Menu

راهنية حبش المنسي

د. موفّق محادين

اذا كانت الحرب العالمية الأولى قد ساهمت في تفكيك عدد من الإمبراطوريات مثل (النمسا والمجر) والإمبراطورية العثمانية التي كانت تترنح بين اقطاع راكد وبلاط من الجواري والخصيان، وبين رأسمالية وليدة تحت تأثير القناصل الأوروبيين، فإن الثورات القومية التي اندلعت تحت تأثيرات مختلفة وتحررت من النير العثماني، لم تصل إلى مستوى الثورات الكبرى مثل ثورات روسيا والصين، وظلت أسيرة التجاذبات الأوروبية ومصالحها ورواسب العصر الإقطاعي العثماني. ولم يكن مشروع البرجوازية السورية الوليدة والبطيئة وثورتها المعروفة بالثورة العربية الكبرى (تفاهم برجوازية الشام مع شريف مكة لتأمين الغطاء الديني لهذه الثورة) أفضل حالاً، ناهيك بالأوهام السياسية التي حولت هذه الثورة إلى مناخات لاستبدال الاستعمار العثماني الإقطاعي بالاستعمار الاوروبي الرأسمالي.

كما يشار هنا إلى أن المشروع المذكور استند إلى ارهاصات فكرية بين العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، مثل الجمعيات السياسية والمطابع وبعض الصحف التي ازدهرت في دمشق وبيروت وحلب والقاهرة، واستمر عقود أخرى، قبل أن تفرز الحرب العالمية الثانية ارهاصات أكثر تقدمًا، ومنها المنتديات والحركات القومية واليسارية إلى جانب حالات رثة من الجماعات الدينية والليبرالية التي أظهرت علاقات مريبة مع رجال المندوب السامي البريطاني والفرنسي هنا وهناك.

بالإضافة للأحزاب الشيوعية الوليدة تحت تأثيرات مختلفة، من نشطاء يهود وأكراد وأمازيغ في البداية، إلى أشكال من التعريب بضغط من الكومنترن وستالين شخصيًا، بالإضافة إلى حزب البعث الذي تحول إلى بعث اشتراكي بعد الاندماج مع الحزب العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، بالاضافة إلى هذه القوى، كانت الجامعة الامريكية في بيروت بحواراتها وأساتذة مثل قسطنطين زريق، مناخا خصبًا لولادة قوى سياسية جديدة أبرزها حركة القوميين العرب، وكان عدد من الأطباء والمهندسين من أبرز قادة هذه الحركة، كما هو معروف مثل الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد وعبد الرحمن النعيمي (البحرين) وأحمد الخطيب (الكويت) وغيرهم.

 وتشاء الأقدار أن يترافق هذا التأسيس مع ارهاصات ثورية بزعامة عبد الناصر في أكبر دولة عربية، هي مصر، شكلتها هزيمة جيشها في فلسطين، كما شكلتها النكبة لعدد من مؤسسي حركة القوميين العرب.

 هكذا التقط الوعي القومي استحقاقات المرحلة وآفاقها بربط جدلي أولي بين الهزيمة في فلسطين وبين التجزئة وبين التخلف والتبعية، مع جرعات زائدة للرومانسية الثورية وعجلة البرجوازية الصغيرة على تغييرات كبرى دون امتلاك صلب للقراءة النظرية الجدلية.

كانت الخلفية العامة لهذه التصورات صائبة تمامًا (ربط التحرير بالوحدة القومية والتقدم الاجتماعي)، ولكنها افتقرت إلى الوعي الماركسي النقدي، والأهم إلى مضمون هذا الوعي فيما يخص الروافع الطبقية للنهوض القومي والسياق التاريخي، كما انتبه له لاحقًا مفكرون كبار مثل عبد الله العروي من المغرب، وياسين الحافظ وإلياس مرقص من سوريا، مستندين إلى توطين وإعادة قراءة لحظة الثورة الصناعية البرجوازية الأوروبية وتجسيداتها في دولة حديثة كانت بالضرورة الدولة القومية.

إلى ذلك، وفي قلب التجربة، تميز الدكتور حبش كما زعيم الأمة وضميرها جمال عبد الناصر، بحيوية غير عادية في المراجعة المستمرة والتعلم النقدي وصولاً إلى مراجعات جديدة تخدم الكفاح القومي قي ضوء التجارب العالمية أيضًا. وقد توصل الدكتور حبش مع رفاقه إلى مقاربة الحالة العربية ومنها الحالة الفلسطينية، بالحالة الفيتنامية والصينية (جدل العلاقة بين مقارعة الاحتلال المباشر وبين مقارعة تجسيداته في التبعية والتجزئة والتخلف)، وظلت الهوية القومية هي العنوان الأساسي لكل ذلك، إلى جانب خصوصيات عديدة أبرزها الخصوصية الفلسطينية؛ كجزء من تشخيص التناقض الرئيسي دون أن تحل محل الهوية (القومية).

ولو قيّض لهذا الخطاب أن يستمر في تجربة الجبهة الشعبية لكانت هذه التجربة في مقدمة الثورة العربية وليس الفلسطينية وحسب، ولو قيض للدكتور حبش أيضًا، أن يظل على قيد الحياة بعد السنوات العجاف الماضية وأفول الدولة والهويات ال قطر ية، لاستعاد (على الأرجح) مقارباته الفيتنامية والماوية الأولى، في عودة نقدية غنية بالتجربة إلى الجذور، إلى حركة القوميين العرب.

فإذا كانت أوهام بناء دولة القومية قد سيطرت على مشروع البرجوازية السورية بالاعتماد على الاستعمار الأوروبي الجديد، ضد الاستعمار العثماني القديم، وكانت النتيجة مدمرة كما بات معروفًا، فإن أوهام ( التحرر الوطني) والهويات المحلية، وكذلك أوهام (التحرر والحراك المدني) خارج التحرر القومي، تتوارى بسرعة ولا تخلف وراءها سوى الزوابع وحصاد الهشيم.

وكما يقول عبد الله العروي وياسين الحافظ، ليس بوسع أي شعب أو أمة أن يقتحم العصر بعيدًا عن ملامحه وسياقاته والأهم الشرط الاجتماعي التاريخي للحضور والمشاركة فيه، ولا سيما أن فكرة (الفوات) لا تعوض بحرق المراحل ولا بالقفز عنها، بل باجتراح بدائل لها على نحو الثورات الاشتراكية في الصين وفيتنام التي جاءت كبديل للثورات الصناعية البرجوازية في أوروبا وربطت التحرر الاشتراكي والوطني بالتوحيد القومي.

ومن المفارقة بمكان هنا، وفيما يخص تجربة الدكتور حبش وحركة القوميين العرب، الوعي المبكر الأولي بالمقاربة السابقة، وغياب ذلك في السنوات التي أعقبت مؤتمر الجزائر وإعلان رغائبي رومانسي عن حلول سياسية لا تمتلك الحد الأدنى من الشروط التاريخية، ولا تنسجم مع تطور الصراع نفسه مع الكيان الصهيوني، ولا مع (قواعد الاشتباك الجديدة) التي باتت تدور على مستوى الاقليم برمته. فالمشروع الصهيوني لم يعد اليوم مجرد ثكنة عسكرية إمبريالية، بل صار جزءًا من نسيج أوسع للتحالف الإمبريالي، الرجعي على مستوى المنطقة، مما يحتم إعادة إنتاج لصيغة تشبه حركة القوميين العرب، يلعب الفلسطينيون فيها دور الطليعة الثورية من أجل برنامج تحرر عربي عام لا من أجل سلطة كسيحة مهما كانت النوايا والأحلام التي تؤطرها.

إننا ونحن نستعيد ذكرى هذا القائد الكبير جورج حبش، لا نستعيده كقائد فلسطيني، بل كقائد عربي امتد حضوره الأول إلى الخليج و اليمن والحجاز، وأسس لتجارب غنيّة مؤهلة للانخراط من جديد في البرنامج الغائب، برنامج التحرر القومي الاشتراكي، حيث سقطت كل التجارب الصغيرة ومنها وهم أي تحرر وطني وحراك مدني خارج التحرر القومي، حيث تشابك قضايا التحرر الاجتماعي والحريات السياسية وتداول السلطة وفك التبعية مع المتروبولات الرأسمالية مع قضايا التحرير والتوحيد القومي.