Menu

خطر الاستقطاب والتقسيم يتهدد العراق

د. محمد السعيد إدريس

دعوة زعيم التيار الصدرى مقتدى الصدر العراقيين الثلاثاء الفائت (14/1/2020) إلى الخروج فى "تظاهرة مليونية" ضد الوجود الأمريكى فى بلاده تكشف مدى صعوبة، أو بالأحرى استحالة إعفاء العراق من "دفع أثمان تناحرات خارجية"على النحو الذى طالبت به بعثة الأمم المتحدة فى العراق عقب الضربات الصاروخية الإيرانية على قاعدتين عسكريتين أمريكيتين فى العراق رداً على الاغتيال الأمريكى لقائد "فيلق القدس " الإيرانى الجنرال قاسم سليمانى بالقرب من مطار بغداد، بل ومدى استحالة تحقيق طموحات سبق أن عبر عنها مقتدى الصدر نفسه منذ فترة سبقت مسلسل الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران طالب فيها بأن "ينأى العراق بنفسه عن الصراعات الإقليمية". وقتها كان مفهوماً أن الصدر يستهدف بالأساس الوجود والنفوذ الإيرانى القوى فى العراق، وأنه كان يدفع بتحفيز العراق على استعادة زخم علاقاته العربية لموازنة النفوذ الإيرانى.

وإذا كانت دعوة بعثة الأمم المتحدة إلى تجنيب العراق إثمان صراعات النفوذ على أراضيه تبدو مستحيلة، فإنه لا توجد أسباب منطقية تنفى أيضاً استحالة تلبية العراقيين لدعوة السيد مقتدى الصدر بتلك التظاهرة المليونية، فالعراق بات مفعماً بالاستحالات الداخلية كما هو مفعم أيضاً بالاستحالات الخارجية. فكما أن التوفيق بين النفوذين الأمريكى والإيرانى أضحى مستحيلاً على أرض العراق، فإن التوافق الداخلى على قرارات استراتيجية صدرت فى لحظة غير اعتيادية عقب اغتيال قاسم سليمانى على أرض العراق ومعه القائد الأبرز للحشد الشعبى العراقى أبو مهدى المهندس، أصبح مستحيلاً هو الآخر بين من يطالبون بإنهاء الوجود الأجنبى كله على أرض العراق، حسب القرار الصادر عن البرلمان العراقى، وبين من يرفضون هذا القرار. الأخطر من ذلك أنه إذا كان نواب السنة والأكراد قد تعمدوا إظهار رفضهم لقرار يصدر عن البرلمان بإنهاء الوجود العسكرى الأجنبى فى العراق سواء بتعمد تغيبهم عن الجلسة أو الحضور ورفض التصويت لصالح القرار الذى صدر بأغلبية 170 نائباً، فإن النواب الشيعة هم من تبنى القرار وتولى إصداره، ما يعنى أن العراق مرشح لمزيد من حدة الاستقطاب الداخلى على الموقف من وجود أو عدم وجود القوات الأجنبية على الأراضى العراقية، خصوصاً وأن هذا الاستقطاب على أرضية انقسام المواقف حول هذا الموضوع يتزامن مع انقسام آخر حول اختيار الشخص المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة التى ستخلف حكومة عادل عبد المهدى، بعد رفض الرئيس العراقى برهم صالح (كردى) لمرشحى بعض الكتل الشيعية، باعتبار أن تلك الترشيحات لا تنسجم مع مطالب الشارع العراقى الذى مازال يتظاهر من أجل إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة وفرض تغيير جذرى فى بنية السلطة والسياسات الداخلية للحكم.

هذا الانقسام الداخلى حول قضية تشكيل الحكومة الجديدة ورئيسها، وتزامنه مع الانقسام على قرار البرلمان بإخراج القوات الأجنبية من العراق مرشح لأن يفاقم من خطر الاستقطاب الداخلى فى العراق، الذى يمكن أن يعيد طرح خيار "إعادة تقسيم العراق" إلى حالة "الفوضى المدمرة". هذا الخطر يتفاقم فى ظل ثلاثة تطورات مهمة تحدث متزامنة مع بعضها البعض:
التطور الأول: هو الرفض الأمريكى للانسحاب العسكرى من العراق، وتهديد واشنطن بدفع أثمان فادحة ثمناً لهذا الطلب إذا تمسكت به الحكومة العراقية. أول من تحدث عن هذا الرفض كان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى هدد فى تصريح لمحطة "فوكس نيوز" بأنه "إذا أراد العراق منا المغادرة فعليه أن يدفع لنا الأموال التى خسرناها فى البلد (العراق) وألا سنبقى هناك"، وبعدها نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن الولايات المتحدة هددت العراق بحرمانه من مليارات الدولارات، وأوضحت أن وزارة الخارجية الأمريكية هددت بغداد بتجميد حساب مصرفى تابع للعراق فى بنك الاحتياط الفيدرالى (البنك المركزى الأمريكى)، وهو الحساب الذى يودع فيه العراق مليارات الدولارات من عائداته النفطية، ما يعنى أن العراق لن يكون فى مقدوره سحب أى من أرصدته الهائلة من هذا البنك فى حال تنفيذ واشنطن لهذا التهديد. 

وبعد التهديد جاء حديث "المراوغة" حرصاً على أمرين؛ أولهما، عدم الظهور الأمريكى علناً كقوة احتلال غير مرغوب فيها على أرض العراق، وتجنب تفجر مقاومة عراقية ضدها، وثانيهما، تعميق الخلاف والانقسام بين الفرقاء العراقيين حول قرار إبعاد أم الإبقاء على الوجود العسكرى الأمريكى باعتبار هذا الوجود هو "الموازن" الموثوق فيه للوجود وللنفوذ الإيرانى، والداعم للأطراف العراقية (السنة والأكراد) التى تعانى من سطوة النفوذ الإيرانى ون حلفاء طهران فى العراق. حديث "المراوغة" هذا تم عبر طرح صيغة "الانسحاب المشروط" وفق ما جاء على لسان مستشار الأمن القومى الأمريكى روبرت أوبراين بقوله أن الولايات المتحدة تنوى سحب قواتها من العراق وفقاً لنظام وتوقيت الاتفاق مع بغداد حول الوجود العسكرى وقال فى مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" (12/1/2020) أن "ما يتعين علينا فعله هو المغادرة وفقاً لاتفاقنا وبطريقة يتم فيها القضاء على (داعش) تماماً". ربط الخروج من العراق بالقضاء التام على "داعش" يحمل معه مخاطر تجديد وجود "داعش" فى العراق، ويحمل أيضاً معه فرصاً لبقاء أمريكى ممتد فى العراق.

التطور الثانى: الإصرار الإيرانى على إخراج القوات الأمريكية من العراق، وهو الإصرار الذى يدخل ضمن قرارات "القصاص العادل" للاغتيال الأمريكى لقاسم سليمانى، خصوصاً وأن القادة العسكريين الإيرانيين كانوا حريصين على تأكيد أن القصف الصاروخى الإيرانى للقاعدتين العسكريتين الأمريكيتين فى العراق "كان بداية وليس نهاية لمسلسل الانتقام لاغتيال سليمانى". وإذا كانت حادثة سقوط الطائرة الأوكرانية بصارخ إيرانى "أطلق بطريق الخطأ" حسب التوضيحات الإيرانية فرض سياسة "التهدئة المؤقتة" على طهران، فإنه بعد احتواء الأزمة الطارئة حول هذه القضية من المرجح أن تستعيد إيران تفعيل سياسة الانتقام من الأمريكيين داخل الأراضى العراقية.

التطور الثالث: هو وجود أطراف داخلية لديها الاستعداد الكامل للتأسيس لـ "خيار مقاومة" ضد الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق، ويأتى على رأس هؤلاء مقتدى الصدر الذى كان قد أكد أن قرار البرلمان العراق بإخراج القوات الأمريكية من العراق "كان رداً هزيلاً لا يرتقى لمستوى الانتهاك الأمريكى للسيادة العراقية ولابد أن يتم هذا الطرد بطريقة مذلة"، كما دعا الفصائل المسلحة إلى الاتحاد وتشكيل "أفواج المقاومة المسلحة" لتوجيه ضربات لأمريكا فى الخارج وليس فى الداخل العراقى فقط، وإغلاق السفارة الأمريكية و"تجريم أى اتصال بواشنطن".

تجديد مقتدى الصدر لهذه الدعوة بالدعوة إلى تلك التظاهرة المليونية ضد الوجود الأمريكى فى العراق زاد توضيحها نصر الشمرى المتحدث باسم فصيل "حركة النجباء" عندما كشف الاثنين الماضى (13/1/2020) عن إجراء مقتدى الصدر مباحثات مع فصائل شيعية مقربة من إيران تطلق على نفسها "فصائل المقاومة" لتشكيل جبهة موحدة لإخراج القوات الأمريكية من العراق.

تطورات تؤكد أن العراق مقبل على مزيد من الاضطراب والاستقطاب الذى يتهدد وحدته ويجعل الرغبة فى النأى به عن الصراعات المتفجرة على أراضيه من أطراف إقليمية ودولية أقرب إلى المستحيل.