Menu

ثروة النفط تُفقد الشارع الخليجي فاعليته الاحتجاجية

محمّد جبر الريفي

أكثر الدول العربية بحاجة اليوم إلى حراك شعبي ضد الأنظمة السياسية الفاسدة المتخلفة التي أدارت ظهرها للقضايا القومية وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية والتي تلعب دورًا كبيرًا في إشاعة الفوضى السياسية والأمنية في المنطقة، هي دول الخليج العربية صنيعة بريطانيا؛ الدولة الاستعمارية الكبرى التي رسمت حدودها الجغرافية ومنحت الاستقلال السياسي لأكثرها، حيث كانت معظمها قبل هذا الاستقلال السياسي الشكلي مجموعة مشيخات، تدار من قبل رؤساء قبائل متخلفين حضاريًا، يرتدون العباءات العربية التي كانت تخفي في ثناياها ممارسات عنصرية امتدادًا لنزعة العصبيّة القبليّة الضيقة التي تهدف إلى توسيع رقعة نفوذها على حساب نفوذ قبيلة مجاورة، وهي السياسة التي ما زالت قائمة بين دول الخليج العربية، حتى بعد تشكيل الدولة ال قطر ية، حيث حلت النزعة القطرية بدلاً من النزعة القبلية، وهو ما نشاهده اليوم من تمحور في مجلس التعاون الخليجي السعودية والإمارات و...  من جانب ودولة قطر من جانب آخر .

في المشهد السياسي العربي الحالي تعم الاحتجاجات الشعبية ضد النظام السياسي بعض الدول العربية في المشرق والمغرب العربيين، سواء تلك التي سميت بثورات الربيع العربي أو في الموجة الحالية التي حدثت في السودان والجزائر والتي ما زالت تحدث في لبنان والعراق، وقد أسقطت هذه الاحتجاجات الشعبية السلمية أنظمة وأطاحت برؤساء؛ إلا أن دول الخليج العربية على الرغم ما يسود في مجتمعاتها من قمع للحريات وما تتميز به أنظمتها الوراثية من استبداد سياسي وظلم اجتماعي، ظلت حتى الآن بمنأى عن المتغيرات النوعية الناجمة عن هبوب رياح الاحتجاجات الشعبية، وما من سبب في الحقيقة يعوق هذا التغيير سوى وجود ثروة النفط التي عملت على إلغاء أو أضعاف فاعلية تناقضات كثيرة في المجتمعات الخليجية، كان سيعمل وجودها على اندلاع الروح الوطنية في احداث التغيير المنشود. 

لقد عملت ثروات النفط على تلبية الحاجات الاستهلاكية اليومية التي تشبع نهم الإنسان الخليجي المعروف بحبه للمتعة المادية التي حُرم أجداده منها طوال عهود طويلة، عاشت خلالها شعوب بلدان الجزيرة العربية قبل ظهور النفط في أسوأ الحالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، حيث التخلف بكافة أشكاله في كل نواحي الحياة، وذلك بخلاف الحالة الراهنة التي تعيشها الآن والتي تتميز بانعدام الأزمات الاقتصادية المعيشية الطاحنة التي تسود غالبية البلدان العربية والتي هي وراء اندلاع الاحتجاجات.

كان من الطبيعي أن يتأثر الشباب في دول الخليج باعتبارهم الفئة الاجتماعية الأهم المحركة للاحتجاجات الشعبية بحالة الرخاء المعيشي الذي يلبي حاجاتهم الاستهلاكية اليومية، والذي يوفر لهم فرص العمل والتعليم والصحة وغير ذلك من المجالات الحياتية الضرورية، وبذلك لم يشعروا بحجم المساوئ التي تتصف بها الأنظمة السياسية، حيث لم تحقق أبسط الحقوق المدنية التي تكفلها دساتير الدول المستقلة ذات السيادة؛ كوجود مجالس نيابية وأحزاب سياسية كحالة ديموقراطية بهدف تداول السلطة السياسية... هكذا هي ثروات النفط العربية الخليجية التي يهدد الرئيس الأمريكي ترامب بمصادرة أموالها التي هي موجودة كودائع في البنوك الأمريكية، مقابل حماية دول الخليج العربي من خطر التمدد الإيراني، وهي بذلك تشكل عاملاً سلبيًا في تطور الوضع الاقتصادي والاجتماعي الخليجي لم يعرفه علم الاجتماع والاقتصاد؛ كونها لم توظف لا في إحداث عملية تنمية حقيقية تخرج بلدان الخليج العربي من علاقات التبعية التي تربطها بكل أشكالها مع بلدان النظام الرأسمالي العالمي، ولم تُدفع على شكل منح مساعدة للشعوب العربية والإسلامية الفقيرة، كي تتغلب على الأزمات الإقتصادية المعيشية الطاحنة التي تعاني منها، بقدر ما كانت توظف هذه الثروات المالية الهائلة لحل ازمات النظام الرأسمالي العالمي المتفاقمة، عن طريق انفاقها في شراء الأسلحة والمنتجات الاستهلاكية، حيث تعود عوائد النفط إلى المصارف الأمريكية، فتتعاظم بذلك الشركات الاحتكارية ويتضاعف إنتاجها، خاصة في المجال العسكري والاستهلاكي، وكل ذلك يشكل خطرًا على مستقبل شعوب المنطقة.