أغلق العام 2019 صفحته على انتفاضة شعبية وطنية إنطلقت شراراتها في 17 تشرين الأول/أكتوبر، على خلاف أهل السلطة في التعاطي مع مطالب وأهداف هذه الانتفاضة، وعلى محاولة تفصيل إنتاج حكومة جديدة على قياسات أهلها التي لم تبصر نور تشكيلاتها وبرنامجها (حتى كتابة هذه السطور)، وعلى وقع محاولات استحضار العوامل الطائفية والمذهبية والنفخ في نارها للنيل منها، وعلى وقع انهيار اقتصاد الريع - الرأسمالي وفوضى الأسواق المالية والنقدية، وتدحرج سريع لقيمة العملة الوطنية، وإختفاء الدولار من البنوك، وإنتعاش السوق السوداء، والحصيلة لحد الأن تمثلت في إغلاق مئات المؤسسات الصغيرة، وصرف عشرات الآف العمال والموظفين في القطاع الخاص، أما باقي المؤسسات فبدأت بدفع نصف المعاش الشهري، لندخل في أزمة سيولة مريعة بعد فضيحة تهريب مليارات الدولارات من قبل بعض السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال بعد الانتفاضة. ولتبدأ مرحلة الإنعكاسات السلبية لهذه الأزمة على القطاعات الطبية والصحية والخدماتية، مع فقدان للكثير من الموارد الحياتية الأساسية وارتفاع أسعارها بشكل جنوني، كنتيجة لهذه الأزمة بعد قرارات وقف كافة التحويلات بالعملة الصعبة.
الانتفاضة الشعبية تتصاعد وتيرتها يومًا بعد يوم، والتجمعات مستمرة في الساحات، والمظاهرات تنتقل من بنك الى بنك، ومن مؤسسة إلى أخرى، في محاولة لتصويب أهدافها نحو خرق بنية النظام السياسي- الطائفي وسياساته الاقتصادية النيوليبرالية المدمرة.. ورغم أن الانتفاضة حققت تقدمًا كبيرًا في مسارها، وفي تنوع برامجها، وفي القدرة على صمودها في وجه طغمة سياسية واقتصادية وطائفية إلا أن مسارها طويل.. بحكم أن السلطة السياسية ما عادت سلطة، والدولة ما عادت دولة، والمؤسسات لم تكن يومًا مؤسسات في خدمة الشعب.
الفقر ينتشر، والبطالة ترتفع، والانتظار اليومي الطويل على أبواب المصارف لسحب 200 دولار في الإسبوع، بات خبزًا يوميًا لصغار المودعين الذين يشحذون مدخرات عمرهم دون أن يتمكنوا من الحصول على اليسير منها، بعد أن تم مصادرتها والإستيلاء عليها "بشحطة قلم"، من حاكم البنك المركزي بتواطؤ مع الطبقة السياسية المسيطرة. ولم تكتف "الاليغارشية" بذلك، بل تعمد إلى تخويف اللبنانيين بدقة المرحلة وخطورتها، وصعوبة الاستحقاقات القادمة على المستوى الوطني والإقليمي، وهي استحقاقات لم تغادرنا أصلاً منذ تأسيس "الصيغة اللبنانية"، إلى "اتفاق الطائف"، إلى إسقاط إتفاق 17 أيار الخياني، والتحرير من الغزو الأميركي والأطلسي والمحتل الصهيوني، لغاية اليوم.
ما الجديد لدى الطبقة الحاكمة لتقدمه للشعب اللبناني سوى توريث خلافاتها، وتجييش منازعاتها طائفيًا ومذهبيًا، وفي أحسن الأحوال تسويق اتفاقاتها أو تفاهماتها المفضية إلى تحاصص الفساد والنهب، وتقاسم مغانم الدولة والشعب لكل فريق سياسي طائفي، ولكل حسب قياسه.
كل شيء لدى أرباب النظام منذ ثلاثين عامًا، يتم ترحيله وتأجيله، ولو أفترضنا جدلاً أن هذه الأزمة سيتم معالجتها فإنها حكمًا ستعالج من قبلهم وفقًا لمصالحهم ومحاصصاتهم، وليس على قاعدة إصلاحات وطنية، وهي القاعدة الأساس للانتفاضة من أجل الإنقاذ الوطني، ومن دونها، يكون من المستحيل العبور لبناء الوطن الديمقراطي العلماني المقاوم، وإلى امتلاك السلاح الوطني لمواجهة تحديات المشروع الاميركي والصهيوني في المنطقة.
خطر مشروع "الشرق الأوسط الأميركي الجديد" المحدق بنا، وبالمنطقة، يجب أن يُواجه بمشروع وطني تحرري شامل، ويجب أن لا يغيب لحظة واحدة عن مهامنا، بالرغم من صعوباته وتعقيداته، كونه المشروع البديل القادر على استعادة النهوض لحركة النضال السياسي والشعبي الوطني، ولجبهة المقاومة الوطنية الشاملة، وربط ذلك بعملية الصراع الوطني والطبقي، من دون تردد، ومن دون الوقوع بعقدة نقص موازين القوى السياسية والعسكرية. فموقعنا الفكري والطبقي الطبيعي أن نكون على نقيض الرأسمالية ومشاريعها الاستعمارية، وموقفنا لن يتغير في مواجهة ومقاومة "مشروع الشرق الأوسط الجديد" في المنطقة بكل الأشكال المتاحة؛ كونه المشروع المعادي لمنطقتنا ولحرية شعوبنا ولتحررها واستقلالها، وهو المشروع المولد للحروب والصراعات والإرهاب والتطرف في المنطقة، ومع كل تصريح أميركي عن دعم ثورة عربية هنا، أو التأكيد على الديمقراطية هناك، يعيدنا إلى أكذوبة الديمقراطية الأميركية في احتلال العراق، ونماذج الديمقراطية والتنمية في معتقل " أبو غريب" وفي معتقل "غوانتانامو"، دون أن نغفل عن الديمقراطية الأميركية في دعم العدو الصهيوني و "تهويد فلسطين"، والكرم الحاتمي الديمقراطي بإهداء مرتفعات الجولان المحتل إلى العدو الصهيوني.
الانتفاضة الشعبية ومقاومة المشروع الأميركي – الصهيوني- الرجعي مهمتان وطنيتان ضروريتان للتحرير والتغيير الديمقراطي. فانتفاضة شعبنا تعمل على مشروع إنقاذ وتحصين الوطن من خلال بناء وطن ديمقراطي مقاوم. وبدونه، سيبقى لبنان "مشروع وطن ودولة ومؤسسات" و "ساحة لتبادل الرسائل المتفجرة في المنطقة"، كما هو حاله منذ الاستقلال لحد اليوم، وعليه، فإن تثوير الانتفاضة هي مهمة برسم اليسار وكل قوى التغيير والديمقراطية في قدرتها على التعبئة والتنظيم وتأطير حركة الانتفاضة، كما القدرة على حضور الطبقة العاملة وحركتها النقابية إلى جانب كافة الشرائح الاجتماعية الوسطى والدنيا المفقرة، بفعل التحالف السياسي – الطائفي – الرأسمالي وسياساته الاقتصادية المدمرة وفساده المستشري.
فبقدر ما تنجح الانتفاضة الوطنية في إفشال مخططات هذا التحالف الرأسمالي الرجعي الطائفي، من محاولات اللعب على وتر الطائفية أو المذهبية أو بالرهان على تعب المنتفضين، أو التهويل بالوضع الاقتصادي أو النقدي والمالي.. تكون قد نجحت في تصويب بوصلة الصراع الطبقي، والتقدم في هذا المسار حتى تشكيل حكومة وطنية إنتقالية من خارج المنظومة السياسية الحاكمة، تتبنى برنامجًا مرحليًا للإنقاذ الاقتصادي والتغيير السياسي قائم على إصلاحات جذرية تؤسس لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية المقاومة وفق:
- نظام اقتصادي وطني منتج، يوفر العدالة الاجتماعية وفرص العمل ويلبي طموحات الشباب والنساء والطبقات العاملة والوسطى بدلاً من اقتصاد ريعي تسيطر عليه الاحتكارات والمصارف والشركات العقارية والرساميل الكبرى برعاية أرباب النظام السياسي الطائفي.
- تشكيل هيئة قضائية وطنية مستقلة لإسترداد الأموال المنهوبة والمهًربة، ومحاربة الفساد، وإسترجاع الأملاك البحرية والنهرية العامة المسروقة، ووضع نظام ضريبي إصلاحي، ووقف خصخصة القطاع العام، وإخضاع سياسات البنك المركزي للمحاسبة والزامه نشر حسابات أرباحه وخسائره لمعرفة انعكاساتها على الدين العام.
- إقرار قانون وطني ديمقراطي للانتخابات يقوم على أساس النسبية والدائرة الواحدة خارج القيد الطائفي، وإجراء انتخابات مبكرة على أساس هذا القانون الديمقراطي.
- خفض سن الاقتراع إلى 18 سنة.
- إقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، وإلغاء كل أشكال التمييز بحق المرأة.
فكما أن الانتفاضة الشعبية، هي فعل مقاومة النظام السياسي – الطائفي المولد للأزمة الوطنية، والمهدد للسلم الأهلي، والمدمر لأسس الحياة المدنية والديمقراطية في المجتمع، والمسؤول عن إفقار الشعب وتجويعه وتخلفه، فإن مهمتها تتطلب محاسبة كل أشكال الفساد والنهب، والتحرر من التبعية والهيمنة الهيمنة الطائفية والمذهبية... لبناء دولة وطنية ديمقراطية. كذلك، فإن جبهة المقاومة الوطنية الشاملة، وفي ظل احتدام الصراع ضد المشروع الاميركي –الصهيوني- الرجعي، هي أيضًا، مشروع تحرري سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي يتوجب النهوض به والنضال من أجل القضاء على المشروع الاستعماري العدواني الجديد، وإنجاز التحرير والاستقلالية والتنمية وفق مشروع وطني ثوري شامل.
إن انتفاضة شعبنا الوطنية لا تخيف إلا من يخاف على امتيازاته الطبقية والفئوية والطائفية، ومن حق شعبنا الذي قاوم المحتل الصهيوني على مدى ربع قرن وقدم التضحيات الجلى وزرع الشهداء من كل الوطن.. وحرر أرضه عام 2000 دون قيد أو شرط، كما تضحيات شعوب فلسطين والعراق وسوريا.. والمنطقة العربية، أن ينتفض ويثور ليتحرر من التبعية والرأسمالية والطائفية، ومن كل أشكال القهر والظلم والجوع والبطالة والفساد والنهب من أجل وطن حر وشعب سعيد.

