في المغرب العربي لا يطلق لقب الحكيم على الطبيب مثل ما هو مألوف في المشرق العربي، بل على الإنسان المتصف بالحكمة، أي برجاحة العقل والتبصر وبعد النظر والقدرة على إيجاد الحلول للمشاكل الصعبة والعويصة والمحافظة على رباطة الجأش في الأوقات الصعبة. وهذه الصفات تنطبق على ضمير الثورة الفلسطينية الفقيد الكبير الدكتور جورج حبش .
ولا أبالغ إذ قلت أن في حالته بالذات ينطبق الاسم على المسمى. لقد قضى أكثر من ستة عقود من حياته في النضال الثوري والكفاح المستميت في سبيل تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية. وحين يطلع أي إنسان على سيرته الذاتية ومساره الكفاحي لا يمكن، إلا أن يصنفه ضمن القادة الثوريين العظام لشعوب ما كان يعرف ببلدان العالم الثالث، أمثال كاسترو وغيفارا وعبد الناصر وأحمد بن بلة والمهدي بن بركة ونيلسون مانديلا... للتدليل على ما نقول يكفي التذكير بدوره ومواقفه التاريخية. ففي بداية تخرجه من الجامعة الأمريكية كطبيب، واشتغاله معيدًا في الجامعة "تم التخطيط لتظاهرة، فأحيطت الجامعة بالاجراءت الأمنية وأغلقت أبوابها لمنع التظاهرة لم يتردد جورج حبش مع رفيقه وديع حداد في تحريض الطلاب على خلع باب الجامعة" مضحيًا بمنصبه كأستاذ طب أمامه مستقبل زاهر! وبعد ذهابه إلى الأردن لفتح عيادة طبية لم ينشغل بمستقبله المهني كما يفعل الأطباء العاديون، بل جعل من العيادة الطبية رفقة رفيقه البطل وديع حداد "مقرًا" لقيادة وتوجيه تنظيمات حركة القوميين العرب التي بدأت تتشكل في لبنان وسوريا والعراق ودول الخليج. أكثر من ذلك تقديم العلاج المجاني والأدوية لجماهير المخيم والاشتغال أيضا بمحاربة الأمية، وإصدار مجلة للتوعية والاستقطاب والتأطير الفكري.
ولم تقتصر أنشطته على ما سبق بل ساهم في تنظيم وقيادة التظاهرات، وحسب ما ذكره في حواراته عن تلك الفترة كانت أول تظاهرة ساهم في قيادتها للتضامن مع الشعب المغربي إثر القمع الشرس الذي مارسه الاستعمار الفرنسي لإيقاف احتجاجات المغاربة في نهاية 1953بعد نفي الملك الوطني محمد الخامس. في نفس السنة أسس جريدة الراية في الأردن التي استمرت في الصدور حتى سنة 1954 وبسبب مقال كتبه عن الجيش الأردني تعرض للاعتقال لأول مرة. وبعد خمس سنوات من العمل الدؤوب وفي سياق المد القومي الذي ميز المنطقة العربية بفضل الثورة الناصرية أشرف الحكيم على التأسيس الرسمي لحركة القوميين سنة 1956 التي وضع أسسها مع رفاقه منذ 1951. ومن المفارقات السياسية التي أوردتها الأبحاث والدراسات المتعلقة بتلك الفترة أن الحكيم تعرض للملاحقة والمطاردة سواء من الرجعية المعادية للوحدة التي أجهزت على وحدة مصر وسوريا، أو من القوميين البعثيين بسبب صراعهم مع الناصريين. وحسب المعلومات المتوفرة فقد كانت مرحلة 1961-- 1964- من أصعب وأقسى المراحل في مساره الكفاحي بسبب اضطراره للعمل السري لتفادي الاعتقال والمحافظة على التنظيم الفتي والتنقل سرا من دمشق إلى بيروت. في بداية سنة1964 سيلتقي أول مرة مع الزعيم جمال عبد الناصر ويتفق معه على ضرورة الكفاح المسلح لتحرير جنوب اليمن وفلسطين بعد انتصار الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي، بدعم قوي من الثورة الناصرية. ومن طبيعة الحال لم تكن الأنظمة الرجعية في المنطقة ولا الدول الاستعمارية الحامية لها مرتاحة للانتصارات المتوالية لفصائل حركة التحرر الوطني العربية. ومنذ ذلك الحين بدأ نسج المخططات التآمرية لإيقاف المد القومي التحرري الوحدوي، هكذا سيتم استدراج الثورة الناصرية للوقوع في فخ أعدته أطراف التحالف الصهيوني الإمبريالي الرجعي بإحكام، وكانت نكسة 1967 بمثابة زلزال قوي وصدمة كبيرة أثرت على جميع القوى الوطنية والتقدمية العربية وزعزعت ثقتها في نفسها وفي القيادة الناصرية.
في أجواء تلك الهزيمة وتداعياتها سينتقل الاهتمام إلى القضايا ال قطر ية على حساب المشروع القومي التحرري الوحدوي، وأصبح التركيز لدى القوى الوطنية الفلسطينية على الكفاح الوطني الفلسطيني. ولم تقتصر تداعيات الهزيمة على ذلك فحسب، بل حصل تحول فكري وإيديولوجي لدى الشباب العربي بسبب تأثيرات الثورة الثقافية في الصين وانتصارات الثورة الفيتنامية على الإمبريالية الأمريكية والثورة الكوبية في امريكا اللاتينية.
تأثرت مكونات حركة القوميين العرب إذن بالفكر الماركسي، وتبنت في نفس الفترة الماركسية ال لينين ية كنظرية والحزب الثوري كأداة تنظيمية والحرب الشعبية كاستراتيجية للكفاح المسلح. وتأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بنفس الأسس والمنطلقات في 11 كانون الأول 1967 بقيادة الدكتور جورج حبش الذي تحول الى رمز من رموز الثورة الفلسطينية، والتقى من جديد مع الرئيس عبد الناصر سنة 1968 الذي تفهم حاجة الكفاح المسلح الفلسطيني للدعم والمساندة، وسيبذل جهدًا كبيرًا لإيقاف هجوم النظام الأردني على منظمات المقاومة الفلسطينية في شهر أيلول 1970 قبل وفاته المفاجئة.
رغم الجهود التي بذلها الحكيم للحفاظ على الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كما تأسست فقد أدت الصراعات الأيديلوجية والسياسية والتنظيمية مع الأسف إلى حدوث انشقاقات أضعفت التوجه اليساري في الثورة الفلسطينية، مثلما هو حاصل في بلدان عربية أخرى. وكان للصراع الصيني السوفياتي والاجتهادات الجديدة في الماركسية تأثير في ذلك، خاصة بعد انتقال فصائل الثورة الفلسطينية إلى لبنان بعد خروجها من الأردن.
في لبنان وخلال الحرب الأهلية سيبرهن على حنكته السياسية ومواهبه القيادية مرة أخرى بالتأكيد على أن يكون التحالف بين الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل الثورة الفلسطينية بقيادة الأولى. وفي نفس الفترة تم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد السيئة الذكر، والتي أخرجت مصر بثقلها من الصراع العربي الإسرائيلي وما رافق ذلك من ردود فعل عربية وتكوين جبهة الصمود والتصدي التي لم تتمكن من إنجاز ما كان منتظرًا منها، مما شجع الكيان الصهيوني على القيام بمحاولة الاجتياح الأولى للجنوب اللبناني عام 1978 ثم الاجتياح الثاني وحصار بيروت عام 1980 الذي انتهى بإخراج القيادة الفلسطينية من بيروت، وحدوث شرخ غير مسبوق في صفوف الثورة الفلسطينية. وخلال تلك الأزمة تمسك الحكيم كعادته بالوحدة الوطنية وساهم في تحضير شروط عقد المجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الجزائرية سنة 1987.
بعد اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني التي أعادت الاعتبار والأهمية للقضية الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي، أعطى الحكيم أهمية قصوى للحماية السياسية للانتفاضة والتمسك بشعار الاستقلال الوطني وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وحق العودة ورفض كل تنازل مجاني بدعوى المرونة والتكتيك لبعض القوى الفلسطينية. ومن هذا المنطلق سيعارض بشدة مؤتمر مدريد عام 1991 برعاية الولايات المتحدة الامريكية، واتفاقيات أوسلو (عام 1993) التي لم تلبِ الحد الأدنى من طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعودة اللاجئين إلى وطنهم. وقد أكد تسلسل الأحداث بعد ذلك صحة توقعات الحكيم، وحين قررت الأغلبية داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عودة أعضائها إلى أرض الوطن احترم رأي الأغلبية ورأي المؤسسة وهي ميزة القادة الثوريين والديموقراطيين الحقيقيين المتمثلة في الانضباط لرأي الأغلبية.
سنة 2000 سيقدم الحكيم دليلًا آخرًا على شخصيته الاستثنائية بتقديم استقالته من منصب الأمين العام للجبهة في المؤتمر السادس، مقدمًا بذلك النموذج والمثل للتنازل الطوعي عن مسؤولية القيادة وفتح المجال للتداول عليها، مع استمراره في أداء دوره النضالي. وقد حدد لنفسه ثلاث مهام أساسية: "المهمة الأولى، كتابة تاريخ القوميين العرب والجبهة الشعبية وتاريخه النضالي. والمهمة الثانية، العمل على تأسيس مركز للدراسات يعنى بقضايا النضال العربي. والمهمة الثالثة، العمل من أجل إقامة جبهة قومية هدفها توحيد القوى التقدمية العربية من أجل التصدي لمسؤولياتها... وفي مقدمتها مواجهة عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني". (المرجع: جورج حبش: حياته ونضاله للباحثة زهور محمود أبو ميالة،2015)
هذه باختصار شديد ملامح وتجليات شخصية الحكيم بجوانبها الغنية والمتعددة الفكرية والسياسية والعسكرية التي أغنت الكفاح الفلسطيني وحركة التحرر الوطني العربية لذلك لم يكن من المبالغة أن يحظى بلقب ضمير الثورة الفلسطينية لأنه جسده بحق، حيث لم يتزعزع إيمانه بعدالة قضية شعبه وأهمية وحدة أمته رغم ما واجهه من صعوبات ومحن ومعاناة كادت أن تودي بحياته مرارًا. فلقد تعرض لمحاولات اختطاف واغتيال من طرف العدو الصهيوني، كما تعرض لمعاناة صحية (أزمة قلبية عام 1972 وجلطة دماغية سنة 1980) تجاوزها بفضل العناية التي حظي بها من قبل رفاقه وأصدقائه.
إن من أهم الدروس التي تركها لنا الحكيم: عدم نسيان حقيقة الكيان الصهيوني ككيان عنصري استيطاني لا يمكن القبول بوجوده على أرض فلسطين، والارتباط الجدلي بين تحرر فلسطين وتحقيق الوحدة العربية مما يتطلب الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة المقاومة والتدبير الديموقراطي للشأن الداخلي، والعمل على إعادة بناء حركة التحرر الوطني العربية. هذه المهمة الأخيرة هي التي تعمل على إنجازها مكونات الجبهة العربية التقدمية التي تجسد في رأينا أحد تجليات الوفاء لأصدق الرجال، وأخلص الرجال، وأعظم الرجال جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب ومؤسس وقائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لأربعة عقود من الزمن.
*الكاتب العام لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي / المغرب
الناطق الرسمي للجبهة العربية التقدمية

