Menu

خطة ترمب.. من السلام إلى الازدهار (ج2)

حاتم استانبولي

خطة ترامب في جميع أجزائها تستند على ثلاث محاور؛ يهودية الدولة وأمنها ودمجها في المنظومة الإقليمية للمنطقة. يهودية الدولة تعتمد الخطة على السرد التاريخي التوراتي لأحقية اليهود في دولة على أرض فلسطين التاريخية، وتعتمد في ذلك على السرد الزمني التاريخي لتتابع الأديان في فلسطين، وهنا فإنها تطرح أولوية الديني على الوطني كأساس لإبراز الحقوق التاريخية. إن اعتماد الدين كمبدأ لتحقيق المصير هذا سيشكّل سابقة قانونية تشرع أحقيتها لأية مجموعات دينية في أية دولة، وسيكون مدخل للتشرذم والتعصب الديني الذي سينتج حالة من الصراع الإنساني على الأحقية الالهية، وبالجوهر يشرع فكرة داعش أو أية قوة دينية إن كانت إسلامية أو مسيحية أو بوذية أو سيخية... في سعيها لإقامة دولتها الديني.

لكي تتحقق الدولة اليهودية عليها تقويض المعيقات التي تعترض قانونيتها واستمرارها، هذه المعيقات التي نشأت مع بداية تطبيق وعد بلفور؛ أهم معيقات الدولة اليهودية هي وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية التي لم تستطع إسرائيل وحلفائها وشركائها إلغاء وجوده وتقويض الخيارات الوطنية والحقوقية للشعب الفلسطيني. الخطة تعتمد حرب حزيران 1967 وقرار 242 كمدخل لوضع مجموعة من المفاهيم تريد من خلالها تحقيق رغبة الفلسطينيين لحقهم في تقرير المصير وتعترف بذات الوقت إنها لن تستطيع تحقيقها 100%، وفهمها لتحقيق تقرير المصير بدولة فلسطينية يعتمد على تحقيق شروط عديدة جوهرها أن لا تشكل ما سمته الدولة الفلسطينية أية مخاطر وجودية أو قانونية أو ديمغرافية ليهودية الدولة؛ ولتحقيق ذلك يتطلب أخذ معطيات الواقع القائم الآن وعدم النظر إلى الخلف (المقصود بالخلف الرواية التاريخية الوطنية الفلسطينية في حين أن الخطة تعتمد الرواية التوراتية في أحقية الدولة اليهودية).

 فما هو الواقع الذي تحدده الخطة كمعيقات لتحقيق السلام والموافقة على إقامة الدولة اليهودية؛ المعيقات تحمل عدة أشكال سياسية وأمنية وثقافية وحقوقية وديمغرافية.

سياسية (غزة): التي تشير إليها الخطة الترامبية إلى أن سلطة حماس في غزة سلطة تعتبرها الإدارة الأمريكية وإسرائيل إرهابية تحاول مع فصائل فلسطينية أخرى تقويض الأساس القانوني والوجودي لإسرائيل كدولة يهودية. وهنا فإن الرؤية الترامبية وضعت شرطين لغزة؛ الأول: إذا كانت حماس تريد أن تكون جزء من الدولة الفلسطينية وحكومتها القادمة عليها إعلان اعترافها بيهودية الدولة ونبذ العنف وإلقاء السلاح والمساهمة في أن تكون غزة منزوعة السلاح.  الشرط الثاني: إذا لم توافق حماس على الشرط الأول، فإن نزع سلاح غزة يجب أن يكون من خلال هيئة مستقلة معتمدة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أو أية جهة تحظى بموافقة واشنطن وتل أبيب.

اقرأ ايضا: قراءة أوّلية في إعلان خطة التصفية الصهيونية بحلتها الترامبية!

المعيق الثاني: يتحدث عن أن السلطة في الضفة الغربية لم تستطع أن تلبي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية بالرغم من المليارات التي قدمت للسلطة التي اتهمتها الخطة الترامبية بالفاسدة، وحملّت مؤسساتها مسؤولية التحريض الإعلامي وعدم تمكنها من إقرار منهج تعليمي خالي من ثقافة التحريض على إسرائيل. ولتحقيق الدولة الفلسطينية المنشودة علي الجميع التعاطي مع معطيات الواقع، بمعنى التداخل السكاني بين الفلسطينيين واليهود في الضفة المقصود بالمستوطنات، وهنا فإن الحرص على عدم إحداث تنقلات سكانية ممكن أن تؤثر على ملكياتهم الفردية والحقوقية، ولحل هذه المشكلة تتم من خلال تبادل للأراضي، بحيث تؤمن أراضي للدولة الفلسطينية ما نسبتها 97% من حجم الأراضي التي احتلت عام 1967، وهنا فقد اعتبرت الخطة أن تنازل إسرائيل عن أراضي لها بها حق تاريخي هو إنجاز، حيث ستقدم إسرائيل للدولة الفلسطينية قرى المثلث ذات الأكثرية الفلسطينية التي كانت ضمن الدولة الأردنية وأعيدت لإسرائيل عام 1949 لضرورات أمنية دفاعية، كما ستعطى أراضي منفصلة في غزة لكي تتمكن الدولة الفلسطينية من إقامة مشاريع سكانية وزراعية. الواقع الذي سينتج عن تبادل الأراضي سينتج عنه جيوب سكانية متفرقة سيتم معالجة الترابط بينها من خلال شبكات من الطرق والجسور والأنفاق، وسيتم جمع 50 مليار دولار للاستثمار على عشر سنوات في إقامة الدولة الفلسطينية ومتطلباتها. وبهذا الصدد يتم الإشارة إلى مؤتمر البحرين الخاص بالشق الاقتصادي لصفقة القرن، وتطرح الخطة الترامبية الحقوق المدنية والقانونية للتجمعات السكانية في إطار انتقالها من سيادة إلى أخرى، وتشير إلى أحقية خياراتهم بالمواطنة في الدولة التي يختارونها وخاصة لسكان القدس والمثلث أو الاحتفاظ في جنسياتهم الغير إسرائيلية أو الفلسطينية (المقصود بالجنسيات الأجنبية)، وهنا تقترح عليهم الإقامة الدائمة في الدولة التي يختارونها. ولكي تتحقق إقامة الدولة الفلسطينية عليها أن تأخذ المصالح الأمنية الإسرائيلية بعين الاعتبار، وتحت شعار الأمن:

1.    السيادة الأمنية الإسرائيلية غرب نهر الاردن برًا وبحرًا وجوًا بما فيها الطرق السريعة والجسور والأنفاق وأخذ الموافقة لأية تراخيص لعمليات بناء فلسطينية قريبة من حدود إسرائيل، وخاصة في منطقة القدس. كما تشترط بشكل حازم أن الدولة الفلسطينية عليها أن تكون منزوعة من السلاح.

اقرأ ايضا: ما هي خطة ترامب.. من السلام إلى الإزدهار (ج1)

2.    متطلبات الأمن الإسرائيلي تفرض ضم غور الأردن لما يشكله ذلك من تمكين إسرائيل من الحفاظ على أمنها في حال أن استخدمت الأراضي الأردنية للعدوان على دولة اسرائيل (وهذه المخاوف من الممكن أن تطرح مستقبلًا للسيطرة على السلسلة الجبلية الغربية التي تمتد من الجنوب إلى الشمال بما فيها جبال عجلون والسلط).

3.    متطلبات الأمن الإسرائيلي تقترح تشكيل عدة لجان للأمن والحدود متعددة الوظائف والمهام منها داخلية ومنها رباعية وسداسية، تتشكل هذه اللجان من الولايات المتحدة وإسرائيل والدولة الفلسطينية و مصر والأردن والإمارات والسعودية. أما عن تمويل هذه الحاجيات الأمنية فتكون بنسبة محددة من هذه الدول وتعفى الدولة الفلسطينية من المساهمة الدفاعية كون إسرائيل هي من تتحمل هذه المسؤولية.

4.    متطلبات الأمن الإسرائيلي تتطلب أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح ولها جهاز أمني داخلي مهمته حفظ الأمن ضد أية عمليات إرهابية ضد الدولة الفلسطينية أو إسرائيل أو الأردن أو مصر. أما عن حماية الدولة من العدوان الخارجي فإن دولة إسرائيل هي التي تقع عليها مسؤولية الدفاع عن الدولة الفلسطينية.

5.    يسمح للدولة الفلسطينية أن يكون لها علاقات مع الدول وتملك ممرات حدودية مع كل من مصر والأردن التي ستكون عبر طرق تربط الدولة الفلسطينية بمحيطها وستكون المسؤولية الأمنية تحت الرعاية الإسرائيلية، وبما يمكن من مراقبة انتقال الأفراد والبضائع التي يجب التدقيق بالمواد ذات الاستخدام المتعدد، وهنا على الأردن ومصر الاضطلاع بمسؤولياتهم بهذا الشأن لوضع نظم وتعليمات وبمشاركة أو إشراف أمريكي في اللجان التي ستراقب مرور البضائع والأفراد، وستكون لجان الرقابة بلباس مدني بحيث لا تحدد جنسية المراقب الجمركي أو الأمني.

والمعيق الأهم والذي يتعلّق بالمعتقدات الدينية هو مدينة القدس التي تحتل مكانة خاصة لدى الأديان الثلاثة، وهنا فإن خطة ترامب تحسم سيادة إسرائيل عليها وتشترط وحدتها، وإذا ما أرادت الدولة الفلسطينية من إقامة عاصمتها في القدس، فقد حددت شمالها وغربها في كفر عقاب أو شعفاط أو أبو ديس وتسميها القدس أو أية تسمية تريدها، وتبقى جيروزالم الموحّدة هي عاصمة إسرائيل. أما المراكز الدينية فهي تخضع للسيادة الإسرائيلية الكاملة وتحدد مع الدولة الفلسطينية شروط الزيارات الحرة للصلاة والعبادة في الأماكن الدينية بدون أية قيود، وبما لا يتعارض مع الحاجيات الأمنية لإسرائيل. وفي هذا الصدد ممكن أن يتم التعاون مع المملكة الأردنية الهاشمية في السياحة الدينية للأماكن المقدسة للديانات الثلاث.

وهنا يجدر الإشارة إلى أن خطة ترامب لم تتطرق إلى الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية، وإنما أخضعتها للسيادة الإسرائيلية وتطرقت إلى التعاون في المجال السياحي بين الأردنيين والفلسطينيين والإسرائيليين، ومن خلال إنشاء منطقة سياحية والاستثمار في بنيتها التحتية، وأكدت على أن تراخيص المرشدين السياحيين يجب أن تحظى بموافقة إسرائيلية لكي تحرص على أن الرواية الدينية التواراتية هي السائدة.

من الواضح في هذا القسم تم التطرق إلى قرار 242 بمفهوم عدم تعريف الأراضي المحتلة لعام 1967، وهنا يدخلنا في الحوار على النص، وليس الحوار على أساس الواقع المادي للاحتلال ومسؤولياته القانونية. ومن الواضح أيضًا أن هذا القسم عندما يتطرق لعنوان حق تقرير المصير يربطه بالاحتياجات الأمنية للدولة اليهودية وشرط الاعتراف بها، وليس خيارًا كما أقرته القوانين الدولية والأمم المتحدة في ميثاقها الذي يحدد مفهوم حق تقرير المصير للشعوب الرازحة تحت الاحتلال، خاصة أن الاحتلال لفلسطين يكتسب طابع خاص كونه احلالي والغائي وإلحاقي، ويتناقض مع الأسس القانونية للاعتراف بالشعوب والدول في تقرير مصيرها، والذي يتعارض مع الأساس الديني لقيام الدول والاعتراف بها. هذا المفهوم الذي سيشكل أساسًا يبنى عليه في قانونية أية مطالبة للمجموعات الدينية في الدول بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها. الخطة تضع القوانين الأمريكية وقرارات برلمانها كأساس قانوني، بما يوحي أن فلسطين هي ولاية أمريكية، تقوم بتوزيع حقوق ملكيتها بين المجموعات السكانية على أساس انتمائهم الديني.