بعد الإعلان عن الخطة الأمريكية المسماة "صفقة القرن"، لم تعد تجدي أي مفاوضات سياسية مع الكيان الصهيوني، وهي مفاوضات كانت مجمدة أصلًا منذ فترة طويلة، ولم تفلح الجهود السياسية التي بذلت لإحيائها من قبل أطراف دولية، وذلك بسبب تعنت وصلف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي تضم في غالبيتها ائتلاف القوى اليمينية المتطرفة، وعدم استعدادها لتلبية استحقاقات السلام العادل. وكذلك لا تجدي أيضًا بعد الإعلان عن الصفقة أي اتصالات سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية على أساس استمرار احتكارها لدور رعاية لما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط، وهي الدولة الأعظم التي تقود النظام الرأسمالي الإمبريالي المنحاز تاريخيًا للكيان الصهيوني والتي تربطها به تحالف استراتيجي متين، جعلت منه في موضع التفوق الساحق على دول المنطقة.
لقد كان ثمة إدراك لحقيقة أن الرعاية الأمريكية للعملية السلمية في ضوء تفوق الحلف الإمبريالي الصهيوني، لا بد من أن تجر الأطراف العربية الأساسية المنغمسة في الصراع مع الكيان الصهيوني إلى مزيد من التنازلات لصالحه، وهكذا جاءت اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، وأخيرًا ما تضمنته صفقة القرن من بنود، من شأنها لو طبقت لكانت العامل الحاسم في إلحاق الهزيمة الكاملة بالمشروع الوطني الفلسطيني، وكذلك أيضًا بالمشروع القومي العربي التحرري.
بعد الإعلان عن الصفقة تكون انتهت عمليًا مرحلة الدبلوماسية الناعمة للعملية السلمية التي تقوم أساسًا على شعار الأرض مقابل السلام، وهو الشعار السياسي الذي أجمع عليه النظام العربي الرسمي بعد حرب أكتوبر بدلًا من قرارات اللاءات الثلاث التي أقرها مؤتمر قمة الخرطوم الذي انعقد بعد هزيمة يونيو حزيران 67، ذلك لأنه لم تعد هناك أية أراضٍ يمكن التفاوض بشأنها بعد ضم الكتل الاستيطانية الكبرى، وكذلك غور الاردن على طول الحدود مع الأردن. أي ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة للكيان الصهيوني. كذلك لم تعد تجدي بعد الإعلان عن الصفقة بيانات الشجب والاستنكار التي اعتاد عليها النظام السياسي العربي وبعض الدول الصديقة، تنديدًا بالسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم. لم يعد يجدي كل شيء اعتادت عليه السياسة الفلسطينية والعربية الرسمية الواقعية من بعد أن احتكرت واشنطن رعاية مسيرة التسوية التي تكللت الآن بإعطاء كل شيء للإسرائيليين، وصادرت كل شيء يتعلق بحقوقنا نحن العرب الفلسطينيين.
شيء واحد فقط يجدي في مواجهة صفقة القرن الأمريكية التصفوية التي برزت خطورة بنودها بوضوح: هو صياغة استراتيجية وطنية جديدة موحدة للمقاومة بكل أشكالها. لقد انتهت مرحلة أوسلو التي حولها اليمين الإسرائيلي إلى مرحلة دائمة جعلت منها فرصة لتكثيف حملة الاستيطان والتهويد، كخطوات على طريق إنجاز المشروع الصهيوني الذي يفترض منذ بداية نشأته أن فلسطين هي أرض الشعب اليهودى، ولا مكانة للأغيار، أي العرب فيها. وهكذا اعتمدت الإجراءات التوسعية الإسرائيلية على هدف تفكيك كثافة الكتلة السكانية الفلسطينية، في محاولة لإلغاء وبشكل نهائى مشروع حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي.
إن وقائع المشهد السياسي بعد إعلان الصفقة تكشف هشاشة المواقف السياسية على المستوى العربي والإقليمي والدولي، بل وتواطىء أنظمة الفساد والاستبداد السياسي العربية، وكذلك ما صدر عن الموقف المصري الذي لم يكن متوقعًا من نظام سياسي، كان يجب أن تكون معارضته للصفقة الأمريكية التصفوية بدلًا من طلب التأني بدراستها وتقديم الشكر للولايات المتحدة فرصته الذهبية لكى تعود مصر إلى وزنها الطبيعي كقوة إقليمية عربية.
وقائع المشهد السياسي هذه التي أبرزت ضعف الردود العربية والإسلامية الرسمية، يجب أن تحفز الشعب الفلسطيني على بدء مسيرة نضال جديدة موحدة بعيدًا عن عقلية نهج التسويات السياسية المنقوصة. مسيرة كفاحية باصطفاف طبقي جديد، قادر على تعبئة الجماهير وعلى إحداث التفاف إقليمي ودولي من أجل إحقاق الحقوق الفلسطينية في العودة والدولة والاستقلال.

