١٥٣ في الفقرة الأخيرة، يقول: "إن الخطر الفعلي الذي يتهدد هذا النظام، ليس في اختلال التوازن "الطائفي" كما يتوهم شيحا أحيانًا في نصوصه السابقة، بمعنى أنه ليس خطرًا طائفيًا، إنما هو في تكون قوة سياسية مادية خارج الأطر الطائفية التي تضبط حركة المجتمع".

إن الخطر الفعلي الراهن وفقًا لفكر مهدي عامل، هو في كسر احتكار أرباب الطوائف وإيجاد بيئة تتجاوز "حواكير" الطوائف، هي الآن بصفاتها المطلبية، بحاجة إلى انضاج لتشكل حاضن لخطاب وطني، لديه قدرة على المشاركة السياسية، يسعى لتحقيق نقلات موزونة تمنع الأذرع الخارجية عبر تحريك أدواتها المحلية، من التأثير لإعادة إنتاج نظام طائفي جديدة، قد يكون أكثر جشعًا، مشكلًا من القوى الأكثر قوة وحضور في طوائفهم، تماشيًا مع رفض الشارع للشخصيات السياسية في المرحلة الحالية، وهذا أقصى ما يمكن أن يقدمه الخارج وأدواته المحلية للمنتفضين.

لذلك، الأهداف التي نضج تحقيقها في هذه المرحلة، بالاستناد إلى حضور الانتفاضة وفاعليتها السياسية، لا يصح مقاربتها أيديولوجيًا، وفق التحليل الطبقي، بل هي تخضع لمقاربة سياسية، من خلال رؤية شاملة للوحة التناقضات في الواقع اللبناني. الأهداف المرحلية لا يمكن أن تتحقق بدون تقاطعات مع قوى وازنة في السلطة، وتتمايز بالممارسة عن باقي تشكيلات السلطة، ولا يصح التعامل مع السلطة وكأنها حالة واحدة جامدة، ولا تباين بالممارسة بين تشكيلاتها، في البعد الاجتماعي، وأيضًا في رؤيتها للتهديدات الخارجية. وينطبق ذلك أيضًا على تشكيلات الانتفاضة، حيث لا تجانس بالمطلق بين مكوناتها، في رؤاها للبعد الاجتماعي أو في مقاربة التهديدات الخارجية. هنا تأتي مهمة الدفع الاجراء التوازن المطلوب في المقاربة المنطقية بين الطبقي والوطني، الذي يعكس الترابط بين حماية الوطن وحماية الإنسان، كعنصرين يجسدان الكرامة الوطنية، ولكن طبيعة التدخلات وجزئية الخطاب الانتفاضي في رؤية أبعاد الصراع الأشمل، يفسر الحساسية المفرطة من تدخل الخارج لدى بيئة المقاومة، لأسباب مفهومة تتعلق بدورها المقاوم في دائرة الصراع الأوسع من لبنان وتطال المنطقة.

إن استراتيجية التحرر بقطبيه الاجتماعي والوطني، يمكنها أن تشكل سدًا منيعًا في وجه صفقة القرن، بوصفها الاسم الحركي لاستراتيجية الهيمنة الأمريكية على مساحة المنطقة ولبنان منها ومن موقع تصفية القضية الفلسطينية.