Menu

الانقسام والتقسيم.. حدّا اللعبة

عوني صادق

العدوان الأخير الذي شنته قوات الاحتلال على قطاع غزة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وفيه استهدفت الشهيد بهاء أبو العطا، لم يكن غرضه قتل الشهيد فقط، بل كان الإيقاع بين حركتي (حماس والجهاد) ومن ثم تكريس «الخطة السياسية» «الإسرائيلية» التي يفضلون التفرج عليها في الملعب الفلسطيني، وهي لعبة «الانقسام والتقسيم»، إذ كان المقصود تعميق الانقسام والخلاف بين حركتي (فتح) و(حماس) من جهة، وخلق خلاف آخر يجري العمل لتعميقه بين حركتي (حماس) و(الجهاد) من جهة أخرى، وبذلك يشغلون الفلسطينيين بأنفسهم، وكأن الانقسام لا يكفي فيقوم التقسيم بالمهمة، ويسهل إنجاز المخططات الصهيونية قيد التنفيذ!!

في الأسابيع القليلة الماضية التي تلت العدوان «الإسرائيلي» الأخير على غزة، ارتفعت وتيرة التوترات على الجبهة الأمريكية الإيرانية ووصل التصعيد إلى ذروته في الثالث من كانون الثاني/يناير، عندما أقدمت الولايات المتحدة على اغتيال الجنرال قاسم سليماني في العراق. لم يكن منتظراً أن يمر هذا الاغتيال دون ردود، لكنه مر بأقل الردود، في انتظار ظروف أكثر ملاءمة. مع ذلك ظهرت آثار العملية في ما صدر من تقديرات في الجانب «الإسرائيلي».

في الأدبيات «الإسرائيلية»، وفي تصريحات السياسيين «الإسرائيليين»، يتجاور الحديث عن إيران مع الحديث عن «حلفاء» إيران، ودائماً وفوراً يذكر الفلسطينيون! وفي السياق الفلسطيني، تشير شعبة الاستخبارات إلى ميول متناقضة: فمن إمكانية استقرار متعاظمة في غزة، إلى إمكانية «هز الاستقرار» في الضفة. وتقدر «أمان» أن «حماس» ستواصل التمسك في السنة القادمة أيضاً بالتسوية مع «إسرائيل» على أمل أن تؤدي إلى تحسين الوضع الاقتصادي لسكان القطاع. ومع ذلك، فإنها لن توافق على ربط الاتصالات بالتسوية. أما في الضفة، فتحذر الاستخبارات «الإسرائيلية» مرة أخرى من إمكانية «انعطافة استراتيجية» من شأنها أن تكون ذات «خطر كامن» على «إسرائيل». (يؤاف ليمور«إسرائيل اليوم» 16-1-2020).

في الجانب الفلسطيني أيضاً، يبدو أن التطورات الأخيرة لم تضف شيئاً جديداً لواقع العلاقات البينية الفلسطينية، لكنها أكدت على الموقف «الإسرائيلي» منها من حيث تركيزه على التفاوض مع حركة (حماس) وخوفها من انتفاضة في الضفة الغربية تسميها «انعطافة استراتيجية تهز استقرار الضفة».

إن قراءة لآخر التقديرات الاستخبارية للجيش «الإسرائيلي» تظهر أنه هو الآخر لا يجد جديداً يضيفه لقراءاته السابقة حول الوضع الفلسطيني. فمن جهة، لا يجد لعبة أفضل من لعبة «الانقسام» يكرسها، ومن جهة ثانية محاولات الإيقاع بين الفصائل وصولاً للاستفراد بها. والحقيقة أن ذلك لم يكن غريباً لأنه ليس لدى القيادة العسكرية «الإسرائيلية» شيء غير بضاعتها القديمة الفاسدة المتمثلة في تكريس الانقسام الفلسطيني ومحاولات الاستفراد بفصائل المقاومة، ما يفرض على فصائل المقاومة في غزة أن تأخذ في اعتبارها ليس فقط التقديرات «الإسرائيلية» المعلنة بل وربما قبل ذلك النوايا «الإسرائيلية» المبيتة، والمعلن بعضها سواء بالنسبة للضفة أو القطاع.

في الوقت نفسه، لا تكل الأجهزة الأمنية «الإسرائيلية» من التحذير من انتفاضة شاملة في الضفة الغربية. ولو كانت القيادة الفلسطينية تقرأ ما يصدر عن عدوها بتمعن ولو قليل، لوجدت ضالتها ولعرفت الطريق إلى المواجهة الحقيقية. ففي السطور القليلة التي تم اقتباسها من تقرير لشعبة الاستخبارات العسكرية للجيش «الإسرائيلي»، رأينا كيف تم التركيز على أمرين: وحدة فصائل المقاومة، وموقع الانتفاضة الشاملة. وليس هناك من يستطيع أن ينكر أو يجادل أن تحقيق وحدة المقاومة، وتوفير الظروف لانتفاضة ناجحة، لا يكفيان لكنس الاحتلال وقواته وتهيئة الأرض لتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني!