Menu

الكتب المدرسية بين استثمار الرأسمال البشري وهدره

مهند عبد الحميد

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير التاسع رقميًا (1483) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: الذكرى 52 لانطلاقة   الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين  ).

"كثيرة هي الطرق المؤدية إلى انهيار الدولة، وفي المقابل هناك طريق واحد يبقيها، أن تعيد النظر في كل مرة في تعليمها وتعبئ التعليم لتتقدم" علي الشدوي

 ثمة اعتقاد بهدر قوة التغيّر والتطور في المجتمع الفلسطيني التي تضم أكثر من مليون وربع طالب وطالبة في الضفة الغربية و القدس وقطاع غزة بفعل النظام التعليمي السائد، حيث تتعرض هذه الفئات الحيوية للتدجين من قبل القوى المحافظة والمتعصبة التي تسعى وضمن توجهات مسبقة، للسيطرة عى المدارس كمدخل للسيطرة عى المجتمع، وتحقق النجاحات في ذلك. ومن المؤسف أن الجهة الرسمية تموّل وتسهّل بناء قاعدة تحتية للقوى المحافظة في المدارس والجامعات بما في ذلك رياض الأطفال، وتتنافس وتتقاسم معها النفوذ والسيطرة كونها تتقاطع مع ثقافتها المحافظة وتتنافس عليها.

يجوز القول أن نظام التعليم الفلسطيني ينتمي إلى نظام التعليم البنكي الذي يتولى إيداع المعلومات في عقول الطلبة ويقوم باستخراجها عند الامتحان وكفى. بمعنى فصل التعليم عن قضايا وحاجة المجتمع للتطور وجعله خاضعًا للسلطات السياسية والاجتماعية والدينية التي تلتقي عند هدف السيطرة.

إن المخاطر السياسية المحدقة والاستباحة الاسرائيلية الأمريكية للحقوق الوطنية والمدنية والإنسانية الفلسطينية، كل هذا يطرح أهمية تقوية العامل الذاتي الفلسطيني وتعزيز مناعته وصموده ومقاومته للتصفية. ولا شك في أن التعليم هو أحد أهم روافع التقوية؛ لهذا تكتسب عملية بناء رافعة التعليم على أسس علمية تحررية أهمية كبيرة. "فالجيش الفلسطيني" إن جاز التعبير الذي يعول عليه في الصمود والتحرر والبناء والتقدم قوامه مليون وربع المليون طالب وطالبة في مختلف مراحل التعليم والذي ينبغي إيلائه الاهتمام اللازم. هذه الرؤية غير معتمدة من قبل السلطات القائمة، بسبب وجود رؤية أخرى تقول أن السيطرة على هذا الجسم يساعد في  تعزيز النفوذ والسيطرة على المجتمع وبقاء نظام الحكم على حاله، مع عدم استبعاد توظيفه ضد الاحتلال أحيانًا وضمن السقوف السياسية المتبدلة. ولم يكن من باب الصدفة التوافق على الكتب المدرسية بين سلطتي فتح وحماس السياسيتين والمؤسسة الدينية والعشائر والحمايل والعائلات كقاعدة اجتماعية للسلطتين. ولم يكن من باب الصدفة أن جهاز التربية والتعليم الرسمي يتحكم به قوى محافظة فتحاوية تنتمي إلى المدرسة الدينية المتزمتة، وتتنافس مع الإسلام السياسي على التزمت والانغلاق، وقد تركت بصماتها على الكتب المدرسية وسياسة التعليم، وكل هذا يتم بنوع بتأييد براغماتي الطابع من سلطة وقيادة فتح التي ينتمي أكثرها للعلمانية، تلك الازدواجية يقف خلفها التنافس مع الإسلام السياسي على النفوذ، ولكن من داخل أيديولوجيته، والتعايش والتأقلم مع التحولات الرجعية داخل المجتمع. 

مخرجات التعليم

تقييم التعليم موضوعيًا،  يستدعي التوقف عند مخرجات التعليم الأساسية، ومحاولة الإجابة على سؤال هل يتطور التعليم في بلادنا  للأحسن أم يتراجع نحو الأسوأ؟ في هذا الصدد تقول التقارير ومعطيات التجربة التعليمية ما يلي: 

  •  وجود نسبة 40% من طلبة الصفوف الأولى الأساسية لا يجيدون القراءة والكتابة. [1]
  •  يمكن التوقع من الأطفال في الضفة الغربية وقطاع غزة إكمال 11.4 عامًا من التعليم حتى بلوغ سن ال 18 عامًا، ولكن عند تعديل السنوات الدراسية بحسب جودة التعلم، فإنها لا تعادل سوى 7.5 عامًا، أي أن هناك فجوة تعليمية بواقع 3.9 عامًا. [2] ما يعني هدر 4 سنوات تعليم تقريبًا.
  • انخفاض المنتسبين للفرع العلمي إلى 24.4%، مقابل 65.1% علوم إنسانية «فرع أدبي»، و 3.97% في الفرع الشرعي، و 4.5% فرع تجاري، و 2.03% فرع مهني.[3]  يلاحظ التراجع المضطرد في نسبة الفرع العلمي التي كانت في ستينيات القرن الماضي 45%.. ولا يتناسب هذا الانخفاض مع ضرورة امتلاك مهارات التفكير العليا كي  تتناسب مع الثورة الرقمية والتقنيات الحديثة والتطور العلمي المتعاظم.
  • تدني مستوى الطلبة في اللغة العربية، حيث تكثر الأخطاء اللغوية وينخفض مستوى التعبير، يترافق مع هبوط في مستوى إتقان واستخدام اللغة الإنكليزية التي تحتل حيزًا بنسبة 56% في شبكات الإنترنت وفي مجال المعلومات الأكثر مهنية والأبحاث العلمية، مقابل حضور بنسبة 0.8% للغة العربية، ويترافق مع تدني مستوى الطلبة في الرياضيات وفي استخدام العلوم في الحياة، ويترافق مع ضعف الاهتمام بالأدب والمسرح والسينما والرقص والفن التشكيلي والموسيقى.
  • انخفاض القدرات البحثية في غياب مهارات التفكير، وقلة البحوث أو ضعفها وغياب المنابر والمجلات المحكمة التي تمتلك معايير مهنية معترف بها.
  • وعلى صعيد المخرجات الاجتماعية، فإن منظومة الإخلاق المتداولة والسائدة تتركز على الخاص ولا تهتم بالمشترك، ولا يوجد اهتمام بالملكيات العامة والمرافق العامة (الحدائق والشوارع والمستشفيات والمدارس والشواطيء(غزة)  والأحراش وإشارات المرور ولا يحترم النظام العام، وتكاد تنعدم النظافة في سائر المرافق العامة.
  • تبلغ نسبة البطالة بين الخريجين والخريجات من الجامعات الفلسطينية 49% وما يعنيه ذلك من غياب للتخطيط وانفصال التعليم عن التنمية وعن حاجة المجتمع لتخصصات معينة ولأولويات.
  •  انتشار العنف كظاهرة في المجتمع الفلسطيني. يشير المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء 2019 إلى أن 68% من الأطفال الذكور و62% من الأطفال الإناث تحت سن 11 عامًا تعرضوا للعنف. و 17% من التلاميذ بين 12- 17 عامًا تعرضوا للعنف الجسدي من قبل معلمين. و25% من سن 12- 17 تعرضوا لأحد أنواع العنف 36% ذكور و15% اناث. [4] وتتحدث تقارير أخرى عن وقوع 446 جريمة قتل منذ العام 2012 وحتى الربع الأول من العام 2018 في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويقول تقرير الإحصاء أن امرأة من بين كل ثلاثة نساء تتعرض للعنف.  

كما نرى هناك علاقة مباشرة وغير مباشرة  بين هذه المخرجات السلبية وبين التعليم والتربية في فلسطين. إن هذا يدعو للقلق، وفي الوقت نفسه يستدعي التدقيق في كل مكونات العملية التعليمية وبشكل خاص الكتب المدرسية والسياسات والبرامج وبنية الجهاز التربوي وفلسفته التعليمية  

اختلالات كبيرة

أولًا: الانتقال من الهوية الوطنية الجامعة إلى الهويات الفرعية

معروف أن الهوية الوطنية استحدثت من الفعل النضالي (الثورة)، والثقافة الوطنية الناقدة للمشروع الاستعماري الصهيوني وللتخلف والرجعية داخل المجتمع كما فعل روحي الخالدي وخليل السكاكيني وكوكبات من المثقفين/ات المبدعين أمثال غسان كنفاني وسميرة عزام وفدوى طوقان ومحمود درويش وتوفيق زياد وإدوارد سعيد ومعين بسيسو وغيرهم. كما تشكلت الهوية الوطنية في مواجهة التحديات التي فرضها المشروع الصهيوني الكولونيالي الإقصائي. وقد ساهم  تضافر العوامل الثلاثة السابقة في بلورة هوية وطنية جامعة، رفعت لواءها منظمة التحرير، تلك الهوية التي أدمجت في إطارها الهويات الفرعية وكرست مستوى من التشارك الحر في الوطن القضية، الوطن "المتخيل" لجميع أبنائه المتساوون في الحقوق والواجبات.

إن دور المدرسة الافتراضي هو مجانسة الوعي الوطني الثقافي الموزع على أزمنة وأمكنة مختلفة وتحويله إلى برامج مدرسية تصنع إنسانًا مستقلًا مشاركًا في عملية التحرر، وتساهم في توحيد الشعب على منظومة قيم وثقافة التحرر والعدالة والمساواة. خلافًا لذلك ساهمت المدرسة في الانتقال من الهوية الوطنية الجامعة إلى الهويات الفرعية (الدينية والعشائرية والعائلية والجهوية) وذلك من خلال تبني "الحاكمية" (دولة دينية) "والولاء والبراء" و"الاستخلاف"، وعرّفت فلسطين بأنها أرض وقف إسلامي، ودعت إلى إقامة الحكم الإسلامي الرشيد، وقالت أن فلسطين بلد عربي إسلام، وعبأت الكتب ضد القوانين الوضعية، ودعت إلى "عودة الخلافة"، وميزت بين المسيحي والمسلم بتحريض متناقض مع  تراث التعايش بين مكونات الشعب الفلسطيني. هكذا،  يتم إخراج منتسبي الديانة المسيحية وكل العلمانيين واليساريين والمتنورين وكل من لا يتبنى المدرسة المتزمتة (الإسلام العقلاني والمتنور) من الهوية الوطنية، ولا يغير من واقع نشر هذه الثقافة المتعصبة، طرح مواقف تتحدث عن الدولة المستقلة والشعب الفلسطيني الواحد، كما لا يغير من واقع هذا التحول المتساوق مع المدرسة المتزمتة، التوقيع على الاتفاقات الدولية  المتناقضة مع هذه الدروس والمفاهيم. ولا شك في أن الموقف المزدوج غالبًا ما يخدم الموقف المتأخر في شروط التحولات الرجعية، في ظل هذه السياسة لا يؤبه بالعلم الوطني، ولا بالثقافة الوطنية، ورموزها ولا بالتراث والذاكرة، ولا بالوحدة الوطنية، إلا بالشكل.

كان المطلوب تعريف الأجيال بمشروع التحرر الوطني، وتكريس وحدة الشعب على أسس وطنية ديمقراطية واحترام التعدد السياسي والثقافي والديني، والتوقف عند قضايا ومعضلات كسلخ دروز وشركس ويهود من المجتمع الفلسطيني، وسلخ اليهود العرب وإلحاقهم بالمشروع الكولونيالي. 

ثانيًا: التمييز ضد النساء

الموقف من النصف الآخر للمجتمع (النساء) مقياس حاسم في تطور أو تأخر المجتمع، من زاوية الالتزام بالمساواة والعدالة والديمقراطية والحريات، مقولة لا يرفضها أحد بالأقوال، ولكن الافعال والتشريعات والنصوص تضع أصحاب المواقف على المحك. لقد وقّعَت فلسطين على اتفاقية "سيداو" للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتضمن القانون الأساسي ووثيقة إعلان الاستقلال نصوصًا صريحة ضد التمييز على خلفية النوع الاجتماعي. السؤال: أين دور الكتب المدرسية والسياسات والبرامج  المدرسية وجهاز التعليم في إزالة التمييز وتحقيق المساواة؟ تقول دروس التربية الدينية: "المساواة الكاملة ليس من الحكمة في شيء فضلًا عن كونها ظلمًا للطرفين" و "الرجل أقدر على القيادة بسبب ما يتميز به من القوة والقدرة على تحمل المسؤوليات وبسبب الانفاق"، وذهبت بعض الدروس إلى الحديث عن "الفروق الخلقية بين الرجل والمرأة التي تتناسب مع اختلاف التركيب الجسدي والعقلي والنفسي" معيدة إلى الأذهان ما تقوله النظريات العنصرية التي تميز بين عرق وآخر وتعزوه إلى فروق بيولوجية. علمًا أن الفروق الفردية موجودة بشكل طبيعي بين الذكور كذكور وبين الإناث كإناث وتنسحب الفروق الفردية بين ذكر وأنثى دون أن يعني ذلك فروقاً عقلية بين ذكر وأنثى. 

إن تفوق النساء في التوجيهي والجامعة بشكل مستمر، وشراكة النسبة الأكبر من الأزواج الشابة في تكاليف الحياة يقوض المفهوم المتقادم الذي عفا عنه الزمن، ويضع مفهوم ولاية الرجل على محك التلاؤم مع المتغيرات. وتتبنى الدروس تقسيم العمل التقليدي: "الرجل يقود الأسرة وينفق عليها ويرعاها والمرأة تنجب الأطفال وترعاهم وتدير شؤون الأسرة". "الرجل يتحمل نفقات الزواج والمرأة معفاة منها". هنا يتجاهل مؤلفو الكتب تطور المجتمعات من خلال العمل والتعليم وثقافة التحرر والعدالة ومنظومة القوانين الجديدة التي أدخلت تعديلات جوهرية على الأدوار الاجتماعية عنوانها الشراكة على قاعدة المساواة. ويبلغ التمييز ذروته بالقول "أن زنا النساء أفحش لأنه يجلب ضررًا كبيرًا على المرأة، ولأن الإغراء يكون من المرأة"، وما يعنيه هذا من اتهام المرأة مسبقًا وقبل تقديم الدليل والبيّنات التي تحتاج إلى أربعة شهود مباشرين كما تقول أحكام الشريعة الإسلامية، غير أن مؤلفي الكتب يتركون الأصل ويعتمدون المدرسة التكفيرية المتزمتة. من جهة أخرى تعتبر دروس التربية الدينية أن الحجاب فريضة وأن إنكاره يعتبر من نواقض الإيمان؛ يميزون بين المحجبة وغير المحجبة أخلاقيًا، بالقول أن الحجاب رمز عفة المرأة وطهرها يشجعها على الالتزام بالطاعات واجتناب المحرمات وصون للمرأة وحفظ المجتمع من الفتن وتحصين الشباب من الوقوع في الفاحشة، ويقدم: أدلة بالقول أن المفاسد والانحراف تنتشر في المجتمع الذي لا تلتزم نساؤه بالحجاب الشرعي.

يتجاهل المؤلفون وجود مدارس دينية وعدد كبير من المفكرين وعلماء دين أمثال ابن رشد ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وجمال البنا وحسن الترابي وإسلام بحيري ومحمد شحرور ومصطفى راشد الذي نال رسالة الدكتوراه من الأزهر بعنوان الحجاب ليس فريضة. في كل الأحوال ليس من وظيفة المدرسة تربويًا توزيع الأحكام والتمييز بين البنات في أخلاقهن، والانحياز لطرف ومناهضة طرف آخر بهذا الشكل المتزمت، وبتقديم فيض من التحريم والتكفير الذي ينشر الخوف والترهيب كسلاح إكراهي وبشكل مناقض لرسالة المدرسة التربوية. 

ثالثًا: مناهضة الحداثة

مناهضة الحداثة تضع البلد الذي يتبنى المناهضة في عزلة عن عالم التقدم والتطور والانجازات الكبرى، ويفصل نضال الشعب الفلسطيني عن حركة التضامن العالمي. إن عدالة القضية الفلسطينية جعل منها قضية كونية، وأصبح تأييد ودعم الشعب الفلسطيني وحقه في التحرر من الاحتلال وتقرير مصيره بنفسه جزءًا من منظومة كونية مناهضة للحرب والهيمنة والعنصرية والتوحش والعداء للبيئة، ويعتبر هذا التأييد من عناصر قوة الشعب الفلسطيني.

إن البعد الكوني للقضية الفلسطينية يستدعي التعامل بمعايير وقيم الحداثة في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة والعدالة وحرية التعبير والحق في الاختلاف والنقد والمساءلة ومحاربة الفساد وحقوق المواطنة والتبادل السلمي للسلطة واحترام التعدد الثقافي والديني والسياسي والاعتراف المتبادل بين الأديان والانفتاح على الحضارات الإنسانية. الكتب المدرسية تهبط بالطلبة إلى مستوى دون ذلك حين تقول: إن هدف ثقافة العولمة هو اضعاف ثقافة الاحتشام والستر في البيئات الإسلامية، وإضعاف اللغة العربية والانبهار بالانجليزية وتهميش دور الأديان، وإقصاء الدين عن الحكم وحصره في أماكن العبادة، وإثارة الشبهات والشكوك حول النظم والتشريعات الإسلامية وبخاصة ما يتعلق بقضايا المرأة، وتأخذ على الثقافة العالمية إنها تركز على حرية الإنسان الفردية، وترى أن من آثار الاستعمار الأوروبي الفكرية ظهور بعض المفكرين العرب الذين يتحدثون بلسان الغرب ويدافعون عن سياساته ومبادئه، ويدافعون عن الحضارة الغربية وينتقصون من الحضارة العربية الاسلامية. هنا ترتكب مغالطة كبيرة  فلا  يوجد من بين رموز النهضة والتنوير من دافع عن الاستعمار، بالعكس كانوا يناهضون الاستعمار ويستقوون بالحداثة الموجودة في الدول الاستعمارية، خلافًا للقوى والدول الرجعية التي غضت النظر عن الاستعمار والاحتلال وأعلنت الحرب على الحداثة ودعمت هذه العملية بعشرات مليارات الدولارات.  والمصيبة أن هذه الكتب لا تتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية في أيام صعودها العلمي والفكري والفني والمعماري، ولا تتحدث عن مرحلة الانحطاط التي أطاحت بتلك الحضارة وبرموزها. وتقع الدروس في ازدواجية عندما تؤيد الاتفاقات التي وقعت عليها فلسطين وتقدم مفاهيم نقيضة لها، وتتجاهل البعد العالمي في نضال الشعب الفلسطيني التحرري، وتقبل التكنولوجيا الحديثة وتعزلها عن الأسس العلمية والفلسفية والقانونية والفكرية وعن قيم الحداثة. 

رابعًا: الخلط بين الدين والعلم

اخضعت الكتب المدرسية الإشارات العلمية في القرآن الكريم للتقييم المفتوح على التطور، في الوقت الذي لا يمكن فيه اخضاع العلم لتقييم الكتب السماوية التي لم تكن رسالتها متخصصة في العلوم والعلم، ولا يوجد أي نص يقول إنها متخصصة بالعلوم. المعجزات السماوية مستقلة تمامًا عن العلوم، ولا يمكن النظر إليها بمنظار علمي أو اخضاعها للنقاش، في الوقت الذي تخضع فيه النظريات العلمية للمكتشفات الجديدة ويتم تعديلها وتطويرها أو نقضها. الدين ورسالته الروحية شيء والعلم شيء آخر ولا يجوز وضعهما في مواجهة بعضهما البعض، ولا يجوز تقييد العلم بالدين ولا تقييد الدين بالعلم، فكل منهما مستقل عن الآخر. خلافًا لذلك؛ الدروس في كتبنا المدرسية تحاول البرهنة على تفوق الدين على العلم بأسلوب غير علمي ومتناقض مع رسالة الدين ورسالة العلم، وتحظر مجرد الاطلاع على نظريات علمية لأنها متناقضة مع الدين؛ تحظر وزارة التربية والتعليم إدراج الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية ضمن مقرراتها، والنتيجة هي تقييد العقل وحجب المعرفة بما يتفق مع فرض وصاية على العقول بغرض السيطرة وباستخدام الدين كسلاح للسيطرة بدلًا من التركيز على البعد الأخلاقي والقيمي والروحي للدين، بدلًا من تقديم  جوهر الرسالات السماوية التي أتت  لتتمم مكارم الأخلاق. 

خامسًا: تغييب النقد والسؤال

يلاحظ غياب النقد في الكتب المدرسية، ويحظر على الطلبة طرح الأسئلة التي تمس تابوهات السياسة والدين والجنس والفلسفة، ما يؤدي إلى شطب ملكة النقد وإبقاء الطلبة داخل صندوق لا يوجد داخله غير رواية واحدة وموقف واحد وخيار واحد ومسار اجباري واحد. ووفقًا لهذا الصندوق فإن تاريخنا هو عبارة عن لوحة ناصعة البياض والجمال، لا يوجد فيه أخطاء ولا حماقات. تخلو الكتب من نقد للإمبراطورية العثمانية التي تُقدم كدولة خلافة مدافعة عن المسلمين، وتخلو من نقد المماليك  وحكمهم الاستبدادي، ومن نقد خلفاء أمويين وعباسيين، ومن بطش  صلاح الدين الأيوبي بالفاطميين ودولتهم. ويخلو من نقد  كبار ملاك فلسطينيين وعرب باعوا أملاكهم في فلسطين، ولا يوجد نقد لانفتاح القيادة الفسطينية بزعامة المفتي على النظام النازي، ولا يوجد إشارة حول البطش المريع برموز الحضارة العربية الإسلامية، أمثال ابن رشد والفارابي وابن سينا والرازي والبيروني وغيرهم. ولا تتحدث عن اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة من وجهات نظر مختلفة وموضوعية. مواضيع كبيرة وكثيرة لا تتوقف عندها الكتب المدرسية.

إن اعتماد رواية السلطات بأثر رجعي يحدث خللًا تربويًا فادحًا، ولا تصمد في عالم ثورة المعلومات والاتصالات التي تتيح التواصل مع أحدث مراكز البحث والمكتبات والمتاحف ومواقع الاختصاص في سائر العلوم.

بقي القول أن الكتب المدرسية وسياسات التعليم المتبعة تبرر الواقع البائس تاريخيًا، ولا تعتمد المعايير المهنية العلمية، وقد حرصت على تديين المناهج استنادًا لقراءة متزمتة أقل ما يقال فيها أنها أنتجت الكراهية والتفكك، وأنتجت القاعدة وداعش ومن لف لفهما من تنظيمات الإسلام السياسي.

مطالب تدعم التطوير والتغيير

  • مطلوب تخليص الكتب من الفكر التعصبي والترهيبي المتشدد ووضع حد للتكفير والتحريم  والتفتيش في ضمائر الناس وخصوصياتهم.
  • إبراز جميع الأوامر الأخلاقية في التراث الإسلامي، وفصل الدين عن العلم والعلوم.
  •  إعادة الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية لمقررات التعليم.
  • إبراز قيم الحداثة الكونية وفي التراث العربي الإسلامي.
  • مطلوب هيئة مناهج مستقلة ومتنورة تضم خبراء من داخل وخارج الوطن ومنفتحة على التجارب الناجحة في حقول التربية والتعليم.
  • إنشاء مجلس أعلى للتعليم مستقل كبديل لوزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي.
  • إعطاء أولوية للتعليم في موازنة السلطة والصندوق الوطني.
  • عقد مؤتمر سنوي تقييمي للتعليم.

ملاحظة: مضمون المادة يستند لكتاب بعنوان (المناهج المدرسية بين استثمار الرأسمال البشري وهدره) للباحث مهند عبد الحميد: الصادر عن مؤسسة روزا لوكسمبورغ في نيسان/ابريل عام 2019، رام الله.  

 

 

[1] تقرير صادر عن مركز  ابداع المعلم

[2] بيان صادر عن البنك الدولي يوم 5/11/2018

[3] تقرير صادر عن وزارة التربية والتعليم وكالة معا 13/7/2013

[4] موقع الجهاز المركزي للاحصاء مسح حول العنف  2019