Menu

المواقِف.. والمطلوب!

قراءة أوّلية في إعلان خطة التصفية الصهيونية بحلتها الترامبية!

حاتم استانبولي

نتنياهو وترامب

خاص بوابة الهدف

اجتمع قادة الحركة الصهيونية في البيت الأبيض لإعلان انتصارهم من خلال نشر خطة اللّمسات الأخيرة للدولة اليهودية.

ماذا حملت الخطة؟

شكلًا، ترامب أعلن عن الخطة، لكن في الجوهر نتنياهو هو من أعلن عن جوهرها الذي يحمل تصفيةً للقضية الفلسطينية وإعلان انتصارٍ نهائي للحركة الصهيونية وحلفائها المسيحيين الجدد.

الخطة أُعلِن عنها كمشروعٍ أمنيّ لإسرائيل اليهودية، وعقاري للفلسطينيين الذين يرغبون في الإقامة في إطار الدولة اليهودية مع عدم التمتع بميزاتها، وسيتم ربط التجمعات السكانية بجسورٍ وأنفاق وطرق التفافية، وبنية تحتية ستكلف 50 مليارًا ستنفقها دول الخليج، أي أن 50 مليارًا هي من أجل تحقيق الإطار الأمني للدولة اليهودية بسواعد فلسطينية، التي وصفها كل من ترامب وكوشنير بالفقر، هذا الفقر الذي يجب أن يفهموا أنّ سببه الاحتلال وحلفاءه، الذين ألغوا هوية الشعب الفلسطيني وحصروه في الاتفاق مع أعوانهم خارج إطار المنظومة القانونية المدنية، وجرّدوه من كل الإمكانيات والوسائل المعيشية هم يتحدثون عن كرامة الفلسطنييين، التي سلّبوها منهم منذ وعد بلفور.

المشروع العقاري الذي تكلم عنه ترامب لا يضير تسميته دولة فلسطينية إذا كان ذلك يؤمّن المصلحة الأمنية الإسرائيلية، دولة بلا أيّة مضمونٍ سيادي أو وطني.

الأخطر أنّ هذه الخطة ستأخذ أربعة سنوات للتنفيذ.

لكن لماذا أربعة سنوات، ومن طلب هذه المدّة؟

الخطة العقارية بالنسبة لكوشنير-ورث والده الذي كان تاجر عقارٍ في ولايتي نيوجرسي ونيويورك- هي الخيار الوحيد للفلسطينيين والفرصة الأخيرة لهم "وإذا لم يقبلوها فستكون هنالك خيارات أخرى"، هذا ما صرّح به كوشنير في مقابلته على قناة الجزيرة، ليلة أمس 28 يناير 2020، على ما يبدو أنّ الفترة الانتقالية أربعة سنوات ضرورية لبعض الأنظمة العربية من أجل تهيئةٍ داخليّة لمجتمعاتها لتقبّل فكرة الدولة اليهودية التي ستسمح للجميع بزيارة الأماكن المقدسة، ولن يكون هنالك اعتراضٌ من قبل الدولة اليهودية للإشراف الإسلامي على الحرم، لكن من خلال السيادة الإسرائيلية وما تحدده، وبما يسمح لليهود بزيارة جبل الهيكل، وهذا ما أشار به ترامب خصيصًا إلى الملك عبد الله الثاني في معرض حديثه عن القدس وفي إشارةٍ إلى عدم المساس بشرعية الولاية رافقتها غمزةَ عينٍ تحمل وجهيْ الترهيب والترغيب.

أربعة سنواتٍ ستكون فترةً لتقويض كل معيقات الخطة: فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا

دوليًا: من خلال الرباعية التي سيتم تنشيطها وسيقوم كوشنير بطرح خطته، التي لاقت موافقة من أحد طرفي الصراع (إسرئيل) لتكون مدخلًا لدراستها وطرح الرؤية الفلسطينية من على قاعدة الخطة، وسيلقى هذا الاقتراح ترحيبًا من طوني بلير قائد أوركسترا الرباعية، وروسيا التي أعلنت أنّها ستُقرر موقفها بعد الاطّلاع عليها، وسيكون مرتبطًا بالموقف الفلسطيني.

عربيًا: دول الخليج بكل عواصمها لا خيار لها سوى دعم الخطة، خاصةً أن ترامب أشار إلى الدور الثلاثي البحرين ي والإماراتي والعُماني، بالمشاركة في صياغتها وما تعنيه هذه المشاركة من امتدادات لها.

من الواضح أنّ بيان الخارجية المصرية يؤكد موقف الرئيس السيسي الموافِق مبدئيًا على الخطة، منذ ثلاث سنوات.

الموقف الأردني: وهو الموقف الأصعب، لأنه وُضِع في موقعٍ لا يمكنه فيه الاستمرار في السياسة المزدوجة، إذ عليه أن يحدد خياراته، ومدّة الأربع سنوات هذه يُقصَد منها إعطاء النظام الأردني الفترة لإيجاد الصيغة المناسبة التي سيقدمها لجماهيره.

وهذا الموقف مرتبطٌ بمدى جدّية الموقف الرسمي الفلسطيني في مواجهة خطة ترامب، كل المؤشرات تقول إن النظام في الأردن مرتبطٌ مصيريًا بمنظومة المساعدات الأمريكية الغربية، هذا الارتباط لن يؤهله إلى أخذ موقف رافضٍ للخطة، إلّا إذا واجه موقفًا شعبيًا جديًّا من الخطة، وهو في الجوهر له مصلحةٌ في هكذا موقف.

الموقف الفلسطيني: من الواضح ومن خلال كلمة عباس، ورغم كل ما طرحه من رفضٍ، أبقى موقف السلطة في إطار عقلية التفاوض العبَثي التي لن تُنتج أيّة رؤية للمواجهة.

الأخطر أن تتكرر تجربة المجلس الوطني الفلسطيني 1988 في الجزائر، الذي جمع الفصائل على أساس إعادة الوحدة وإعلان الدولة، ومن ثم أخذها أبو عمار وأبو مازن إلى أوسلو، وأوصلانا إلى ما نحن فيه.

الأربعة سنوات مطلوبةٌ للفلسطينيين كذلك، من أجل تقويض المقاومة بكل فصائلها وجمع السلاح الفلسطيني على قاعدة تصريح الجبير قبل سنوات، حول تكفل السعودية بهذا الشأن.

عباس، وفي ظلّ حديثه بالأمس، لم يطرح برنامجًا للمواجهة أو رؤية نقيضة للخطة سوى رفضها وتمسكه بالتفاوض من خلال الرباعية.

لذلك مطلوبٌ من فصائل المقاومة أن لا تُلدَغ مرةً أخرى

ومن المهم البناءُ على موقف السلطة المعلَن بشأن الخطة، لكن في ذات الوقت عليها أن تؤكد تمسكها بخيار المقاومة المسلّحة وأنّ لا مساومة عليه، فالعنوان القادم في تنفيذ الخطة هو جمع سلاح المقاومة تحت شعارات تضليلية، على شاكلة "من يملك قرار الحرب أو السِّلم" هذا الشعار الذي لا ينطبق على حركة التحرر الوطني الفلسطيني، كونها في حالة حربٍ دائمة مع المستعمر الإحلالي في فلسطين.

فصائل العمل الوطني الفلسطيني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشكلٍ خاص، عليها أن تعمل في إطار توحيد الموقف على وحدة الشعار "مجابهة خطة التصفية الصهيونية"، وفي ذات الوقت عليها أن تُفكّك الأفخاخ السياسية التي سينصبها بعض الانتهازيين الذين تربطهم مصالح مصيرية مع الاحتلال، هؤلاء الذين لم يخرجوا من عقلية التفاوض بأيّ ثمن!.

الجبهة الشعبية مع الجهاد والقسام عليهم أن يطرحوا خطتهم المتكاملة للمواجهة، خاصة أن الموقف المصري سيشكل عاملًا ضاغطًا على غزة وجماهيرها.

الأربع سنوات القادمة ستشكل أخطر مرحلة للتصفية، بعناوين عدّة: الأرض واللاجئين ومصيرهم، وستكون غزة وكذلك الشتات عنوانيْن للصمود أو عنوانيْن للهزيمة، فهما سيحملان الثقل الرئيسي في المجابهة داخليًا وخارجيًا.

من يريد المواجهة عليه أن ينتقل من خندق التفاوض العبثي والحضن الرجعي الخليجي إلى حضن دمشق وحلفائها في المقاومة، وعلى الجبهة أن تضغط في اتجاه عودة التحالف مع العواصم العربية الرافضة لخطة التصفية الصهيونية بحلتها الترامبية، وبالأخص دمشق وجيشها، الذي يواجه القوى الرجعية الداخلية المدعومة من واشنطن وحلفائها. إنّ انتصار سوريا هو عامل مهم للبناء عليه، والأربع سنوات القادمة ستكون محاولة لتقويض المقاومة اللبنانية والموقف المقاوم لدمشق وبغداد، ناهيك عن الموقف الإيراني الذي جدّد كلٌ من ترامب ونتنياهو الحرب عليه.

إعادةُ جمع الصف الداخلي الفلسطيني على قاعدة أنّ لا خيارات سوى المواجهة، الذي فرضتها خطة التصفية الصهيونية بحلتها الترامبية، والمواجهة تتطلب السرعة في إعادة بناء الموقف السياسي والتنظيمي والعسكري والمالي للمقاومة، والخروج من إطار النمطية والعودة إلى الوسائل الثورية التي تتطلّبها مرحلة التحرر الوطني، ومدخلها الخروج من دائرة الاعتماد على النظم الرسمية العربية في حل الخلافات الداخلية الفلسطينية، فهي من بعد مواقفها؛ لم تعد مؤهلة لهذا الدور.

العودة إلى الجماهير العربية التي أكدت دائمًا وقوفها مع قضيتها الفلسطينية. "الخيارات الديمقراطية" لهذه الجماهير التي تحمل مجابهة الفساد والتبعية، هي في الجوهر دعمٌ لخيارات الشعب الفلسطيني.

عنوان المواجهة القادم سيكون التمسك بالمقاومة وسلاحها ودعم موقف المقاومة العربية بكل أشكالها المقاوِمة للاحتلال. وإخراج المحتل الامريكي وقواعده من المنطقة، والصهيوني من فلسطين، هذا الشعار الجامع لقوى التحرر الوطني الديمقراطي.