Menu

مرة كمأساة وأخرى كمهزلة

حسين البدري

يحلم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، محاولاً استعادة مجد غابر لإمبراطورية آفلة، التاريخ لا يرحم الضعفاء، لكنه أيضًا لا يبتسم دائمًا للمغامرين، يعيد التاريخ نفسه، يقول ماركس، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة.

المأساة بدأت فصولها بطريقة لا تشي بنهايتها، في يوليو من عام 1908 حين وقف الضابط العثماني إسماعيل أنور الذي سيعرف فيما بعد على صفحات التاريخ باسم أنور باشا ويتولي وزارة الحربية قبيل الحرب العالمية الأولى، أمام حشد من الناس في جزيرة سالونيك اليونانية الخاضعة للحكم التركي آنذاك، بعد تمرد ناجح ضد السلطان عبد الحميد الثاني وسلطة الدولة المركزية في إسطنبول قام به مع رفيقه أحمد نيازي، خطب الضابط الشاب في المحتشدين قائلاً: إن دولتنا لن تضم بعد اليوم مسلمين أو يهودا، يونانيين أو بلغارا، رومانيين أو صربا.. لأننا جميعًا أشقاء، وتحت الأفق الأزرق نفسه نفخر بكوننا عثمانيين أجمعيين. ابتهج الجميع بالخطاب الحماسي، وبدأ رعايا الامبراطورية مترامية الأطراف يمنون النفس بمغادرة دولة القرون الوسطي الوحشية إلى حكم القانون والدستور، لكن التاريخ لا يسير كما يحب الحالمين، إذ لم تمر أعوام قليلة حتى كان هذا الأنور نفسه يهندس ويدبر مجازر مروعة ضد الأرمن.

كان السلطان قد رضخ لمطالب ضباط جمعية الاتحاد والترقي بتفعيل الدستور وسيادة القانون، وبدا أن الأمور تسير في اتجاه تحديث الإمبراطوية المتهاوية بقوانين عصرية تحت راية حركة تركيا الفتاة، جرت مياه كثيرة في النهر، انتهت إلى اقتحام أنور ورفاقه اجتماعًا للحكومة قتل على إثره وزير الحربية وصعد الاتحاديون إلى السلطة دون منازع، وتحولت الأقاليم العثمانية بما فيها تركيا نفسها إلى ساحة إعدام لكل معارض، ونال أهل الشام على يد جمال باشا المشهور بـ"السفاح" الكثير من الأذى.

تولى رجل الاتحاديين القوي، إسماعيل أنور، وزارة الحربية وخاض دون أدنى مسؤولية تجاه بلاده الحرب العالمية الأولى إلى جوار ألمانيا، وتكبد هزيمة مدوية من الروس، ووقع عشرات الآلاف من الجنود العثمانيين ضحايا ما بين قتيل وأسير (بعضهم تجمد حتى الموت) في شتاء هو الأطول على الامبراطورية الغاربة، غرور أنور باشا صور له أن ما اعتبره "خيانة الأرمن" السبب الرئيس في الهزيمة، لتبدأ مذابح تعد من الأكبر في التاريخ بحق أبرياء كان يدعي أنهم "أشقاء عثمانيين" قبل سنوات قليلة.

كيف تحول الضابط الشاب من ثائر على استبداد السلطان إلى مجرم حرب؟ ثمة تفاصيل كثيرة في حكايات الانقلاب من الإيمان بالقيم الثورية (خاصة في عالم دموي قائم على القوة والبربرية مثل العالم العثماني) إلى النقيض في صورة جزار عسكري يرتكب الجريمة تلو الأخرى دون أن تطرف له عين.

كان أنور باشا قبل أكثر من قرن من الزمان مثل أردوغان في الوقت الراهن، قومي شوفيني استعماري بطموح عريض، الاختلاف الوحيد أن الأول علماني فيما الثاني إسلامويا نصب نفسه دون تكليف من أحد سلطانًا للمسلمين وهذا أكثر خطورة، وصارت محاولات أنور الطموحة المسمار الأول في نعش العثمانيين الذي شيعه كمال أتاتورك في 1924 بعد هزائم مذلة أمام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وصلت إلى احتلال البلاد. لقد تسبب طموح أنور باشا الاستعماري في مأساة دامية بحق عُزل في حالة الأرمن، فضلاً عن سقوط بلاده ومسؤوليته عن مذابح بحق جنوده، وأخيرًا انتهى مقتولا في بخاري عن 41 عامًا بعد تفكك الدولة العثمانية واستقلال كل الأقاليم.

المأساة تحققت بالكامل بسبب طموح أنور باشا، فيما قد تنتهى مغامرة أردوغان المستمرة منذ عشر سنوات إلى نهاية أكثر سخرية وإيلامًا، ربما تصبح أكبر من مهزلة على واقع الجمهورية التركية الحديثة، وقد يتحقق الحلم الكردي الذي عاداه كل القادة الأتراك من القوميين والإسلاميين على حد سواء.

وللمفارقة، استدعى أردوغان في معرض تبريره إرسال قوات إلى ليبيا الحملة التي قادها أنور باشا عام 1911 إلى البلد ذاتها، بالتحديد إلى طرابلس الغرب، لكنه لم يذكر الرجل، ربما هربًا من مصيره الدامي، بل ذكر كمال أتاتورك الذي شارك في الحملة نفسها تحت قيادة إسماعيل أنور، ربما ليداعب خيال الأتراك بوصف أتاتورك أحد أبطالهم، تلك الحملة نفسها لم تكن سوى استعراض عثماني ولم يكن هدفها أصلاً دحر الجيوش الإيطالية.

يقول نبيل المظفري في كتاب "العلاقات الليبية التركية"، إن "الاتحاديين لم يكونوا جادين في محاربة إيطاليا"، ثم يضيف "لقد وقع الاتحاديين تحت التأثير الخارجي، وتسلموا رشاوي من جهات أجنبية بصورة مباشرة أو غير مباشرة لقاء تسليمهم الولاية للإيطاليين"، لدرجة أن وزير الحربية آنذاك محمود شوكت حاول عرقلة ذهاب الحملة بدعوى أن "العرب سيغتالون قائدها!".

ربما يعتقد أردوغان بقدرته على استعادة ماضي امبراطورية هالكة بسبب الضعف العربي الذي اتضح بجلاء عقب الانتفاضات الجماهيرية في 2011، الواقع يشير إلى ضرورة الاعتراف بهذا الضعف والانقسام الذي سوغ لتركيا العدوان مرات على سوريا بمباركة أطراف عربية، قبل الوصول إلى مرحلة التدخل السافر في المسألة الليبية بمباركة أطراف عربية أيضًا.

(على الهامش، ياسين أقطاي مستشار أردوغان يكتب مقالات مضحكة في مواقع عربية ويزعم أنه ليس ثمة عربي واحد يعتقد أن الدولة العثمانية كانت دولة استعمارية، ويحاجج بتأثير مسلسلات مثل "أرطغرل" و"قيامة عثمان"، يمكن للقارئ متابعته للتأكد من المرحلة التي وصل إليها العقل العثماني المعاصر من تخريف واستهانة بالوعي العربي كأننا أمة بلا ذاكرة).

مغامرات أردوغان في سوريا والآن في ليبيا سيكون مصيرها النهائي شبيه بما حصل مع أنور باشا حتمًا، لقد فقد أردوغان شعبيته التي اكتسبها خلال رئاسته بلدية إسطنبول ومن ثم رئاسة الوزراء عن حزب العدالة والتنمية؛ بسبب الخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي كان يقدمها حزبه للمواطنين الأتراك، تهاوى كل شيء بعد الانتفاضات العربية على إثر خسائر الإسلاميين هنا وهناك، وتحول أردوغان من نموذج للسياسي الإسلاموي الذي يقدم على أنه النسخة الأكثر حداثة وبراجماتية في العالم الإسلامي، إلى نموذخ آخر غاية في العدوانية ومحاولات الهيمنة على الجيران مفارقًا سياسة "صفر مشاكل" التي نادي بها شريكه في الحكم ومنظر "العثمانية الجديدة" أحمد داود أوغلو قبل الافتراق النهائي بين الرجلين.

هل تكون ليبيا بداية النهاية لطموحات أردوغان وإخوانه في حزب العدالة والتنمية، مثلما كانت الحروب مع روسيا بداية نهاية إسماعيل أنور ورفاقه في جمعية الاتحاد والترقي؟ ربما يكون ذلك صحيحًا، وقد تكشف لنا الأيام القادمة عن أحداث مثيرة ومسلية أكثر من حكايات العثمانيين التاريخية المزيفة في مسلسلي "أرطغرل" و"قيامة عثمان" ومضحكة أيضًا مثل مقالات ياسين أقطاي.